21 يناير، 2026

بغداد/المسلة:

محمد صالح صدقيان

في سياق التوترات الإقليمية المستمرة، ولا سيما بعد حرب يونيو/حزيران الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، استغلت الولايات المتحدة، بشخص رئيس جمهوريتها دونالد ترامب، هذه الأجواء ليدخل على خطّ الاحتجاجات الاقتصادية التي بدأها البازار الإيراني في طهران، محاولًا تحويل الاحتجاجات المطلبية الرامية إلى تحسين الوضع الاقتصادي إلى اضطرابات وأعمال عنف وشغب، بعد أن وجّه دعواته لمن خاطبهم بالتظاهر ومهاجمة المباني الحكومية والاستيلاء عليها، واعدًا إياهم بالمساعدة من دون أن يحدد آلية تلك المساعدة.

الإيرانيون الذين أراد منهم ترامب مهاجمة المؤسسات الحكومية، خرجوا يوم الاثنين الماضي بالملايين ليقولوا له ما لم يكن يتوقعه: «لا أهلًا ولا سهلًا بوعودك»، لأنهم يعلمون جيدًا أن سبب المشاكل الاقتصادية التي يتعرضون لها هو انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الموقّع عام 2015، وفرضه عقوبات اقتصادية مجحفة بحق إيران شعباً ودولةً. وهم يعلمون أيضًا أن الهجوم الذي قاده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضد إيران لم يكن ليحدث إلا بموافقته، وأن الطائرات الأميركية التي انطلقت من داخل الأراضي الأميركية لضرب المنشآت النووية السلمية في إيران لم تنطلق إلا بإذنه. فمن العجب أن يطلب ترامب من الإيرانيين الذين ألحق بهم الأذى أن يُصدّقوا وعوده، وأن يفرشوا له السجاد الأحمر حتى تُسال دماؤهم على السجادة ذاتها، وليس خارجها.

هنا يتحمل الفريق الرئاسي في البيت الأبيض المسؤولية. نعم، لقد أخطأ من أوصى ترامب بدعوة الشعب الإيراني إلى ممارسة العنف في مواجهة النظام السياسي، كما أخطأ من قال له إن الشعب الإيراني يجب أن يحب ترامب الذي هاجمهم في يونيو/حزيران الماضي، ووضعهم على اللائحة السوداء، ومنعهم من دخول الولايات المتحدة.

بهذا المعنى، استطاع الشعب الإيراني، وبجدارة، تفويت الفرصة وإحباط ما أراده نتنياهو، الذي أقنع ترامب بأن خيار الحرب أفضل من خيار السلام مع إيران. هذا السيناريو الذي حمله نتنياهو إلى واشنطن خلال زيارته الأخيرة ركّز – كما يقول دبلوماسيون متابعون – على أن الحرب على إيران لا يمكن أن تنجح إلا إذا حقّقت أهدافها، ولا سيما هدف اسقاط النظام، وإلا نكون أمام نسخة جديدة من حرب الأيام الإثني عشر، في مطلع الصيف الماضي. وبالتالي، وكما يقول هؤلاء الدبلوماسيون، فإن الشعب الإيراني “متمسك بأرضه وسيادته، ومتماسك بشأن كرامته، ويبقى الطريق الوحيد، وفق هذا السيناريو، هو خلق الفوضى واستغلال التذمر الشعبي الناتج عن المشاكل الاقتصادية، والدفع باتجاه حرب داخلية بين المواطنين والنظام، بدعم إسرائيلي–أميركي، لخلق البيئة المناسبة لتغيير النظام السياسي، وصولًا إلى تقسيم إيران على أسس عرقية وطائفية”.

واستنادًا إلى ذلك، كان من الطبيعي أن يُحمّل المرشد الإيراني الأعلى، الإمام علي خامنئي، رئيس الولايات المتحدة مسؤولية إراقة الدماء التي أُسيلت خلال أعمال العنف التي شهدتها إيران خلال الأيام الأخيرة.

وأمام هذه التراجيديا المتكررة التي ذهب ضحيتها مئات المواطنين، بما في ذلك رجال حفظ النظام، أين تقف إيران؟ وماذا يجب أن يكون الخيار؟

بعد نحو عشرة أيام من الاحتجاجات وأعمال العنف والتخريب التي طالت محالّ تجارية ومؤسسات حكومية، تشير التطورات إلى هدوء نسبي في مختلف المناطق الإيرانية، مع سيطرة القوات الأمنية على الأوضاع، وعودة الحياة، إلى حدٍّ كبير، إلى طبيعتها. أما الهجوم العسكري الذي لوّحت به الولايات المتحدة، فقد أصبح احتماله أضعف بكثير، كما أن تريّث الأجهزة القضائية في عدم إعدام المعتقلين منح الرئيس الأميركي فرصة ليعلن – على الأقل في هذه المرحلة – أن الهجوم الثاني مستبعد. ويبدو أن واشنطن إما فقدت الأمل، أو أصبحت مترددة جدًا في استراتيجيتها القائمة على «انهيار إيران من خلال تنظيم الاضطرابات والفوضى والحرب الأهلية». فمليارات الدولارات التي صُرفت على هذه الخطة ذهبت هباءً، وكذلك فشلت فشلًا ذريعًا فكرة خلق بديل خارجي لقيادة الاحتجاجات داخل إيران.

وفي ظل هذه الأجواء، لا تزال مشاكل المواطنين على حالها. فالحكومة التي وعدت بمعالجة هذه الأزمات، لم يرَ المواطن حتى الآن مؤشرات فاعلة على وقف تدهور العملة المحلية، أو زيادة القدرة الشرائية، أو انخفاض مستوى التضخم. وهذه العوامل الثلاثة لا تزال قائمة، وهي مشاكل خطيرة وحقيقية للغاية.

ومع عودة الهدوء النسبي الحالي، ثمة فرصة ذهبية أمام أمام السلطات الإيرانية لاتخاذ إجراءات جذرية لحل المشاكل الاقتصادية والهيكلية، وإعادة تنظيم إجراءات الحوكمة، من خلال تحسين الأوضاع الاقتصادية، ومحاربة الفقر والفساد والبطالة، وإقالة المدراء غير الكفؤين أو المتسللين.

ويقول الدبلوماسي الإيراني السابق حسين موسويان إن أكبر تحدٍّ في السياسة الخارجية والأمن القومي الإيراني هو «التوتر في العلاقات مع أميركا». وبالنسبة للرئيس ترامب أيضًا، فإن تخفيف التوتر مع إيران يُعد من أعقد ملفات سياسته الخارجية. وحل هذه المعضلة يحتاج إلى قرارات كبيرة وجريئة من كلا العاصمتين.

ويضيف أن الدبلوماسية هي الطريق الوحيد للسلام «وأي هجوم عسكري أميركي محدود وموجّه لن يجلب إلا مزيدًا من العداء، ولن يحقق شيئًا، أما الهجوم العسكري الواسع ضد إيران فسيُهدد استقرار المنطقة بأكملها بالتأكيد، وسيعرّض حتى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط للخطر. لذلك يجب على أميركا أن تزيل الخيارات العسكرية من على الطاولة، لأن تكلفتها ومخاطرها كبيرة جدًا على الولايات المتحدة وإيران والمنطقة كلها»، ويعتقد موسويان أن واشنطن وطهران بحاجة ماسّة إلى حوار مباشر وجدي وشامل، شرط أن تكون نتائجه مشرفة ومقبولة لكلا الطرفين.

في المحصلة، تبدو إيران اليوم أمام مفترق حاسم بين مسارين متناقضين: استمرار استنزافها عبر العقوبات والضغوط، أو تحويل لحظة الهدوء النسبي إلى فرصة لإعادة ترتيب الداخل وفتح نافذة واقعية على الخارج، وهذا الأمر شرطه استعداد الخارج لتقديم مقاربة واقعية على قاعدة “رابح/رابح” والمصالح المشتركة .
وفي المقابل، تبقى واشنطن مطالبة بمراجعة مقاربتها لإيران، بعدما أثبتت التجربة أن القوة وحدها لا تصنع حلولًا مستدامة. وحده الحوار المتكافئ، القائم على المصالح والاحترام المتبادل، قد يفتح بابًا لتخفيف التوتر وتجنيب المنطقة جولة جديدة من عدم الاستقرار.

المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author زين

See author's posts

المصدر

المصدر: المسلة

كلمات دلالية: الولایات المتحدة الشعب الإیرانی ضد إیران

إقرأ أيضاً:

الرئيس الأمريكي: لا أحد يعلم إلى أين ستقود المفاوضات مع إيران

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرار المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، نافيًا صحة التقارير الإعلامية التي تحدثت عن توقف قنوات التواصل بين الجانبين خلال الأيام الماضية.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن "لا أحد يعلم إلى ماذا ستقود هذه المحادثات"، مشيرًا إلى أن المفاوضات لا تزال جارية وأن الإدارة الأمريكية تواصل جهودها الدبلوماسية للتوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا محل الخلاف بين البلدين.

وأضاف ترامب أنه أبلغ الجانب الإيراني بأن الوقت قد حان للوصول إلى اتفاق، مؤكدًا أن استمرار الحوار يمثل فرصة لمعالجة الملفات العالقة وتجنب المزيد من التوترات في المنطقة.

كما نفى الرئيس الأمريكي صحة التقارير الإخبارية التي زعمت توقف الاتصالات بين واشنطن وطهران قبل أيام قليلة، واصفًا تلك المعلومات بأنها "كاذبة"، ومؤكدًا أن قنوات التواصل لا تزال مفتوحة وأن المناقشات مستمرة.

وتأتي تصريحات ترامب في وقت تحظى فيه المفاوضات الأمريكية الإيرانية باهتمام دولي واسع، نظرًا لأهميتها في معالجة القضايا المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والأمن الإقليمي والعلاقات بين البلدين.

ويرى مراقبون أن تأكيد استمرار المحادثات يعكس رغبة الطرفين في الإبقاء على المسار الدبلوماسي مفتوحًا، رغم استمرار الخلافات بشأن عدد من الملفات الرئيسية التي شكلت محورًا للتوتر خلال السنوات الماضية.

وتترقب الأوساط السياسية والدبلوماسية نتائج هذه الاتصالات، وسط آمال بإحراز تقدم يسهم في خفض التوترات الإقليمية ويدعم جهود الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

في المقابل، لا تزال التوقعات بشأن مآلات المفاوضات غير واضحة، خاصة في ظل تعقيد الملفات المطروحة وتشابك المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بها، إلا أن استمرار الحوار يُنظر إليه باعتباره مؤشرًا إيجابيًا على بقاء الحلول الدبلوماسية مطروحة على الطاولة.

مقالات مشابهة

  • باحث بالشأن الأمريكي: الولايات المتحدة وضعت نفسها في مأزق بسبب حرب إيران
  • ترامب يتمسك بالمسار التفاوضي مع إيران
  • رويترز: إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة
  • وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران
  • جمود المفاوضات يُطيل أمد الحرب.. وجون بولتون: ترامب في مأزق حقيقي
  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • الرئيس الأمريكي: لا أحد يعلم إلى أين ستقود المفاوضات مع إيران
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • بعيدًا عن الولايات المتحدة.. لماذا اختارت إيران الإقامة في المكسيك خلال المونديال؟