الملاكمة من دون قفازات، أو الملاكمة بالأيدي العارية، رياضة ضاربة بجذورها في تاريخ الرياضات القتالية، وتشهد في السنوات الأخيرة توسعاً وجذباً للمزيد من المتحمسين.

تتميز هذه الرياضة بقوتها وعنفها، فضلا عن كونها مثيرة للجدل، وقد شهدت انتعاشا ملحوظا في السنوات الأخيرة، جاذبة إليها أعدادا متزايدة من المتحمسين والرياضيين من مختلف أنحاء العالم.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2بيكيه يقترح إدخال تعديلات ثورية على بعض الألعاب الرياضيةlist 2 of 2شاهد.. القطري ناصر العطية يتوج بلقب رالي دكار للمرة السادسةend of listأصول الملاكمة من دون قفازات

يعود تاريخ الملاكمة من دون قفازات إلى عدة قرون، حيث توجد أدلة على وجود نزالات من دون قفازات في اليونان وروما القديمتين. ومع ذلك، تطورت الملاكمة الحديثة من دون قفازات في إنجلترا في القرن الثامن عشر، عندما كانت النزالات تُنظم في المقام الأول للترفيه والمراهنة.

وضعت أولى القواعد المدونة، والمعروفة باسم قواعد حلبة لندن للملاكمة، في عام 1743 على يد جاك بروتون، وهو ملاكم شهير في ذلك الوقت.

تطورت الملاكمة الحديثة من دون قفازات في إنجلترا في القرن الثامن عشر (غيتي)

هدفت هذه القواعد إلى جعل النزالات أقل وحشية، وقدمت مفاهيم مثل فترات الراحة بين الجولات وحظر ضرب الخصم وهو ساقط أرضا.

على الرغم من انتشار الملاكمة الحديثة بالقفازات الخاضعة لقواعد كوينزبيري، إلا أن الملاكمة من دون قفازات ظلت رائجة، لا سيما في الحلبات السرية.

وفي السنوات الأخيرة، وبفضل منظمات مثل بطولة القتال بالأيدي العارية (Bare Knuckle Fighting Championship)، اكتسبت هذه الرياضة زخما متجددا وقاعدة جماهيرية متنامية باستمرار.

قواعد الملاكمة من دون قفازات

تتميز رياضة الملاكمة من دون قفازات بقواعد محددة، مما يميزها عن كل من الملاكمة التقليدية وفنون القتال المختلطة (إم إم أي).

الضربات المسموح بها: يُسمح فقط بالضربات بقبضة اليد المغلقة، من دون قفازات. ويجب أن تستهدف اللكمات جذع الخصم أو رأسه. مدة الجولة: تتكون النزالات عموما من 5 جولات مدة كل منها دقيقتان. منطقة القتال: غالبا ما يتم استخدام حلبة تقليدية أو منصة دائرية تسمى "الدائرة المربعة" (The Square Circle)، من دون حبال. معدات الحماية: يجوز للرياضيين ارتداء ضمادات خفيفة لحماية أيديهم جزئيا، ولكن ليس القفازات. المحظورات: يُحظر ضرب مؤخرة الرأس أو الرقبة أو ضرب الخصم على الأرض. إعلان

تحافظ هذه القواعد على الجوهر الخام للقتال بالأيدي العارية مع الحفاظ على درجة من الأمان للرياضيين.

تتميز رياضة الملاكمة من دون قفازات بقواعد محددة (غيتي)ما التغييرات مقارنة بالملاكمة التقليدية؟

يؤدي غياب القفازات إلى تغيير جذري في النهج التقني والاستراتيجي للملاكمين:

الدقة قبل القوة: من دون حماية القفازات، يجب أن تكون اللكمات دقيقة للغاية لتجنب إصابات اليد.
الدفاع المحكم: يميل الملاكمون إلى الحفاظ على دفاع أكثر إحكاما لحماية أنفسهم من الضربات المباشرة.
حركة القدمين ضرورية: تصبح الحركة أمرا بالغ الأهمية لتجنب تلقي ضربات قوية، حيث إن كل ضربة يتم توجيهها أو تلقيها يكون لها تأثير أكبر.
اللياقة البدنية: تتطلب اليدان والمعصمان والجذع تدريبا خاصا لتحمل الصدمات وتقليل خطر الإصابة.

هذه الاختلافات تجعل الملاكمة بالأيدي العارية رياضة فريدة من نوعها، تجمع بين التكتيكات والتقنية والقدرة على التحمل الذهني.

جاذبية الملاكمة بالأيدي العارية

تكمن جاذبية الملاكمة من دون قفازات في طبيعتها العنيفة والمباشرة حيث لا قفازات لتخفيف الضربات، ولا استراتيجيات اشتباك مطولة: كل تبادل للكمات يكون مباشرا وحاسما.

من جهة أخرى، يعتبرها كثيرون رياضة "همجية" لا تتناسب مع عصرنا الحديث رغم أن المنظمين يسعون جاهدين لضمان سلامة الرياضيين من خلال تطبيق فحوصات طبية دقيقة وقواعد تحد من المخاطر غير الضرورية.

تتكون النزالات عموما من 5 جولات مدة كل منها دقيقتان (غيتي)أبطال رياضة الملاكمة من دون قفازات

شهدت رياضة القتال بالأيدي العارية في السنوات الأخيرة ظهور العديد من الأبطال المشهورين أمثال أرتيم لوبوف، وهو رياضي سابق في فنون القتال المختلطة، والأميركية بايج فانزانت المصارعة السابقة في بطولة "يو إف سي" التي إلى توجهتت إلى هذه الرياضة لإحياء مسيرتها المهنية.

كما يبرز الأميركي مايك بيري الذي يُعرف بأسلوبه العدواني، وهو أحد أكثر الرياضيين جاذبية في الساحة.

الاتحادات الرئيسية للملاكمة من دون قفازات

تسعى الاتحادات الرئيسية للملاكمة من دون قفازات إلى جعل هذه الرياضة أكثر احترافية ومن أهمها:

"بي كيه إف سي": المنظمة الأكثر شهرة في العالم، ومقرها في الولايات المتحدة، والتي تقدم فعاليات رفيعة المستوى بمشاركة رياضيين دوليين.
بي كيه بي: اتحاد بريطاني رئيسي ملتزم بتقاليد الملاكمة من دون قفازات.
بي واي بي إكستريم: يقع مقر هذا الاتحاد أيضا في أميركا، ويتميز باستخدامه لـ"تريغون" (Trigon)، وهي سلسلة ملاكمة هجينة تهدف إلى مساعدة المقاتلين الهواة على تطوير مهاراتهم والانتقال بنجاح إلى الاحتراف.

تساهم هذه الاتحادات في احتراف رياضة القتال بالأيدي العارية، من خلال زيادة ظهورها وتعزيز سلامة الرياضيين.

بطولة الملاكمة من دون قفازات في فرنسا

في فرنسا يتزايد بسرعة الاهتمام برياضة الملاكمة من دون قفازات وقد بدأ بعض الرياضيين الفرنسيين بالمشاركة في فعاليات دولية، مما ساهم في زيادة شهرتها.

الملاكمة بالأيدي العارية شهدت ظهور العديد من الأبطال المشهورين (غيتي)

علاوة على ذلك، فإن نجاح فنون القتال المختلطة والملاكمة التقليدية قد يمهد الطريق لقبول أوسع لرياضة الملاكمة من دون قفازات بين الجمهور الفرنسي.

قد تكون الفعاليات المحلية أو البطولات للهواة نقطة انطلاق لتطوير مشهد فرنسي متخصص حقا.

التوقعات المستقبلية

تشهد رياضة الملاكمة من دون قفازات نهضة حقيقية، بفضل منظمات مثل "بي كيه إف سي" التي تعمل على جعلها رياضة احترافية ومنظمة.

إعلان

ورغم الانتقادات، يكمن سحر هذه الرياضة في أصالتها وارتباطها بجذور فنون القتال.

مع استمرار نمو عدد المشجعين والرياضيين، من المرجح أن تستمر رياضة القتال بالأيدي العارية في التوسع وجذب المزيد من المتحمسين. وقد يشهد المستقبل لوائح أكثر صرامة، وفعاليات أكثر إثارة، وانتشارا عالميا أوسع.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی السنوات الأخیرة هذه الریاضة

إقرأ أيضاً:

القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟

 

 

 

د. علي موسى الكناني

في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يعد الأمن السيبراني عاملا ثانويا، أو مكمّلا؛ بل تحوّل إلى أحد المحرّكات الخفيّة التي أثّرت بشكل مباشر على مسار الأحداث؛ سواء في الميدان أو داخل بنية الدولة. ما جرى في هذا المجال لم يكن حدثا واحدا واضحا؛ بل سلسلة من العمليات المتداخلة التي تراكم تأثيرها مع الوقت.

أول ما يمكن ملاحظته هو أن الهجمات السيبرانية أدّت إلى إرباك مستمر في إدارة البنى التحتية الحيوية. لم يكن الهدف دائما التدمير الكامل؛ بل خلق حالة من الضغط المتواصل عبر اختراقات محدودة، أو محاولات تعطيل جزئية؛ شبكات الكهرباء، أنظمة الاتصالات، وبعض المرافق المرتبطة بالطاقة، تعرّضت لمحاولات اختراق أو تشويش، ما فرض على المؤسسات المعنية العمل في حالة استنفار دائم. هذا الاستنزاف الفني والتقني انعكس على كفاءة الأداء العام، وأجبر الدول على تخصيص موارد إضافية للحماية بدلا من توجيهها بالكامل إلى الجهد العسكري التقليدي.

كما لعبت الهجمات السيبرانية دورًا واضحًا في تعزيز القدرة الاستخبارية للأطراف المتصارعة. عمليات الاختراق لم تكن تهدف فقط إلى التعطيل؛ بل إلى جمع معلومات دقيقة حول التحركات، والاتصالات، والبنية التنظيمية. هذا النوع من المعلومات وفر أفضلية نسبية في اتخاذ القرار، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. في بعض الحالات، أدى تسريب أو الوصول إلى بيانات حساسة إلى تغيير تكتيكات ميدانية أو إعادة ترتيب أولويات.

وكان هناك تأثير ملحوظ في القطاع الاقتصادي والمالي؛ فالهجمات التي استهدفت أنظمة مصرفية أو خدمات إلكترونية لم تؤدّ بالضرورة إلى انهيار شامل، لكنها خلقت حالة من القلق وعدم اليقين. المستخدمون واجهوا صعوبات مؤقتة في الوصول إلى خدماتهم، والشركات اضطرّت إلى تعليق بعض العمليات أو تعزيز إجراءاتها الأمنية بشكل مكلف. هذه الأجواء أثّرت على ثقة السوق، خاصة في ظل تزامنها مع توترات عسكرية، ما جعل الاقتصاد جزءا من دائرة الضغط.

ومن أبرز ما حدث أيضًا هو تصاعد الحرب الإعلامية الرقمية. الفضاء السيبراني تحوّل إلى ساحة لنشر الروايات المتضاربة، سواء عبر منصّات التواصل أو من خلال اختراق حسابات أو مواقع. هذا الأمر أدّى إلى تشويش في تدفّق المعلومات، وصعوبة في التمييز بين ما هو حقيقي، وما هو مضلل. نتيجة لذلك، أصبح الرأي العام هدفا مباشرا، حيث تسعى كل جهة إلى التأثير عليه أو توجيهه بما يخدم مصالحها.

إضافة إلى ذلك، شهدت الحرب استهدافًا للأنظمة اللوجستية وسلاسل الإمداد. بعض العمليات ركّزت على تعطيل منصات إدارة النقل أو الشحن، أو إرباك الأنظمة المرتبطة بتوزيع الموارد. ورغم أن هذه الهجمات غالبا ما تكون محدودة زمنيا، إلّا أن تأثيرها التراكمي يؤدي إلى بطء في الحركة الاقتصادية وخلل في توفر بعض الخدمات أو المواد.

ومن الجوانب المهمة أيضا التأثير النفسي والاجتماعي؛ فمجرد الإعلان عن هجوم سيبراني أو حتى احتمال حدوثه كان كفيلًا بإثارة القلق داخل المجتمع. الخوف من فقدان خدمات أساسية مثل الكهرباء أو الاتصالات أو الأنظمة الصحية الرقمية خلق حالة من التوتر، خاصة في المدن الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا. هذا الضغط النفسي يشكل بحد ذاته أحد أهداف الهجمات، لأنه يؤثّر على الاستقرار الداخلي.

في الوقت نفسه، أجبرت هذه التطورات الدول على إعادة توزيع أولوياتها ومواردها. لم يعد التركيز منصبّا فقط على الجبهات العسكرية؛ بل أصبح من الضروري تعزيز الدفاعات الرقمية، وتأمين الشبكات، وتدريب الكوادر. هذا التحول يعني أن جزءًا من الجهد والميزانية يتم توجيهه نحو مواجهة تهديد غير مرئي، لكنه مؤثر.

كما برزت مسألة صعوبة تحديد المسؤولية كعامل معقد في هذه الحرب. في كثير من الحالات، لا يمكن الجزم بشكل قاطع بمن يقف وراء الهجوم، بسبب استخدام تقنيات إخفاء المصدر، أو الاعتماد على أطراف وسيطة. هذا الغموض يقلل من فرص الرد المباشر، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام تصعيد غير محسوب، لأن كل طرف قد يفسر الهجمات بطريقته.

ولا يمكن تجاهل أن ما يحدث اليوم هو امتداد لتجارب سابقة، مثل هجوم "ستوكسنت"، الذي أظهر مبكرًا كيف يمكن للهجمات الرقمية أن تنتقل من مجرد تعطيل أنظمة إلى التأثير على منشآت مادية حساسة. هذا النموذج أصبح مرجعا ضمنيا لما يجري حاليًا، لكن بأدوات أكثر تطورًا وانتشارًا.

في المحصلة.. ما حدث بسبب الأمن السيبراني في هذه الحرب لم يكن حدثًا حاسمًا واحدًا؛ بل تراكم تأثيرات متعدّدة غير مباشرة. هذه التأثيرات شملت إرباك البنى التحتية، وتعزيز القدرات الاستخبارية، الضغط على الاقتصاد، التأثير على الرأي العام، واستنزاف الموارد. وبذلك، أصبح الأمن السيبراني عاملًا يحدّد إيقاع الصراع ويضيف إليه بُعدًا مُعقدًا، يجعل من الحرب أكثر تشابكا وأقل قابلية للتنبؤ بنتائجها.

مقالات مشابهة

  • «إيتيدا» تختار 229 مشروع تخرج
  • القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟