الإمارات في قلب النظام العالمي.. من اتحاد 1971 إلى دولة نفوذ بعد 2011
تاريخ النشر: 20th, January 2026 GMT
لم يكن ما أُعلن في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 1971 قيامَ دولةٍ موحّدة بالمعنى الكلاسيكي، بل كان اتحادا بين كيانات حاكمة أكثر منه اندماجا بين مجتمعات. سبعُ إماراتٍ متجاورة، لكلٍّ منها تاريخٌ محليّ محدود، ونخبةٌ حاكمة مستقلة، وولاءاتٌ قبلية واقتصاداتٌ متفاوتة، اجتمعت لا بفعل حركة شعبية أو مشروع وطني جامع، بل نتيجة تسوية سياسية رعتها بريطانيا قبيل انسحابها من شرق السويس.
في قلب هذه التسوية، برز محوران لا ثالث لهما: أبو ظبي، بقيادة آل نهيان، بثقلها النفطي وعمقها القبلي وقدرتها على تمويل الدولة الوليدة؛ ودبي، بقيادة آل مكتوم، بوصفها ميناء تجاريا مفتوحا، قليل الموارد الطبيعية، لكنه غنيّ بالشبكات والعلاقات والخبرة الاقتصادية. لم يكن الطرفان متساويين في القوة، لكنهما كانا متكاملين في الوظيفة.
هنا لعب زايد بن سلطان آل نهيان الدور الحاسم؛ لم يكن مؤسس الاتحاد لأنه فرضه بالقوة، بل لأنه قدّم معادلة البقاء: النفط مقابل الاستقرار، والريع مقابل تأجيل السياسة؛ أبو ظبي تموّل وتؤمّن، ودبي تُدار بحرية اقتصادية شبه كاملة، فيما تُترك بقية الإمارات في هامشٍ محكوم بهذا التوازن. هكذا نشأت الإمارات كدولة تعاقد بين أُسرٍ حاكمة، لا كدولة وُلدت من صراع اجتماعي أو حركة تحرّر وطنية.
شكّل الربيع العربي لحظة كاشفة؛ لم يكن الخطر في الاحتجاجات بحد ذاتها، بل في ما حملته من إعادة تعريف للشرعية السياسية
عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: شرعية الريع وتأسيس دولة بلا سياسة
في عهد الشيخ زايد، تبلورت شرعية الدولة على أساس الريع لا المشاركة، لم تُبنَ المؤسسات السياسية لتُعبّر عن المجتمع، بل لتدير توزيع الثروة وتضبط المجال العام. كان النفط أداة دمج اجتماعي فعّالة: وظائف، وإسكان، وخدمات، مقابل غيابٍ كامل للسياسة المنظّمة.
في هذا النموذج، لم تُقمع السياسة لأنها لم تُولد أصلا، الدولة لم تدخل في صدام مع قوى اجتماعية منظّمة، بل سبقت تشكّلها. كانت الشرعية تُستمد من القدرة على توفير الرفاه والأمان، لا من التمثيل أو الانتخابات، هذا ما جعل الإمارات تبدو مستقرة في محيط مضطرب، لكنه في الوقت ذاته، أسّس لدولة تعتمد على الإدارة لا المشاركة، وعلى الضبط لا التفاوض.
2004: التحوّل نحو الأمننة مع صعود الشيخ محمد بن زايد آل نهيان
مع وفاة الشيخ زايد عام 2004، دخلت الإمارات مرحلة جديدة، انتقلت من دولة تعتمد على الريع والاستقرار إلى دولة تعيد تعريف نفسها أمنيا. برز محمد بن زايد آل نهيان بوصفه الفاعل المركزي في إعادة هندسة الدولة، ليس عبر خطاب أيديولوجي، بل عبر بناء مؤسسات أمنية حديثة وتعميق التحالفات العسكرية.
لم تعد المصلحة الوطنية تُفهم باعتبارها حماية الداخل فقط، بل إدارة المخاطر خارج الحدود. في عالم ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر، أصبحت اللغة الأمنية هي العملة المشتركة مع الولايات المتحدة. وقدّمت الإمارات نفسها كشريك قادر على التحرك السريع، قليل الحساسية الداخلية، ومستعد لأداء أدوار لا ترغب القوى الكبرى في الظهور المباشر فيها.
كانون الثاني/ يناير 2011: صدمة الربيع العربي والخوف الوجودي
شكّل الربيع العربي لحظة كاشفة؛ لم يكن الخطر في الاحتجاجات بحد ذاتها، بل في ما حملته من إعادة تعريف للشرعية السياسية. صعود جماعة الإخوان المسلمين مثّل تهديدا وجوديا لنموذج الحكم الإماراتي: تنظيم عابر للحدود، وخطاب ديني يمنح شرعية مستقلة عن الدولة، وقدرة على بناء شبكات اجتماعية موازية.
هنا تحوّل القلق إلى سياسة، لم تعد الإمارات تكتفي بتحصين الداخل، بل بدأت التدخل المنهجي في الإقليم لإجهاض أي تجربة قد تُنتج شرعية سياسية خارج سيطرة الدولة. الهدف لم يكن مواجهة الإسلام السياسي فقط، بل منع فكرة السياسة ذاتها من الترسّخ كنمط حكم بديل.
3 تموز/يوليو 2013: اغتيال التجربة المصرية وتمويل الانقلاب
في مصر، وجدت أبو ظبي الفرصة المثالية. لم يكن دعم انقلاب تموز/ يوليو 2013 مجرد مساعدة اقتصادية، بل استثمارا سياسيا واسع النطاق. ضُخّت مليارات الدولارات لضمان سحق التنظيمات السياسية المستقلة، وإعادة إنتاج دولة مركزية منهكة، تعتمد على الدعم الخارجي وتبتعد عن أي طموح إقليمي مستقل.
بهذا المعنى، لم تُغتل التجربة المصرية فقط، بل أُعيد توظيف مصر في منظومة إقليمية تُدار من الخارج؛ تحوّلت من لاعب إلى أداة استقرار سلبي، يستهلك أزماته الداخلية ويؤدي وظيفة الاحتواء.
السيطرة دون سيادة: إدارة الانهيار الإقليمي
في اليمن، انكشف الطابع الوظيفي للدور الإماراتي بوضوح؛ تحوّلت الإمارات من شريك في التحالف إلى فاعل مستقل يدعم قوى انفصالية، ويعيد تشكيل الجغرافيا السياسية بما يخدم السيطرة على الممرات البحرية. وفي ليبيا، دعمت حربا بالوكالة عبر خليفة حفتر، بينما اتُّهمت في السودان بتغذية الصراع عبر دعم قوى مليشياوية بحثا عن نفوذ وثروة.
القاسم المشترك لم يكن الانتصار، بل إدارة الصراع؛ لا حسم نهائيا، بل نزاعات منخفضة الشدة، تُستثمر سياسيا واقتصاديا.
السودان: دعم المليشيا وصناعة الموت
في السودان، اتخذ الدور الإماراتي طابعا أكثر دموية، عبر دعم قوات الدعم السريع وتمكينها من التحوّل إلى قوة تنازع الدولة على احتكار العنف. هذا الدعم، السياسي والمالي واللوجستي، أسهم في تفجير حرب شاملة أدّت إلى مقتل آلاف المدنيين في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة، وارتكاب انتهاكات واسعة شملت التهجير القسري والنهب والعنف المنهجي.
لم يكن الهدف حسم الصراع، بل إبقاء السودان في حالة تفكك دائم، تُدار فيها الفوضى وتُستثمر المأساة كأداة نفوذ، بما يمنع قيام دولة مركزية مستقلة وقادرة على الخروج عن منظومة التبعية الإقليمية.
النهج السعودي في السودان: دبلوماسية بلا حسم
اتبعت السعودية نهجا مختلفا شكليا لا جوهريا، لم تدعم مليشيا بعينها كما فعلت الإمارات، لكنها لعبت دور إدارة الأزمة لا إنهائها، عبر رعاية مسارات تفاوض شكلية، أبرزها محادثات جدة، من دون ضغط جاد لوقف الحرب أو تفكيك اقتصادها.
ركّزت الرياض على تأمين مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر ومنع انتقال الفوضى إلى حدودها، متقبّلة بقاء الصراع منخفض الحسم طالما لا يُنتج سلطة سودانية قوية ومستقلة.
وجهان لعملة واحدة
اختلاف الأسلوب لم يُخفِ وحدة الغاية: منع تشكّل دولة وطنية مستقلة، قادرة على امتلاك قرارها السياسي أو الخروج عن منظومة التبعية الإقليمية
من اليمن إلى السودان، يتضح أن ما يبدو اختلافا بين الإمارات والسعودية ليس سوى توزيع وظائف داخل مشروع واحد. في اليمن، تقاسمتا الأدوار بين الغطاء السياسي والهيمنة الميدانية، وبين الشرعية الشكلية والسيطرة على الموانئ والجزر. أمّا في السودان، فقد انكشف النموذج بصورة أكثر فجاجة: الإمارات دعمت المليشيا بوصفها أداة تفكيك مباشر، بينما تولّت السعودية إدارة المشهد دبلوماسيا عبر مسارات تفاوضية تُبقي الحرب تحت السيطرة دون أن تضع حدا لها.
اختلاف الأسلوب لم يُخفِ وحدة الغاية: منع تشكّل دولة وطنية مستقلة، قادرة على امتلاك قرارها السياسي أو الخروج عن منظومة التبعية الإقليمية.
هكذا يصبح السودان الدليل القاطع، لا الحالة الاستثنائية. فالإمارات لا تبحث عن الاستقرار، بل عن السيطرة عبر الفوضى، والسعودية لا تسعى إلى الحسم، بل إلى الاحتواء طويل الأمد. واحدة تموّل العنف وتُغذّيه، والأخرى تنظّم تداعياته وتدير مساراته، وكلتاهما تعملان داخل الهامش المرسوم دوليا. ليستا خصمين ولا حليفين كاملين، بل شريكين وظيفيين في نظام إقليمي يُكافئ من يُجيد إدارة الانهيار أكثر ممن يسعى إلى بناء الدولة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الإمارات اليمن السودان السودان اليمن الإمارات قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مدونات قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی السودان آل نهیان لم یکن
إقرأ أيضاً:
الفشل يلاحق دولة الاحتلال.. اعتراف إسرائيلي بعدم تحقق أهداف الحرب على إيران
أكدت باحثة إسرائيلية بارزة، أن دولة الاحتلال الإسرائيلي المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية فشلت في تحقيق الأهداف الثلاثة الرئيسة من الحرب على إيران.
وأوضحت الباحثة الإسرائيلية ومديرة برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي "INSS"، راز زيمت، أن "إسرائيل التي أظهرت بالتعاون غير المسبوق مع الولايات المتحدة، قدرات استخباراتية وعملية وتكنولوجية مبهرة، لديها شعور بالخسارة مع انتهاء الحرب".
وأضافت في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" وترجمته "عربي21" أن "هذا الهاجس ينبع أساسا من أن الأهداف الثلاثة الرئيسية التي تم تحديدها للحرب: تغيير النظام، وتدمير برنامج النووي، وإلحاق ضرر شديد بنظام الصواريخ، وجميع هذه الأهداف لم تتحقق أو تحققت بشكل جزئي فقط"، وفق ما أوردته صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية.
إخفاقات رئيسية
ورأت أن "الفشل الأول يكمن في ديناميكيات الدخول في الحرب، بعد فترة وجيزة من اندلاع الحرب، أعلن وزير أمن الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل كانت تخطط لشن حملة عسكرية ضد إيران في صيف عام 2026، جاء ذلك في ظل الجهود المبذولة لإعادة بناء نظام الصواريخ، ومع ذلك، فإن اندلاع احتجاجات شعبية في إيران في 2025، إلى جانب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته مساعدة الشعب الإيراني، خلقا فرصة استغلتها تل أبيب لتوحيد القوى مع واشنطن في محاولة لتحقيق أهداف أكثر طموحا من تلك التي تم التخطيط لها في الأصل، وكانت النتيجة الانتقال من حرب مخطط لها مسبقا إلى حرب تطورت تحت ضغط الوقت، وظروف عدم اليقين، والاختلافات بين المستوى السياسي العسكري في البلدين".
ونبهت أن "أحد الإخفاقات الرئيسية هو التقليل من تقدير صمود النظام الإيراني، حيث تبنى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تقديرات "الموساد" بشأن إمكانية انهيار النظام من خلال تشجيع المعارضة وإشعال الاضطرابات، واقتنع ترامب بأن إسقاط النظام أمر ممكن"، مضيفة أن "إسرائيل والولايات المتحدة بالغتا في تقدير قدرتهما على تنفيذ الخطط العملياتية، بما في ذلك غزو مجموعات كردية انفصالية من شمال العراق وتعيين الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد زعيما لها، في حين قللتا من تقدير مناعة النظام الإيراني".
وأوضحت الباحثة، أن مجريات الأحداث "بينت أن هذا النظام نظام مؤسسي متعدد المستويات ومتين، قادر على الحفاظ على استمرارية وظيفية حتى في ظل الإصابة الشديدة في قمة النظام وفي سلاسل القيادة والسيطرة"، منوهة أن "النظام الإيراني نجح في التكيف بسرعة وتشكيل قيادة جماعية جديدة بقيادة مجتبى خامنئي، في حين ساهمت الضربة التي تلقتها البنية التحتية وتشجيع الاتجاهات الانفصالية بين الأقليات وتصريحات ترامب "تدمير الحضارة الإيرانية"، في مساعدة النظام على حشد قطاعات واسعة من الجمهور، بما في ذلك منتقديه، حول مشاعر القومية والوطنية".
فجوات بين الأهداف
وكشفت الحرب ضد إيران بحسب زيمت عن "فجوة كبيرة بين الأهداف التي حددها المستوى السياسي وبين قدرات المستوى العسكري، فبينما حدد المستوى السياسي في بداية الحرب أهدافا طموحة للغاية، وعلى رأسها تغيير النظام، ركز المستوى العسكري على إضعاف القدرات وتهيئة الظروف لتغيير سياسي مستقبلي، وأدت هذه الفجوة إلى عدم اتساق بين الرؤية السياسية والخطط العسكرية".
كما بينت أن "الافتراض الأساسي القائل بأن الضغط الاقتصادي سيؤدي إلى انهيار النظام، أو على الأقل سيجبره على الخضوع، كان محدودا، حيث تجاهل الأبعاد الأيديولوجية للنظام وحقيقة أنه كان ينظر إلى المعركة على أنها صراع وجودي".
ورأت أن "النظام يأخذ الاعتبارات الاقتصادية في الحسبان، لكنه مستعد لتحمل تكاليف باهظة للغاية، لا سيما عندما يرى أن الثمن المترتب على التنازلات الإستراتيجية قد يكون أشد وطأة من الثمن الاقتصادي، وقدر النظام أن عتبة تحمل الألم لدى المجتمع الدولي إزاء العواقب الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز أقل من تلك لدى إيران، وأن ترامب سيضطر في النهاية إلى التنازل أولا"، موضحة أن "هناك صعوبة في تقدير التأثير الذي كان من الممكن أن يحدثه استمرار الحصار البحري على عمليات صنع القرار في طهران، وكان هناك شكا كبيرا بأن تفاقم الوضع الاقتصادي بشكل إضافي كان سيقنع النظام بالموافقة على تنازلات".
المفاجأة البحرية
وبينت الباحثة، أن "إغلاق مضيق هرمز الذي لم يكن بحد ذاته مفاجأة استخباراتية، إلا أن توقيت الإغلاق في المراحل الأولى من الحرب وخصائص الإغلاق من خلال نشر ألغام في قلب ممر الملاحة وليس فقط من خلال إطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار على ناقلات النفط، وفرت لإيران رافعة ضغط عالمية لا تعتمد على قدراتها العسكرية، ونتيجة لذلك، اضطرت واشنطن وتبعتها إسرائيل إلى تغيير أولوياتها في الحرب؛ فبدلاً من مواصلة الضغط العسكري، الذي كان يهدف إلى تحقيق إنجازات عملياتية أكثر أهمية فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ والبرنامج النووي، تم توجيه جزء كبير من الجهد الأمريكي (في إطار المفاوضات مع إيران) لفتح المضيق بهدف استقرار سوق الطاقة والتجارة العالمية".
ولفتت على أن "تحقيق جزء من أهداف الحرب، وفي مقدمتها إلحاق ضرر كبير بالقدرات النووية، ونو ما كان يستلزم القيام بعملية برية كبيرة تسمح بإلحاق ضرر عميق بالمنشآت النووية وإخراج اليورانيوم المخصب، لكن الخطة العملياتية لتدمير مشروع الطاقة النووية لم تتحقق في نهاية المطاف، بسبب مخاوف القيادة السياسية من تكبد خسائر فادحة وسقوط جنود في الأسر، كما تم تأجيل الخطط العملياتية التي كانت من الممكن أن تساعد في حل أزمة هرمز، بسبب المخاطر التي تنطوي عليها".
وخلصت إلى أن "النظام الإيراني لن ينهار في المدى القصير، فلا يوجد اليوم ما يشير إلى وجود تهديد فوري لاستقرار النظام أو قدرته على التعامل مع الاحتجاجات المستقبلية، فالنظام يحافظ النظام على تماسكه الداخلي وقدرته الكبيرة على السيطرة.
بناء القدرات
وأشارت زيمت، إلى أن "جهود إعادة بناء منظومة الصواريخ، التي بدأت بالفعل مع وقف إطلاق النار، تشي بنية طهران مواصلة تطوير قدراتها العسكرية الإستراتيجية، وينطبق الأمر نفسه على إعادة بناء فروعها الإقليمية، وفي مقدمتها حزب الله، فمن وجهة نظر النظام الإيراني، أثبتت "زئير الأسد" (الحرب ضد إيران) مجددا أهمية مفهوم "وحدة الساحات"، وستواصل طهران جهودها لإعادة بناء الشبكة الإقليمية التي نسجتها على مدى سنوات".
وأضافت: "لقد عززت الحرب الأصوات الإيرانية التي ترى أنه لا ينبغي الاكتفاء بوضع الدولة التي تقترب من امتلاك السلاح النووي، بل يجب السعي لتحقيق الردع المطلق من خلال الأسلحة النووية، لقد ازداد الدافع نحو ذلك"، معترفة أن "تل أبيب" فشلت في تدمير البرنامج النووي الإيراني، حيث "ما زالت القدرات النووية المتبقية في حوزة إيران توفر لها حتى اليوم إمكانية تطوير قنبلة نووية".
واستبعدت الباحثة "منع إيران في هذه المرحلة، من الحصول على أسلحة نووية من خلال اتفاق سياسي بين إيران والولايات المتحدة، وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق يوفر حلا معينا في مجال التعليق طويل الأمد لتخصيب اليورانيوم، والتعامل مع اليورانيوم المخصب في مستويات عالية (20 إلى 60 في المئة) عن طريق إخراجه خارج إيران أو تخفيفه إلى مستويات منخفضة وإعادة رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران، يمكن تقدير أن هذه الخطوات أيضا لن تمنعها من الوصول إلى الأسلحة النووية، وذلك بسبب القدرات التي ستظل في حوزتها".
وشددت على ضرورة أن "تأخذ إسرائيل في الحسبان أن تآكل مكانتها السياسية في الولايات المتحدة، قد يحد من حرية تحركها المستقبلية تجاه إيران، كما قد تؤدي التغييرات السياسية المحتملة في واشنطن في السنوات المقبلة أو التغيرات في أولوياتها على الساحة الدولية إلى تعزيز هذا الاتجاه".
وبينت أن "فشل الجهود الرامية إلى إحداث تغيير سياسي، يستلزم إعادة النظر في جدوى دفع عمليات التغيير في إيران من خلال التدخل الأجنبي، ناهيك عن شن حملة عسكرية، وهذا لا يعني أنه لا حاجة لمواصلة الجهود لإضعاف النظام في اتجاهين رئيسيين؛ النشاط السياسي والاقتصادي والوعي، بما في ذلك على الساحة الدولية، بهدف إضعاف النظام على المدى الطويل، إضافة إلى صياغة أدوات يمكن أن تساعد قوى التغيير في إيران في سيناريو تجدد الاحتجاج ضد النظام".
وأقرت مديرة برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد أبحاث الأمن القومي، أن "القدرة على دفع عمليات التغيير الداخلية في إيران من الخارج محدودة للغاية، علما أن هذه العمليات لن تؤدي بالضرورة إلى تغيير في الحكم، أيضا من المناسب التخلص من التصور القائل بأنه يمكن الاعتماد على الجماعات والمنظمات العلمانية والموالية للغرب وإسرائيل في الشتات، التي تسعى إلى إحداث تغيير ثوري في إيران".
ونبهت أنه "إسرائيل لا يمكنها أن تسمح لنفسها بخوض جولات قتالية متكررة وبوتيرة عالية ضد إيران، مما يعطل اقتصادها بشكل كبير، ويتطلب تفوقا جوياً واستخباراتيا ومساعدة أمريكية، لا يمكن ضمان أنها ستكون متاحة لها في المستقبل، وتل أبيب ستجد صعوبة في التعايش مع واقع تملك فيه الجمهورية الإسلامية ترسانة تضم آلاف الصواريخ الباليستية القادرة على ضربها، وبالتالي، يتعين على إسرائيل إعادة النظر في الخطوط الحمراء التي سيستلزم تجاوزها من قبل إيران اتخاذ إجراء عسكري يتناسب مع خطورة التهديد، سواء من الناحية الكمية ومن الناحية النوعية، وذلك وفقا لقدرات الجيش الإسرائيلي على الاعتراض والتداعيات الواسعة النطاق لمثل هذه العمليات على الاقتصاد والمجتمع والعلاقات الخارجية لإسرائيل".
حل دائم
ونبهت إلى أهمية أن "تطور تل أبيب أدوات إضافية، بما في ذلك قدرات سرية، من شأنها تعطيل أو تأخير قدرة إيران على إعادة بناء نظام صواريخها؛ ومواصلة تطوير قدرات محسنة للتعامل مع تهديد الصواريخ، بما في ذلك في مجال الدفاع الجوي وإدارة العمليات في الفضاء تحت الأرضي"، مؤكدة أنه "لا يمكن لإسرائيل أن تتسامح مع تطوير إيران لأسلحة نووي، كما لا يمكن الاعتماد على تغيير النظام لحل مشكلة البرنامج النووي، وهناك شك كبير في إمكانية منع إيران من الوصول إلى الأسلحة النووية على المدى الطويل من خلال التسوية السياسية وحدها".
وقدرت أنه "في المستقبل المنظور سيكون من الضروري إيجاد طريقة للتأكد من أن إيران لا تجدد جهودها سواء في مجال تخصيب اليورانيوم أو في مجال تطوير الأسلحة، وذلك من خلال مزيج من الترتيبات السياسية التي تقلص، قدر الإمكان، القدرات النووية التي تمتلكها إيران وتجدد رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران، وربما توسعها لتشمل مواقع إضافية؛ ومراقبة استخباراتية دقيقة ومستمرة؛ وإعداد القدرة العسكرية للتدخل في حال وجود أدلة على إعادة بناء القدرات النووية".
وبينت الباحثة أن "الحاجة تزداد إلى ترتيبات سياسية في ضوء المخاوف من عدم إمكانية ضمان قدرة استخباراتية محكمة على المدى الطويل، توفر الردع ضد الجهود الإيرانية المتجددة في المجال النووي وفي ضوء القيود المحتملة على استخدام الخيارات العسكرية في المستقبل، وذلك على غرار نماذج مراقبة الأسلحة من فترة الحرب الباردة".
ودعت إلى "دعم الجهود الرامية من أجل التوصل إلى تسوية سياسية – ولو جزئية – حتى لو كان ذلك يعني منح النظام بعض التسهيلات الاقتصادية، وبما أنه لا يمكن ضمان أن ينهار النظام قبل أن يتمكن من الحصول على أسلحة نووية، فإنه يتعين إيجاد التوازن الصحيح بين الاتفاقات السياسية ومواصلة الضغط على إيران، بالتوازي مع الاستعداد المستمر لمواجهة المحاولات الإيرانية لاقتحام مجال الأسلحة النووية".
وخلصت في نهاية مقالها في "يديعوت أحرنوت"، أنه "رغم النجاحات العملياتية المذهلة التي تحققت، لكنه لم يتم التوصل إلى حل دائم مرضٍ للتحدي الإيراني، وبالتالي، الأمر يتطلب إعادة التفكير في مواجهة التهديد الإيراني، بحيث تأخذ في الاعتبار الحاجة إلى الجمع بين الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاستخباراتية في المعركة المستمرة؛ وتحديد أهداف واقعية تجاه إيران؛ والاعتراف بحدود القوة، إلى جانب عدم القدرة على التسامح مع تسليح طهران بقدرات عسكرية تشكل تهديدا استراتيجيا لأمن إسرائيل".