ووفقًا للمعطيات الميدانية؛ فإننا أمام تطبيق عملي لاستراتيجية إقليمية ودولية كبرى تهدف إلى تأميم الصراعات البينية، وإعادة دمج القوى المحلية التي تمثل أذرعًا وظيفية لقوى إقليمية ودولية، ضمن هياكل الدولة المركزية يتم التحكم بها، وهو مسار يجد توأمه الوظيفي في المشهد اليمني بين الحكومة الموالية للرياض وواشنطن والمجلس الانتقالي الجنوبي، الموالي لأبو ظبي والكيان المؤقت.

وما جرى في ريف حلب الشرقي، خلال الـ 24 الساعة الماضية، من تسليم "قسد" لأكثر من 14 قرية وتأمين خروج مئات العناصر بأسلحتهم، ليس انكسارًا عسكريًّا بقدر ما هو واقعية سياسية وإعادة تموضع وانتشار، أملتها تفاهمات "10 مارس"، والذي جاء على أساس التحوّل المدروس في جنوب وشرق اليمن لتوزيع الأذرع، نهاية العام الفائت، كلله أتفاق الرياض، مطلع العام الجاري.

هذه الواقعية تعكس ضغوطًا لدى القوى المحلية "قسد في سوريا، والانتقالي في اليمن"؛ بأنّ سقف الانفصال قد اصطدم بـ "فيتو" دولي وإقليمي صارم؛ فكما ترفض السعودية ومن خلفها واشنطن تفكيك اليمن الوظيفي لصالح كيانات منفصلة، بزعم المحافظة على ممرات الطاقة والأمن القومي الإقليمي، تفرض التوازنات في سوريا "الروسية، التركية، والأمريكية" بقاء الدولة السورية الوظيفية موحدة، مع تحويل الطموح الكردي من "حلم الدولة" إلى "شراكة داخل المؤسسة"، والانفصال لجنوب اليمن إلى حكم ذاتي.

وتتقاطع ملامح المشهدين في آلية الدمج العسكري؛ فمشهد انضمام مئات العناصر من "قسد" للجيش السوري في "مسكنة ودبسي عفنان"، يماثل في دلالاته السياسية آليات دمج وحدات الانتقالي، في "المهرة وحضرموت وشبوة وعدن"، ضمن وزارتي الدفاع والداخلية للحكومة المدعومة من الرياض.

الهدف في الحالتين هو نزع فتيل تأكل الأذرع عبر التبعية المالية والإدارية للمركز؛ فالقوى الكبرى "واشنطن، لندن، الرياض، والإمارات" تمارس عملية ترويض لهذه القوى؛ فتمنحها نفوذًا محليًّا ومقاعد في مجلس القيادة أو في الإدارة المحلية، مقابل التخلي عن راية الانفصال التي قد تشعل حرائق إقليمية لا يمكن إطفاؤها، خاصة في ظل الحساسية التركية المفرطة تجاه أيّ كيان كردي مستقل، وهو الأمر عينه بالنسبة للسعودية في اليمن.

ووفقًا للمعطيات؛ فإنّ صيرورة هذه الاتفاقات -سواء في سوريا أو اليمن- تستند إلى ثلاث ركائز تجعل من الزواج القسري بين الخصوم ضرورة لا بديل عنها، وتأتي "الموارد السيادية" أولاً؛ إذ تتركز آبار النفط والغاز في شرق سوريا وشرق اليمن، والاعتراف بالانفصال يعني فوضى قانونية في عقود الطاقة الدولية، وهو ما ترفضه القوى العظمى جملة وتفصيلاً في الوقت الراهن.

كما تتمثل الركيزة الثانية بما يسمى "مكافحة الإرهاب"؛ إذ يُستخدم "بعبع داعش" في سوريا و"أنصار الله" في اليمن كغراءٍ أمني يجبر تلك القوى المحلية على التنسيق مع جيش مركزي تحت قيادة موحدة، حتى وإنّ لم تكن محلية، وذلك لضمان استمرار تدفق الميزانيات الضخمة والدعم الدولي.

كما يتمثل "العدو المشترك"، كمرتكزٍ أخير لهذا الزواج القسري، مدفوعًا بالخوف من التمدد التركي في الشمال السوري، والخوف من التمدد "الحوثي" إلى الجنوب اليمني؛ حيث يمثلان القوة الطاردة التي تدفع الفصائل المحلية المتناحرة والمختلفة أيدلوجيًّا للارتماء في أحضان ما يسمى "شرعية الدولة" كخيارٍ وحيد للبقاء، مالم فسيتم إقصائها من المشهد برمته.

ويبدو في خلاصة هذا المشهد اليوم، أنّ وصول طلائع قوات الجولاني إلى محافظة الرقة ودخولها "دبسي عفنان" بالتوازي مع انسحاب "قسد" الهادئ، لا يسقط القناع عن المخطط الأمريكي لتقسيم المنطقة، والشرق الأوسط الجديد، بمعناه الجغرافي الصرف، وإنّما يكشف عن توجّه نحو اللامركزية السيادية، والأقاليم والحكم الذاتي، حتى تظل منظومة الحكم في القبضة الأمريكية الصهيونية.

وبالنتيجة؛ فنحن أمام استقرار ميكانيكي تفرضه الضغوط الخارجية، حيث يتم ترسيم الحدود داخل الدولة الواحدة بدلاً من تمزيق الخارطة، وهذا الواقع، وإنّ بدا هشًا، هو الأداة الوحيدة التي تملكها العواصم الكبرى حاليًا لمنع انهيار منظومة الأدوات الوظيفية برمتها، وبانتظار تسويات كبرى قد تحوّل هذا الدمج القسري إلى سلامٍ مستدام، أو تبقيه جرحًا مفتوحًا يُدار بالمسكنات السياسية، وتلهبه كلما دعت الحاجة.

المصدر

المصدر: ٢٦ سبتمبر نت

كلمات دلالية: فی سوریا

إقرأ أيضاً:

اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية

يمن مونيتور/ رصد خاص

كشفت السلطات الأمريكية عن مستجدات جديدة في القضية التي هزّت أوساط الجالية اليمنية في ولاية نيويورك، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى صالح محمد (28 عاماً) على خلفية جريمتي قتل وقعتا يوم الإثنين في مدينتي بوفالو وتشيكتواغا.

ومثل المتهم أمام المحكمة، حيث وُجهت إليه ثلاث تهم بالقتل من الدرجة الثانية وتهمة واحدة بالقتل من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية مقتل عائشة عبد الله وطفلين داخل منزل في منطقة تشيكتواغا.

وفي تطور متصل، أكدت شرطة بوفالو أن المتهم يواجه أيضاً اتهاماً منفصلاً بالقتل من الدرجة الثانية في قضية إطلاق النار التي أودت بحياة المواطن اليمني شكري علي صالح الشيبة داخل متجره في شارع غرانت بمدينة بوفالو، وذلك قبل وقت قصير من اكتشاف الجريمة الأخرى.

وتشير المعطيات الأولية إلى وجود صلة بين مسرحي الجريمتين، فيما تواصل أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة واستكمال التحقيقات لتحديد التسلسل الكامل للأحداث وكشف جميع ملابسات القضية.

ورغم تداول روايات متعددة بشأن أسباب الجريمة، أكدت المعلومات الرسمية الصادرة حتى الآن عدم وجود أي إعلان من الشرطة أو النيابة العامة يوضح الدافع وراء الجرائم.

كما لم تتضمن البيانات الرسمية أي إشارات إلى خلافات عائلية أو مشكلات مالية أو اضطرابات نفسية، ما يجعل جميع التفسيرات المتداولة في الوقت الراهن مجرد تكهنات غير مؤكدة.

ويُحتجز المتهم حالياً في مركز احتجاز مقاطعة إيري، بانتظار استكمال الإجراءات القضائية ومواصلة التحقيقات.

وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل ترقب واسع داخل الجالية اليمنية لنتائج التحقيقات الرسمية التي يُنتظر أن تكشف الدوافع الحقيقية وراء واحدة من أكثر الجرائم صدمة التي شهدتها الجالية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

دوافع غامضة وصدمة كبرى.. ماذا حدث للأسرة اليمنية في مدينة بوفالو الأمريكية؟

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الديوان الملكي: الملك محمد السادس يستقبل رئيس دولة الإمارات بالرباط ويبحثان قضايا إقليمية ودولية 
  • أسود الأطلس ينهون الوديات المحلية برباعية أمام مدغشقر قبل شد الرحال إلى أمريكا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • بني سويف تتجمل.. حملات مكثفة بالوحدات المحلية لرفع مستوى النظافة والتجميل ومواجهة التعديات لخدمة المواطن
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • رفع رصيده لخمس ميداليات ملونة.. أدعم القوى يتألق آسيويا