ساديو ماني.. «القائد» لا يحتاج إلى «شارة»
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
عمرو عبيد (القاهرة)
لم تعرف السنغال التتويج بكأس الأمم الأفريقية، إلا في عصر «الجيل الذهبي» الحالي، بقيادة النجم ساديو ماني، الذي حمل شارة القيادة مرات معدودة جداً، طوال مسيرته التي امتدت حتى الآن إلى 126 مباراة دولية، رسمية وودية، وهو ما لم يعره ماني انتباهاً أو أهمية، لأنه كان «القائد» الحقيقي الذي لا يحتاج إلى «شارة».
وخلال المباراة النهائية في كأس الأمم الأفريقية الأخيرة، التي حصد لقبها في عقر دار المغرب، لم يحمل ماني شارة القيادة خلال المواجهة، لكنه حصل عليها وقت رفع كأس البطولة، تكريماً لمسيرته التي أعلن انتهاءها في البطولة القارية، بعدما بات يملك لقبين «تاريخيين» فيها.
ولم يكن الأمر سهلاً أبداً على «أسود التيرانجا»، لأن التتويج جاء خارج الديار في المرتين، بعدما أخفق في اقتناصه وقت استضافتها عام 1992، حيث قاد ماني المنتخب للفوز باللقب في الكاميرون بـ«كان 2021»، على حساب المنتخب المصري، صاحب الأرقام القياسية الأفريقية، ويومها أحرز ماني ركلة الترجيح الحاسمة، التي منحت «الأسود» اللقب الأول.
ثم عاد ليُقصي «الفراعنة» مرة أخرى، في «كان 2025»، بهدف قاتل في نصف النهائي، قبل أن يظهر شخصيته القيادية الرائعة في المباراة النهائية، بعدما حاول مدربه وزملاؤه الانسحاب اعتراضاً على القرارات التحكيمية، إلا أن ماني، من دون شارة قيادة، ارتدى ثوب الشجاعة واتخذ قراراً صعباً بعودة الجميع إلى الملعب، لتتحول الأمور بصورة «درامية» غير متوقعة لمصلحة السنغال، وبعدما كان يبعد دقائق عن خسارة الكأس، تسبب موقف ماني في انتزاعه اللقب من براثن «أسود الأطلس».
ماني حمل شارة القيادة رسمياً مع السنغال، في بداية 7 مباريات دولية فقط، لا توازي أكثر من 5.5% من إجمالي مشاركاته مع «الأسود»، بدأها عام 2017 أمام الكونغو، في مباراة ودية، وكانت أكثر فترات ارتدائه لها بين عامي 2018 و2019، في حين كانت مواجهة بنين في تصفيات كأس الأمم الأفريقية، عام 2023، آخر مباراة يبدأها قائداً للسنغال.
ومع ذلك، يتصدّر «ساديو» قائمة هدافي «أسود التيرانجا» التاريخيين، برصيد 53 هدفاً، كما أنه ثاني أكثر لاعبي السنغال خوضاً للمباريات الدولية، بـ126 مباراة، بفارق 3 مباريات فقط عن «القائد الأول»، إدريسا جاي، بل إن ماني تفوّق على «الأساطير»، مثل هنري كمارا والحاجي ضيوف، وغيرهما، كونه أكثر لاعبي السنغال مساهمة في أهداف المنتخب بكأس الأمم الأفريقية.
ورغم اختلاف المصادر بين المُشاركة في 19 أو 20 هدفاً، إلا أنه يحتل المرتبة الثانية التاريخية، بعد «الأسطوري» صامويل إيتو، صاحب الـ21 مُساهمة بتاريخ «الكان»، وتفوق ماني على عشرات النجوم وأباطرة الكرة الأفريقية، مثل دروجبا ورشيدي ياكيني ومحمد صلاح وباتريك مبوما وحسام حسن، وغيرهم، في تلك القائمة.
وبعد غياب عن كأس العالم، منذ عام 2002، عاد ماني ليقود رفاقه إلى «المونديال»، بعد 16 عاماً، عندما نجح في الحصول على بطاقة التأهل إلى كأس العالم 2018، ولم يكتفِ بذلك، بل تمكن من التأهل مع «الأسود» إلى 3 نُسخ مونديالية مُتتالية، بإضافة تأهله الصعب إلى كأس العالم 2022، على حساب منتخب مصر أيضاً، بركلة ترجيح حاسمة أيضاً، كعادته التاريخية.
ثم بلوغ «مونديال 2026»، الذي سيحمل معه غالباً، الظهور الدولي الأخير لماني، ليتمكن ورفاقه من صناعة تاريخ غير مسبوق للسنغال، بالتأهل المونديالي الثالث توالياً، وكذلك الفوز بلقبين في كأس الأمم الأفريقية، بين 3 مباريات نهائية بلغها في 6 سنوات فقط، جميعها خارج أراضي السنغال.
وبما يعرفه الجميع عن الدور الخيري والقيادي لساديو ماني، في قريته الصغيرة بالسنغال، وغيرها من المشروعات الخيرية والأعمال الإنسانية الرائعة التي يقوم بها في وطنه، محباً متطوعاً متواضعاً، كما يصفه الجميع، يؤكد ماني في كل خطوة يخطوها، داخل أو خارج ملاعب كرة القدم، أنه لم يكن أبداً بحاجة إلى حمل «شارة» فوق كتفه، ليقوم بدوره، كقائد حقيقي، سطّر اسمه ضمن قائمة «أساطير» الكرة السنغالية والأفريقية. أخبار ذات صلة
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: ساديو ماني منتخب السنغال منتخب المغرب كأس الأمم الأفريقية كأس أفريقيا کأس الأمم الأفریقیة
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..