WP: السعودية تسعى لإقصاء الإمارات من المنطقة بعد الخلاف في اليمن
تاريخ النشر: 20th, January 2026 GMT
أكدت صحيفة "واشنطن بوست" أن المنافسة المحتدمة منذ سنوات بين السعودية والإمارات، والتي تفجّرت مؤخرًا في جنوب اليمن، بدأت تُحدث تحوّلًا دراماتيكيًا في ميزان القوى الإقليمي، مع مؤشرات على امتداد الخلاف إلى القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر، بما يهدد بإرباك دول هشّة تمارس فيها الدولتان نفوذًا واسعًا.
وأوضح التقرير أن السعودية، الداعمة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، تدخّلت الشهر الماضي بعد "سيطرة انفصاليين مدعومين من الإمارات على مناطق استراتيجية في جنوب اليمن، حيث شنّت ضربات على مقاتلين متمرّدين، واستهدفت شحنة إماراتية قالت الرياض إنها كانت تحتوي على أسلحة مخصّصة للجماعة، وعلى إثر ذلك، سارعت الإمارات إلى سحب قواتها، كما قام المجلس القيادي للانفصاليين بحلّ نفسه على الفور".
وأشار التقرير إلى أن "الشرخ بين الملكيتين الغنيتين بالنفط لا يقتصر على الساحة اليمنية، بل يمتد إلى ما وراءها، إذ تعمل السعودية، القلقة مما تعتبره تحركات عسكرية وسياسات خارجية هجومية من جانب جارها الأصغر، على مواجهة شبكة النفوذ العميقة التي بنتها أبوظبي على مدى سنوات في القرن الأفريقي وحول البحر الأحمر".
ونقل التقرير عن دبلوماسي سعودي، طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع، قوله إن توسّع نفوذ الإمارات في هذه المنطقة “يتعارض مع رؤية السعودية لهذه الأقاليم باعتبارها جزءًا من حزامها الأمني الاستراتيجي”، مؤكدًا أن الرياض عازمة على إيصال “خطوطها الحمراء” بوضوح.
وأضاف أن التحوّل المفاجئ في الموقف السعودي دفع دولًا في المنطقة إلى محاولة التكيّف مع هذا الشرخ، خاصة أن السعودية والإمارات عملتا جنبًا إلى جنب لسنوات، سواء في دعم أنظمة استبدادية في مواجهة انتفاضات الربيع العربي أو في التصدي للحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. إلا أن الرياض، بحسب التقرير، عزّزت في الآونة الأخيرة تحالفات بديلة لكبح نفوذ منافستها، وأجرت محادثات مع كل من مصر والصومال لتوسيع التعاون الأمني، وفق ما أكده مسؤول أمني صومالي رفيع المستوى.
وذكر التقرير أنه "في هذا السياق، أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية عزمها إلغاء اتفاقياتها الدفاعية مع الإمارات، التي تدير موانئ تجارية وقواعد عسكرية في ثلاث مناطق على الأقل هي أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند، حيث يكاد نفوذ حكومة مقديشو يكون محدودًا".
وأشار التقرير إلى أن بيانات تتبّع الرحلات الجوية أظهرت أن طائرات قادمة من الإمارات، يرجّح محللون أنها تنقل إمدادات إلى وكلاء أبوظبي في دول مثل تشاد وليبيا والسودان، جرى إعادة توجيهها مؤخرًا لتجنّب المجال الجوي المصري والسعودي والصومالي.
ونقل التقرير عن ليام كار، قائد فريق أفريقيا في مشروع “التهديدات الحرجة” التابع لمعهد “أمريكان إنتربرايز”، قوله إن “هذا الانقلاب في المواقف هائل”. وأضاف أن الإمارات وحلفاءها في اليمن كانوا، في أواخر ديسمبر/كانون الأول، على وشك السيطرة على جانبي مضيق باب المندب وخليج عدن، غير أن تغيّر موازين القوى لصالح السعودية جعل “الأمر يبدو الآن وكأن العكس قد يكون صحيحًا”.
ولفتت الصحيفة إلى أن وزارة الخارجية الإماراتية لم ترد مباشرة على الأسئلة المتعلقة بالتوترات مع السعودية، كما لم تصدر وزارة الإعلام السعودية أو السفارة السعودية في واشنطن تعليقات رسمية، فيما امتنع مسؤولون كبار آخرون عن الرد.
في المقابل، صوّر محللون ومعلّقون من الإمارات التحركات السعودية الأخيرة على أنها نابعة من “عقدة الأخ الأكبر”، أي الشعور بتجاوز دور الرياض إقليميًا ودوليًا، في وقت لعبت فيه الإمارات، الأصغر مساحة وسكانًا، دورًا متعاظمًا. وذكّر التقرير بأن الإمارات تجاوزت الصين عام 2022 لتصبح أكبر مستثمر في أفريقيا، وفق بيانات “إف دي آي ماركتس”، مع استثمارات شملت تشغيل موانئ في الصومال وجيبوتي، ومشاريع زراعية في إثيوبيا وكينيا وأوغندا لتأمين وارداتها الغذائية.
ونقل التقرير عن الأكاديمي الإماراتي عبد الله عبد الخالق قوله إن السعوديين “يرون في الإمارات تحديًا لقيادتهم في الخليج، وربما التحدي الوحيد القائم حاليًا، وتحديًا حقيقيًا على مستوى الإقليم ككل”، مشيرًا إلى أن الرياض ربما رأت أن “شيئًا ما لا بد من فعله”، وأن حضرموت، الإقليم الغني بالنفط، كان نقطة الانطلاق.
وأوضح التقرير أن الخلافات بين البلدين ليست جديدة، إذ تعود إلى قضايا تتعلق بالأراضي وإنتاج النفط منذ تأسيس الإمارات عام 1971، إلا أن العلاقة توطدت بعد عام 2014 مع بروز ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حيث بدا أن الزعيمين يعيدان تشكيل الخليج، وفق كريستيان كوتس أولريخسن من معهد بيكر.
غير أن تباين المصالح سرعان ما أوجد شقوقًا، إذ سعت السعودية إلى الحفاظ على وحدة اليمن، بينما ركزت الإمارات على مواجهة الفصائل الإسلامية، ما دفعها إلى تمويل وتسليح قوى انفصالية جنوبية ورعاية تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017.
وأضاف التقرير أن الإمارات وسّعت حضورها عبر إنشاء مطارات وبنى تحتية ومواقع متقدمة في مدن الموانئ والجزر، أحيانًا دون موافقة الحكومة المدعومة من السعودية، وهو نمط كررته في دول مثل ليبيا والسودان، ما وضعها في تعارض مع النهج السعودي القائم على دعم الحكومات التقليدية.
ونقل التقرير عن دبلوماسي سعودي قوله إن “النهج الإماراتي يُنشئ مراكز نفوذ غير دولية يمكن أن تُضعف دول البحر الأحمر وتُسهم في تفككها”، فيما وصف أندرياس كريغ، من جامعة كينغز كوليدج لندن، شبكة النفوذ الإماراتية بأنها “محور للانفصاليين”.
وأشار التقرير إلى أن التقدم السريع للمجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي المهرة وحضرموت، ووصوله إلى الحدود مع السعودية، دفع الرياض إلى التحرك علنًا، رغم نفي مسؤول إماراتي توجيه هذا التوسع. واعتبر خالد اليماني، وزير الخارجية اليمني الأسبق، أن ذلك أسفر عن “شرخ كامل” في العلاقة داخل اليمن، واصفًا الانسحاب الإماراتي بأنه “صادم للغاية”.
كما اتهمت الرياض الإمارات بتهريب عيدروس الزبيدي خارج اليمن عبر الصومال، في خطوة قالت الحكومة الصومالية إنها تندرج ضمن نمط أوسع من انتهاك السيادة. ولفت التقرير إلى أن الإمارات تحافظ على موانئ وقواعد في بربرة وبوصاصو، حيث تُعد الأخيرة مركزًا لوجستيًا رئيسيًا، رغم توقف رحلات الشحن إليها مؤخرًا.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن بعض المراقبين يرون فوائد محتملة في وضوح خطوط النفوذ، إذ قال بدر السيف، الباحث في تشاتام هاوس، إن “توضيح الخطوط الحمراء من جميع الأطراف أمر مهم، ويشير إلى وضوح أكبر في الغايات على المدى الطويل”.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة دولية السعودية اليمن الإمارات الرياض السعودية اليمن الرياض الإمارات ابو ظبي المزيد في سياسة سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة التقریر إلى أن أن الإمارات التقریر أن قوله إن نفوذ ا
إقرأ أيضاً:
السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم
علي بن سهيل المعشني (أبو زايد)
في زمنٍ تُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ الاقتصادي، وتُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على بناء الشراكات الذكية لا الجدران العازلة، لم يعد المستقبل ملكًا للأكبر مساحةً أو الأكثر ثروةً فحسب، بل للأكثر قدرةً على تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والتاريخ إلى رؤية، والعلاقات إلى مشاريع تصنع الغد.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو العلاقة بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية أكثر من مجرد علاقة بين دولتين جارتين؛ إنها تجربة خليجية ناضجة تتشكل بهدوء، وتكبر بثقة، وتتجه بخطى ثابتة نحو نموذج متقدم من التكامل الاقتصادي والاستراتيجي، يستند إلى وضوح الرؤية، وتوافق الإرادة السياسية، وتطلع الشعبين إلى مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.
لقد أدركت القيادتان في مسقط والرياض أن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم لا تنتظر المترددين، وأن الدول التي ترغب في حجز مكانها في اقتصاد المستقبل عليها أن تنتقل من مرحلة التعاون التقليدي إلى فضاء الشراكة العميقة. ومن هنا جاء التقاطع اللافت بين رؤية "عُمان 2040" ورؤية "السعودية 2030"، حيث تتلاقى الأهداف والطموحات في تنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار، وتطوير البنية الأساسية، وخلق بيئات أعمال أكثر جاذبية وقدرة على المنافسة.
ولعل أجمل ما في هذه العلاقة أنها لا تكتفي بتبادل المصالح، بل تعمل على صناعة المصالح الجديدة. فالجغرافيا التي كانت يومًا حدودًا فاصلة، تحولت اليوم إلى جسور للتواصل والتنمية. ومنفذ الربع الخالي ليس مجرد معبر بري يربط بلدين شقيقين، بل بوابة اقتصادية فتحت آفاقًا واسعة أمام التجارة والاستثمار والسياحة، وأسهمت في تقليص المسافات بين الأسواق والفرص.
غير أن الطموح أكبر من ذلك، ومتطلبات المرحلة المقبلة تستدعي التفكير في شبكة أوسع من المنافذ البرية بين البلدين، بما يواكب النمو المتسارع في الحركة التجارية والسياحية والاستثمارية. فكما أسهم تعدد المنافذ بين بعض دول الخليج في رفع كفاءة الحركة الاقتصادية، فإن فتح منافذ إضافية بين السلطنة والمملكة يمكن أن يشكل نقلة نوعية في تدفق البضائع والأفراد، ويعزز التنمية في المناطق الحدودية، ويمنح المستثمرين مزيدًا من المرونة والخيارات اللوجستية.
وإذا كانت الطرق البرية تمثل شرايين الحركة على اليابسة، فإن الموانئ تمثل رئة الاقتصاد الحديثة. وهنا تبرز أهمية التكامل بين الموانئ العُمانية والسعودية باعتباره أحد أكثر المشاريع الاستراتيجية قدرة على صناعة قيمة مضافة حقيقية للمنطقة بأسرها.
فميناء صلالة، بموقعه الاستثنائي على خطوط التجارة العالمية، وميناء الدقم بما يمتلكه من إمكانات تنموية وصناعية واعدة، يشكلان مع المراكز الصناعية والاقتصادية السعودية منظومة لوجستية متكاملة قادرة على إعادة رسم مسارات التجارة الإقليمية والدولية. إن الربط بين هذه المكونات ليس مجرد مشروع نقل أو شحن، بل مشروع تنموي متكامل يرفع كفاءة سلاسل الإمداد، ويعزز تنافسية الصادرات، ويجذب استثمارات نوعية قادرة على خلق فرص عمل وقيمة اقتصادية مستدامة.
وفي قلب هذه المعادلة تبرز منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة بوصفها إحدى أهم الفرص الاستثمارية في المنطقة. فهذه المدينة الصاعدة لا تمثل مشروعًا عُمانيًا فحسب، بل منصة خليجية واعدة يمكن أن تستقطب رؤوس الأموال والصناعات والخدمات اللوجستية والسياحية من مختلف أنحاء العالم، بما ينسجم مع تطلعات البلدين نحو بناء اقتصادات أكثر تنوعًا واستدامة.
أما سياسيًا، فإن العلاقة بين الرياض ومسقط تقدم نموذجًا راقيًا في إدارة الشراكات بين الدول. فالتفاهم العميق، والاحترام المتبادل، والنظرة المتوازنة للقضايا الإقليمية، كلها عوامل أسهمت في ترسيخ الثقة وتعزيز الاستقرار، وأثبتت أن قوة العلاقات لا تُقاس بكثرة التصريحات، بل بعمق التفاهم وحكمة المواقف.
وفي ظل عالم تتسارع فيه التحالفات الاقتصادية والدفاعية، يصبح من الطبيعي أن تتجه دول الخليج نحو مزيد من التكامل، وأن تكون الشراكة العُمانية السعودية في طليعة هذه المسيرة. فالمستقبل لن يكون للأطراف المتفرقة، بل للكيانات القادرة على توحيد مواردها وتنسيق سياساتها وتعظيم فرصها المشتركة.
إن ما يجمع سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية اليوم ليس مجرد مصالح عابرة، بل رؤية مشتركة لمستقبل الخليج. رؤية ترى في الطرق منافذ للنمو، وفي الموانئ منصات للازدهار، وفي الاستثمار جسرًا للتنمية، وفي التعاون قوةً تصنع الاستقرار.
ولهذا فإن الشراكة العُمانية السعودية لم تعد مجرد قصة نجاح ثنائية، بل أصبحت نموذجًا خليجيًا متقدمًا، يبرهن أن التكامل الحقيقي لا يبدأ من الاتفاقيات فحسب، بل من الإيمان المشترك بأن ازدهار الجار هو امتداد لازدهارك، وأن المستقبل الأفضل يُبنى معًا، لا فرادى.
ومن هنا، فإن كل طريق جديد يُعبد بين البلدين، وكل استثمار مشترك يُطلق، وكل مشروع لوجستي يُنجز، ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجلات الاقتصاد، بل خطوة جديدة في صناعة مستقبل خليجي أكثر قوةً وازدهارًا وتأثيرًا في العالم.