ماذا تركت قسد خلفها في دير حافر؟
تاريخ النشر: 18th, January 2026 GMT
في أعقاب سيطرة الجيش السوري على مدينة دير حافر في ريف حلب الشرقي، تكشفت ملامح مرحلة أمنية سابقة عاشها سكان المدينة خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وذلك من خلال جولة ميدانية للجزيرة مباشر داخل أحد المباني التي حولت من مرفق خدمي إلى مركز أمني للاحتجاز والتحقيق.
المبنى الذي كان في الأصل مقرا لمديرية مياه دير حافر تحول خلال السنوات الماضية إلى ما يشبه مقر إدارة أمنية ومركز شرطة وسجن مؤقت، بحسب ما ظهر من تقسيماته الداخلية والكتابات التي تركها معتقلون سابقون على جدرانه.
عند مدخل إحدى الغرف، برز باب حديدي كتبت عليه أسماء وعبارات توثق ذكريات سجناء مروا من المكان، في محاولة لترك أثر يدل على وجودهم وتجربتهم داخل هذا الحيز الضيق.
داخل غرفة الاحتجاز، بدت معالم الاستخدام واضحة؛ بطانيات مهترئة، حمام صغير، وبقايا طعام متناثرة في الزوايا، في مشهد يعكس ظروف الاحتجاز التي كان يوقف فيها المعتقلون ليومين أو ثلاثة قبل تحويلهم، وفق روايات الأهالي، إلى المحكمة في مدينة الطبقة بريف الرقة، حيث يوجد السجن الرئيسي.
وفي إحدى الغرف المجاورة، لافتة كتب عليها "مكتب الشكاوى والتحقيق الأول"، بما يشير إلى آلية العمل الأمني التي كانت تدار من داخل هذا المبنى. وبعد استعادة السيطرة على المدينة، تتولى الشرطة العسكرية حاليا تأمين الموقع وحمايته.
خلال الجولة، التقى مراسل الجزيرة مباشر بأحد سكان دير حافر، المواطن محمد جاسم، الذي روى تجربته مع الاعتقال قبل أيام من سيطرة الجيش على المدينة. وقال جاسم إنه من أبناء دير حافر، وقد عاد إليها قبل 3 أشهر بعد أن أمضى 14 عاما لاجئا في تركيا.
وأضاف أنه فوجئ قبل نحو 10 أيام بوصول سيارات تابعة لـ"قسد" إلى منزله عند غروب الشمس، حيث طوق المنزل قرابة 30 شخصا واقتادوه إلى هذا المبنى.
إعلانوأوضح جاسم أنه أدخل إلى إحدى غرف الاحتجاز قبل أن يستجوبه شخص ملثم بشأن وجود شكوى ضده، دون توضيح تفاصيلها. وبعد مراجعة سريعة، طلب منه توقيع تعهد بعدم التعرض لأشخاص قدموا شكوى بحقه، من دون تدوين أي إفادة خطية.
وأشار إلى أن الشكوى استندت إلى اتهامه بالانتماء إلى فصيل "أحرار الشام" (أحد فصائل المعارضة السورية المسلحة سابقا) والقتال إلى جانب الجيش السوري، وهو ما نفاه مؤكدا أنه كان يقيم في تركيا خلال تلك الفترة. وأضاف أن عناصر التحقيق واجهوه أيضا بصورة شخصية على هاتفه يظهر فيها علم الثورة، قبل أن يقتنعوا بشرحه حول تاريخ الصورة ومكان التقاطها، ليُفرج عنه بعد نحو ساعة وتُعاد إليه بطاقته الشخصية.
وتعكس هذه الشهادة، بحسب الأهالي، جانبا من واقع الاعتقالات التي شهدتها المدينة خلال فترة سيطرة "قسد"، حيث تحدث السكان عن توقيفات واسعة طالت مدنيين على خلفيات أمنية أو شكاوى فردية.
في الطابق الآخر من المبنى، ظهرت غرفة "مدير المنطقة" وقد تناثرت فيها أوراق وبطاقات شخصية يرجح أنها تعود لمعتقلين أو لعناصر من قوات "قسد" أو لأهالي المدينة. كما لوحظت لوحة لقوات "الأمن الداخلي" التابعة لـ"قسد"، إلى جانب شعارات ممزقة، في إشارة إلى نهاية المرحلة السابقة ودخول المدينة طورا جديدا من السيطرة.
ومع استعادة الحكومة السورية دير حافر، يؤكد القائمون على الأمن أن العمل جار لحصر الموجودات داخل المبنى وتوثيق ما جرى فيه، في وقت يترقب فيه سكان المدينة مآلات المرحلة المقبلة، على أمل طي صفحة الاعتقالات والخوف، وعودة المرافق الخدمية إلى وظائفها الأصلية بعد سنوات من الاستخدام الأمني.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات دیر حافر
إقرأ أيضاً:
أكثر من نصف مليون بين متضرر ومهجّر.. ماذا كشفت دراسة عن نزع الملكية في مصر؟
في واحدة من أوسع عمليات نزع الملكية خلال السنوات الأخيرة، كشفت دراسة بحثية مستقلة أن عشرات الآلاف من الأسر المصرية تأثرت بمشروعات البنية التحتية والتوسع العمراني التي نفذتها الدولة بين عامي 2021 و2025، وسط تقديرات بتضرر أكثر من نصف مليون مواطن جراء قرارات الاستحواذ على الأراضي والعقارات لصالح المنفعة العامة.
وأظهرت دراسة صادرة عن مؤسسة "ديوان العمران" البحثية المستقلة أن الحكومة المصرية نزعت ملكية نحو 88.8 ألف فدان خلال الفترة الممتدة بين عامي 2021 و2025 لصالح 525 مشروعاً مختلفاً، ما انعكس على أوضاع أكثر من 136 ألف أسرة، بإجمالي يقارب 546 ألف مواطن.
واعتمدت الدراسة على تحليل قرارات نزع الملكية المنشورة رسمياً من قبل الجهات الحكومية، بهدف قياس التأثيرات الاجتماعية والعمرانية للمشروعات العامة على السكان والممتلكات.
2022 الأعلى بمعدلات نزع الملكية
وبحسب الدراسة، شهد عام 2022 أعلى مستويات نزع الملكية وتأثيراتها الاجتماعية خلال فترة الرصد، بينما تصدرت محافظة القاهرة مؤشر "شدة نزع الملكية"، رغم أن محافظة مطروح سجلت أكبر مساحة من الأراضي المنزوعة نتيجة مشروعات استثمارية وساحلية ضخمة، أبرزها مشروع رأس الحكمة.
ورصدت الدراسة نزع ملكية نحو 88 ألف و769 فداناً، شملت ما يقرب من 19 ألف و627 عقاراً و32 ألف و533 قطعة أرض، إضافة إلى تأثر نحو 110 ألف و537 وحدة سكنية، وهي الفئة الأكبر بين الأصول العقارية المتضررة.
مطروح تتصدر المساحات المنزوعة
ووفقا للبيانات، جاءت محافظة مطروح في صدارة المحافظات من حيث المساحات المنزوعة بإجمالي 49 ألف و939 فداناً، مدفوعة بمشروعات التنمية الساحلية والاستثمارات الكبرى.
في المقابل، سجلت القاهرة أعلى قيمة على مؤشر شدة نزع الملكية بواقع 1,086.16 نقطة، تلتها الجيزة بـ784.72 نقطة، نتيجة الكثافة السكانية المرتفعة واتساع نطاق المشروعات داخل المناطق العمرانية المكتظة.
كما سجلت محافظات المنوفية والغربية معدلات مرتفعة نسبياً على المؤشر، رغم محدودية المساحات المنزوعة فيها، بسبب وقوع عمليات الاستحواذ داخل تجمعات سكنية كثيفة.
وأوضحت الدراسة أن القاهرة تصدرت المحافظات من حيث عدد المتضررين، بإجمالي 201 ألف و639 شخصاً، تلتها الجيزة بـ157 ألف و476 شخصاً.
وبلغ عدد الأسر المتضررة على مستوى الجمهورية نحو 136 ألف و519 أسرة، فيما قُدّر عدد المتأثرين بشكل مباشر بنحو 546 ألف و77 شخصاً، وفق المنهجية المعتمدة في الدراسة.
الطرق والكباري في صدارة المشروعات
وأشارت الدراسة إلى أن قطاع الطرق والكباري استحوذ على النصيب الأكبر من عمليات نزع الملكية، بإجمالي 157 مشروعاً، كما سجل أعلى قيمة على مؤشر شدة النزع بواقع 1,655.40 نقطة.
وأرجعت ذلك إلى التوسع الكبير في إنشاء المحاور المرورية والطرق الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، والتي استلزمت الاستحواذ على مساحات واسعة من الأراضي والعقارات.
وفي ما يتعلق بالتعويضات المالية، كشفت الدراسة أن إجمالي التعويضات المرتبطة بقرارات نزع الملكية خلال الفترة نفسها بلغ نحو 55.2 مليار جنيه.
وتصدرت المشروعات الإقليمية العابرة للمحافظات قائمة التعويضات بإجمالي 20.07 مليار جنيه، فيما جاءت الجيزة أولى المحافظات من حيث قيمة التعويضات بنحو 11.78 مليار جنيه، تلتها القاهرة بـ10.28 مليار جنيه، ثم الإسكندرية بنحو 4.83 مليار جنيه.
وسجل عام 2023 أعلى مستوى للإنفاق على التعويضات بإجمالي 16.7 مليار جنيه، مقارنة بـ15.6 مليار جنيه في 2022 و13.4 مليار جنيه في 2021، قبل أن تتراجع القيمة إلى 4.31 مليار جنيه في 2024، ثم ترتفع إلى 5.18 مليارات جنيه في 2025.
تعويضات لا تعكس حجم الخسائر
وأكدت الدراسة أن ضخامة التعويضات المالية لا تعني بالضرورة انخفاض حجم الأضرار الاجتماعية والعمرانية الناتجة عن نزع الملكية.
وأوضحت أن القيمة الاقتصادية للتعويضات لا تكفي وحدها لقياس آثار الإزاحة السكنية أو فقدان الروابط الاجتماعية وأنماط المعيشة المرتبطة بالمكان، خصوصاً في المناطق التي شهدت عمليات إزالة واسعة وإعادة تخطيط عمراني.
وخلصت الدراسة إلى أن سياسات نزع الملكية خلال السنوات الخمس الماضية ارتبطت بصورة مباشرة بمشروعات البنية التحتية والتوسع العمراني والمشروعات القومية، وأسهمت في إعادة تشكيل الخريطة العمرانية والاجتماعية في عدد من المحافظات، مع تفاوت واضح في حجم التأثيرات بين المناطق والقطاعات المختلفة، وفق ما ورد في دراسة "ديوان العمران".