صناعة الأمل.. كيف تدرب عقلك على التفاؤل المكتسب؟
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
لطالما نظر إلى التفاؤل بوصفه هبة فطرية أو مجرد حالة مزاجية مؤقتة، لكن للدراسات النفسية الحديثة رأيًا آخر. فقد كشفت الأبحاث أن التفاؤل ليس مجرد شعور بالرضا، بل هو استراتيجية معرفية (Cognitive Strategy) وسلوك يمكن تعلمه وتطويره. فكيف يتحول التفاؤل من "وجهة نظر" إلى أداة علمية قادرة على حماية أجسادنا وتعزيز نجاحاتنا المهنية والاجتماعية؟
الأبعاد المتعددة للتفاؤل وتأثيرها الصحييبيّن البحث النفسي أن التفاؤل يقوم على مجموعة من الأنماط المعرفية والانحيازات التكيفية التي تسهم في تعزيز الصحة النفسية والقدرة على التكيّف.
ترتبط هذه السمة بانخفاض نوبات الاكتئاب. في إحدى الدراسات التي استهدفت طلاباً جامعيين، وجد الباحثون أن أولئك الذين كانوا أكثر تفاؤلاً ولديهم توقعات إيجابية أظهروا مستويات أقل من الأعراض الاكتئابية والقلق النفسي خلال فترات الضغوط مقارنة بزملائهم المتشائمين.
2 – الأسلوب الاستدلالي (Inferential Style)يشير هذا البعد إلى الكيفية التي يفسّر بها الأفراد أسباب الأحداث التي يمرون بها، ولا سيما السلبية منها. إذ يميل المتفائلون إلى عزو الإخفاقات أو التجارب غير السارة إلى عوامل مؤقتة، ومحدودة النطاق، وقابلة للتغيّر، ما يقلّل من أثرها النفسي ويعزّز القدرة على التكيّف. في المقابل، يتجه المتشائمون إلى تفسير الأحداث السلبية بوصفها دائمة، وشاملة، ومرتبطة بذواتهم، الأمر الذي يسهم في ترسيخ مشاعر العجز واليأس. وقد أظهرت إحدى الدراسات النفسية أن تبنّي أسلوب استدلالي متفائل يرتبط بتحسّن الصحة النفسية والجسدية، وبطول العمر، وبانخفاض معدلات الاكتئاب وخطر الانتحار.
3 – وهم السيطرة (Illusion of Control)يشير هذا المفهوم إلى ميل الأفراد الأصحاء نفسياً إلى الاعتقاد بامتلاكهم قدراً من التحكم في مجريات الأحداث يفوق السيطرة الفعلية المتاحة لهم. وعلى عكس ذلك، يظهر الأفراد الذين يعانون من الاكتئاب ما يُعرف بـ"الواقعية الاكتئابية"، حيث تكون تقديراتهم لحدود التحكم أكثر دقة، لكنها ترتبط في الوقت ذاته بارتفاع مشاعر العجز وفقدان الدافعية. ورغم أن هذا الميل قد يوصف من منظور معرفي بالوهم، إلا أن الأبحاث تشير إلى أنه يؤدي وظيفة تكيفية مهمة؛ إذ يعزز الإحساس بالفاعلية الشخصية، ويدعم المبادرة والمثابرة، ويسهم في الوقاية من الإحباط والانكفاء النفسي عند مواجهة الضغوط والتحديات.
تتمثل هذه السمة في نزوع الأفراد إلى تقييم ذواتهم وقدراتهم وظروفهم الحياتية بصورة أكثر إيجابية مقارنة بالآخرين، سواء من حيث الكفاءة أو الحظ أو احتمالات النجاح. وتسهم هذه الانحيازات في دعم تقدير الذات، وتعزيز المرونة النفسية، وحماية الفرد من الآثار الانفعالية للفشل أو النقد.
إعلانغير أن لهذه الآلية التكيفية حدوداً، إذ قد تنقلب إلى عامل خطر في بعض السياقات، ولا سيما عندما تؤدي إلى التقليل من المخاطر الواقعية. ويبرز ذلك بوضوح في ما يُعرف بـ"انحياز التفاؤل"، حيث يميل بعض الأفراد، مثل المدخنين، إلى الاعتقاد بأن احتمالية إصابتهم بأمراض خطيرة كسرطان الرئة أقل من غيرهم، ما قد يضعف دافعهم لتغيير السلوكيات الضارة أو اتخاذ تدابير وقائية.
كيف أتعلم التفاؤل؟يؤكد "مارتن سليغمان"، مؤسس علم النفس الإيجابي، أن التفاؤل ليس سمة فطرية ثابتة، بل مهارة يمكن اكتسابها من خلال التدريب على ترويض الأفكار السلبية.
للمساعدة على اكتساب هذه المهارة، طور سليغمان استراتيجية عملية تسمى "ABCDE" تهدف إلى إعادة برمجة طريقة تفكيرنا تجاه الأزمات، وتتكون من خمس خطوات:
الشدة (Adversity): تحديد الموقف الصعب والذي يسبب الأفكار التشاؤمية (مثال: الإخفاق في اتباع حمية غذائية). المعتقد (Belief): رصد التفسير الداخلي المصاحب للحدث، ولا سيما المعتقدات السلبية أو التعميمية (مثل: "أنا لا أستطيع الالتزام بهذه الحميات"). النتيجة (Consequence): ملاحظة الأثر الانفعالي والسلوكي الناتج عن هذا التفسير، مثل الشعور بالإحباط أو الاستسلام والتوقف عن المحاولة. المناقشة (Disputation): وهي المرحلة المحورية في النموذج، حيث يجري تفكيك المعتقد السلبي ومواجهته بحجج منطقية وأدلة واقعية (مثل: "لقد نجحت أسبوعاً كاملاً، وهذا يعني أنني قادر"). التنشيط (Energization): الإحساس المتجدد بالقدرة والدافعية الذي ينشأ عقب كسر نمط التفكير السلبي واستبداله بتفسير أكثر توازناً ومرونة.وتشير الدراسات النفسية إلى أن الممارسة المتكررة لهذا النموذج تساعد الأفراد على التعرف إلى أنماطهم التشاؤمية المعتادة، وإعادة بنائها بصورة أكثر واقعية وإيجابية. ومع مرور الوقت، يسهم هذا التدريب المعرفي في تعزيز المرونة النفسية والحد من قابلية التعرض للاكتئاب والضغوط المزمنة.
إلى جانب تطبيق نموذج ABCDE، تشير أبحاث علم النفس الإيجابي إلى أن ترسيخ التفاؤل المكتسب يتطلب ممارسات يومية منتظمة تُسهم في إعادة توجيه الانتباه المعرفي وتعزيز المرونة النفسية. ومن أبرز هذه الممارسات:
تدوين الامتنان: يُعدّ تسجيل الجوانب الإيجابية أو الخبرات الجيدة بصورة يومية من أكثر الطرق فاعلية. إذ يساعد هذا السلوك على تحويل التركيز من الإحباط إلى الإنجاز، ما يعزّز الشعور بالرضا ويخفف من هيمنة التفكير السلبي. التوكيدات والحديث الذاتي الإيجابي: يلعب الحوار الداخلي دوراً محورياً في تشكيل التوقعات المستقبلية. واستبدال العبارات التعميمية السلبية، مثل "لن أنجح"، بتوكيدات واقعية وقابلة للتحقق، كـ"يمكنني التحسن مع الممارسة والتعلم"، يسهم في بناء تصور أكثر إيجابية للذات ويعزز الدافعية للاستمرار. مسامحة الذات والتعلّم من الخطأ: بدلاً من الانخراط في اجترار الإخفاقات أو جلد الذات، توصي الدراسات بتبنّي موقف قائم على تقبّل الخطأ بوصفه جزءاً من عملية التعلم. ويتيح هذا النهج إعادة توظيف التجارب السلبية كمصادر معرفة تساعد على تحسين الأداء المستقبلي، بدل أن تتحول إلى عوائق نفسية مزمنة. إعلانوتؤكد الأبحاث أن الانتظام في هذه الممارسات، حتى وإن بدت بسيطة، يراكم أثراً معرفياً وانفعالياً طويل الأمد، ويُسهم في بناء نمط تفكير أكثر تفاؤلاً وتكيفاً مع ضغوط الحياة.
حدود التفاؤل والمخاطر المحتملةعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لتعلّم التفاؤل بوصفه مهارة نفسية داعمة للصحة العقلية والقدرة على التكيّف، تؤكد الأبحاث أن فعاليته ترتبط بكونه تفاؤلاً واقعياً ومتزناً، لا إنكاراً للواقع أو تبسيطاً مفرطاً للتحديات.
فالتفاؤل، حين ينفصل عن الإدراك النقدي للظروف، قد يتحول من عامل حماية إلى مصدر ضرر نفسي وسلوكي. وعلى الرغم من فوائده الواسعة، تشير الدراسات إلى عدد من الحالات التي قد يصبح فيها التفاؤل غير المتوازن إشكالياً، من أبرزها:
الإيجابية السامة (Toxic Positivity): تتمثل في فرض التفكير الإيجابي بصورة قسرية في مواقف تستدعي الحزن أو الغضب أو المعالجة الواقعية للخسارة. هذا النهج قد يؤدي إلى إنكار المشاعر الطبيعية، وكبت الانفعالات، وإضعاف عملية التعافي النفسي، بدل دعمها. النزعة النرجسية: في بعض الحالات، قد يرتبط التفاؤل غير الواقعي والمبالغ فيه بتضخم صورة الذات والشعور بالتفوق أو الاستحقاق الخاص، ما يعزز سمات نرجسية ويضعف القدرة على التقييم الموضوعي للذات والآخرين. السلوكيات الخطرة وانحياز التفاؤل: يُظهر ما يُعرف بـ"انحياز التفاؤل" ميل بعض الأفراد إلى الاعتقاد بأنهم أقل عرضة للمخاطر من غيرهم، وهو ما قد يدفع إلى تجاهل التحذيرات الصحية أو الإهمال في الفحوصات الطبية، استناداً إلى شعور زائف بـ"الحصانة الفردية" (Unique Invulnerability).
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات إلى أن
إقرأ أيضاً:
حمودة: ارتفاع صادرات صناعة الزرقاء
صراحة نيوز – اكد رئيس غرفة صناعة الزرقاء المهندس فارس حمودة، ارتفاع قيمة الصادرات الصناعية لمحافظتي الزرقاء والمفرق المتجهة إلى الدول العربية لتشكل ما نسبته 46 بالمئة من مجموع الصادرات خلال الخمسة أشهر الأولى من العام الحالي وبقيمة إجمالية بلغت (279.2) مليون دولار مرتفعة بنسبة (10 بالمئة) مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي والبالغة ما مجموعه (254.3) مليون دولار .
وأشار حمودة إلى أن العراق الشقيق احتل المرتبة الأولى في الصادرات بقيمة بلغت (128.6) مليون دولار مرتفعة بنسبة (40 بالمئة) خلال فترة المقارنة. وبالرغم من انخفاض الصادرات وجاءت المملكة العربية السعودية في المرتبة الثانية في قيمة الصادرات بمجموع (64) مليون دولار مقارنة بـ(73) مليون دولار أميركي خلال فترة المقارنة.
كما ارتفعت الصادرات الى الإمارات العربية المتحدة بنسبة (9 بالمئة) لتبلغ ما مجموعه (14) مليون دولار مقارنة بـ(12.8) مليون دولار أميركي خلال فترة المقارنة، إلى جانب ارتفاع الصادرات الى سوريا بنسبة (70 بالمئة) لتبلغ ما مجموعه (12.6) مليون دولار أميركي مقارنة بـ(7.4) مليون دولار أميركي خلال فترة المقارنة.
ولفت إلى أن صادرات غرفة صناعة الزرقاء الى أسواق أمريكا الشمالية شكلت ما نسبته (39 بالمئة) من المجموع الكلي للصادرات بقيمة بلغت (236.4) مليون دولار خلال الخمسة أشهر الأولى من عام 2026 وبنسبة ارتفاع بلغت (4 بالمئة) مقارنة مع (228.3) مليون دولار أميركي خلال نفس الفترة من العام الماضي، حيث ارتفعت الصادرات الى الولايات المتحدة الأميركية بنسبة (4 بالمئة) لتبلغ ما مجموعه (227) مليون دولار مقارنة بـ(219) مليون دولار خلال فترة المقارنة.
كما بلغت قيمة الصادرات الى الدول الآسيوية غير العربية ما مجموعه (50.2) مليون دولار خلال الخمسة أشهر الأولى الماضية مشكلة ما نسبته (8 بالمئة) من قيمة الصادرات الكلية مقارنة مع (35.9) مليون دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي مرتفعة بنسبة بلغت (40 بالمئة)، وشكلت الصادرات الى دول الاتحاد الأوروبي خلال الخمسة أشهر الأولى من عام 2026 ما نسبته (3 بالمئة) من قيمة الصادرات الكلية وبقيمة اجمالية بلغت (15.5) مليون دولار ، منخفضة بنسبة بلغت (10 بالمئة) مقارنة مع (17.2) مليون دولار خلال نفس الفترة من عام 2025.
وعلى مستوى القطاعات الصناعية بين حمودة، أن صادرات قطاع الصناعات الجلدية والمحيكات احتلت المرتبة الاولى بقيمة بلغت (248.90) مليون دولار مرتفعة بنسبة بلغت (2 بالمئة) مقارنة مع قيمة صادرات هذا القطاع خلال نفس الفترة من عام 2025 والتي بلغت (243.70) مليون دولار ، كما حلت صادرات قطاع الصناعات التموينية والغذائية والزراعية والثروة الحيوانية بالمرتبة الثانية بقيمة بلغت (149.38) مليون دولار مرتفعة بنسبة (44 بالمئة) مقارنة مع نفس الفترة من عام 2025 والتي بلغت قيمة صادرات القطاع فيه ما مجموعه (103.94) مليون دولار .
واحتلت صادرات قطاع الصناعات الهندسية والكهربائية وتكنولوجيا المعلومات المرتبة الثالثة بقيمة بلغت (56.04) مليون دولار محققة استقرارا مقارنة مع قيمة صادرات القطاع خلال نفس الفترة من عام 2025 والتي بلغت (56.25) مليون دولار ، كما بلغت صادرات قطاع الصناعات الانشائية ما قيمته (44.88) مليون دولار محققة المرتبة الرابعة ومنخفضة بنسبة (31 بالمئة) مقارنة مع نفس الفترة من عام 2025 التي حققت فيه صادرات القطاع ما مجموعه (64.64) مليون دولار .