من منصة دافوس، وفي لحظة تشهد تصاعدا في الحروب التجارية وتآكلا في قواعد الحوكمة العالمية، وضع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التعاون الاقتصادي مع الصين في صلب رؤيته لإعادة ضبط الاختلالات العالمية، معتبرا أن المواجهة الصفرية أو الانغلاق لا يقدّمان حلولًا، وأن "المخرج الوحيد هو المزيد من التعاون، وبناء مقاربات جديدة".

خطاب ماكرون، الذي ألقاه خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، ونشره موقع "المنتدى الاقتصادي العالمي" كاملا، جاء محملا برسائل اقتصادية مباشرة تستهدف أوروبا، والولايات المتحدة، والصين على حد سواء، في محاولة لإعادة تعريف قواعد التنافس والشراكة في الاقتصاد العالمي.

الصين شريك لا خصم

وشدد ماكرون على أن الصين "مرحب بها" اقتصاديا، لكن ضمن إطار أكثر توازنا، قائلا إن أوروبا "تحتاج إلى المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصينية داخل القارة، في قطاعات أساسية، تساهم في النمو ونقل التكنولوجيا"، بدل الاكتفاء بتدفقات تصديرية كثيفة نحو السوق الأوروبية.

وأوضح أن المشكلة لا تكمن في الصين بحد ذاتها، بل في "الاختلالات البنيوية"، مشيرًا إلى "نقص الاستهلاك والاستثمار المفرط" في الاقتصاد الصيني، مقابل "نقص الاستثمار وضعف التنافسية" في أوروبا، و"فرط الاستهلاك" في الولايات المتحدة.

وبرأي ماكرون، فإن معالجة هذه الاختلالات لا تكون عبر العقوبات أو الإقصاء، بل عبر إعادة التوازن في تدفقات الاستثمار والتجارة، بما يحفظ مبدأ "تكافؤ الفرص" وحماية القاعدة الصناعية الأوروبية.

أوروبا بين السيادة والتعاون

وفي خطابه، دعا الرئيس الفرنسي إلى بناء "سيادة اقتصادية أوروبية" لا تقوم على الحمائية، بل على أدوات دفاع تجاري فعالة، مؤكدا أن أوروبا كانت "ساذجة أكثر من اللازم" في فتح أسواقها من دون ضمان معاملة مماثلة.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن إعادة التوازن مع الصين تتطلب استخدام أدوات مثل "آلية مكافحة الإكراه"، وتشجيع الاستثمارات التي تحمل قيمة مضافة عالية، بدل السماح بتدفقات منتجات "أكثر دعما وأقل التزاما بالمعايير".

إعلان

وأكد ماكرون أن هذا التوجه لا يستهدف الصين أو أي طرف بعينه، بل يهدف إلى "استعادة تكافؤ الفرص وحماية الصناعة الأوروبية"، خصوصًا في قطاعات السيارات، والكيميائيات، والتقنيات المتقدمة.

الاستثمار بدل الحرب التجارية

وحذّر ماكرون من أن الحروب التجارية وسباقات فائض الإنتاج "لن تُنتج سوى خاسرين"، معتبرا أن تصاعد الرسوم واستخدامها كورقة ضغط سياسي يهدد النظام التجاري العالمي.

ماكرون: الحروب التجارية مع الصين تضعف الجميع ولا تعالج جذور الخلل الاقتصادي (الفرنسية)

وقال إن تعزيز التعاون مع الصين، ومع اقتصادات ناشئة أخرى، يجب أن يكون جزءا من أجندة أوسع تشمل مجموعة السبع ومجموعة العشرين، لأن "تفكك العالم لا معنى له اقتصاديا".

وأشار إلى أن أوروبا لا تستطيع تحقيق نمو مستدام إذا استمرت في خسارة الاستثمارات لصالح أسواق أخرى، أو إذا بقيت سلاسل القيمة العالمية خاضعة لمنطق الصراع بدل الشراكة.

إعادة التوازن العالمي

وربط ماكرون بين التعاون مع الصين وبين هدف أوسع يتمثل في إصلاح الاختلالات العالمية، موضحا أن "التعاون لا يعني إلقاء اللوم على الآخرين، بل تحمل كل طرف لمسؤوليته".

وفي هذا الإطار، أكد أن فرنسا، التي تتولى رئاسة مجموعة السبع هذا العام، ستدفع باتجاه "تشخيص مشترك للاقتصاد العالمي، والتزام بخطوات عملية" لمعالجة جذور الاختلال، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات.

وبينما دعا إلى مزيد من الاستقلالية الأوروبية، شدد ماكرون في الوقت نفسه على أن أوروبا "ستبقى منفتحة على الحوار والاستثمار"، وأن الشراكة مع الصين، إذا أُديرت ضمن قواعد واضحة، يمكن أن تكون جزءًا من الحل لا من المشكلة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات مع الصین

إقرأ أيضاً:

العقوبات الأمريكية تدفع "ميليا" لإنهاء استثماراتها الفندقية في كوبا

تبدأ مجموعة "ميليا" الإسبانية، اليوم الجمعة، إنهاء جميع عملياتها الفندقية في كوبا، لتنهي بذلك وجوداً استمر 36 عاماً في الجزيرة، بعدما أكدت أن العقوبات الأمريكية الأخيرة جعلت استمرار نشاطها "مستحيلاً عملياً وقانونياً".

يمثل قرار الانسحاب نهاية لمسيرة بدأت عام 1990، عندما أصبحت "ميليا" أول سلسلة فنادق إسبانية تدخل السوق الكوبية عقب فتح قطاع السياحة أمام الاستثمارات الأجنبية.

وقالت المجموعة، في إفصاح إلى الجهة المنظمة لسوق الأسهم الإسبانية، إن التحديات التشغيلية والقانونية والاقتصادية والمالية بلغت مستوى لم يعد يسمح بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار التشغيلي، مؤكدة أنها تعمل على إدارة انتقال منظم يحد من تأثير القرار على العاملين والعملاء والموردين والشركاء المحليين.

وكانت "ميليا" قد مهدت لهذا القرار الشهر الماضي، عندما أعلنت وقف تشغيل 15 فندقاً من أصل 34 كانت تديرها في كوبا.

ومع قرار الانسحاب الكامل، تطوي المجموعة صفحة أكبر استثمار فندقي أجنبي لها في الجزيرة، إذ كانت تدير نحو 14 ألف غرفة موزعة على فنادقها المختلفة.

رسوم الأدوية الجنيسة.. اختبار جديد للمنافسة الأمريكية الصينية - موقع 24تلقي الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة بظلالها على مستقبل تجارة الدواء العالمية، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة لرفع التعريفات على الأدوية الجنيسة المستوردة إلى 200%، في إطار مساعيه لإعادة توطين صناعة الدواء داخل الولايات المتحدة.

ضغوط أمريكية على قطاع السياحة

وجاء الانسحاب بعد سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأشهر الماضية، إذ فرضت في مايو (أيار) عقوبات جديدة استهدفت أفراداً وكيانات مرتبطة بالحكومة الكوبية، مع التلويح بفرض إجراءات على الشركات والبنوك الأجنبية التي تتعامل معها.

وشملت الإجراءات الأمريكية أيضاً إدراج وزارة السياحة الكوبية على قائمة "الكيانات المحظورة"، بعدما كانت واشنطن قد أدرجت في وقت سابق التكتل العسكري الكوبي "GAESA"، الذي يسيطر على جزء كبير من النشاط السياحي، ما دفع شركات أجنبية إلى إعادة تقييم استمرار أعمالها في الجزيرة.

كما امتدت تداعيات العقوبات إلى شركات أخرى، إذ تبدأ سلسلة الفنادق الإسبانية "إيبيروستار" اليوم أيضاً إغلاق فنادقها الستة المتبقية في كوبا، في إجراء تصعيدي يعكس اتساع الضغوط على المستثمرين الأجانب العاملين في القطاع السياحي.

ويواجه القطاع السياحي الكوبي في الوقت نفسه أزمة متفاقمة، بعدما أدت القيود الأمريكية على شحنات النفط إلى نقص حاد في الوقود وانقطاعات واسعة للكهرباء، ما انعكس على حركة السفر، مع تعليق شركات طيران دولية، بينها "إير كندا" و"إيبيريا" و"إير فرانس"، رحلاتها إلى الجزيرة، فيما خفضت "دلتا إيرلاينز" عدد رحلاتها.

نهاية حضور تاريخي في كوبا

وكانت "ميليا" قد كشفت في وقت سابق من العام أن فنادقها في كوبا تعمل بنحو 50% فقط من طاقتها التشغيلية، مشيرة إلى أن العقوبات الأمريكية أضعفت أعمالها بشكل كبير منذ مطلع عام 2026، وهو ما مهد لقرارها الأخير.

وتطوي هذه الأزمة صفحة بدأت عام 1990، عندما أصبحت "ميليا" أول سلسلة فنادق إسبانية تدخل السوق الكوبية عقب فتح قطاع السياحة أمام الاستثمارات الأجنبية، في محاولة من هافانا آنذاك لتخفيف تداعيات الأزمة الاقتصادية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي. لتنهي بذلك وجوداً استمر 36 عاماً، كانت خلاله أكبر مشغل فندقي أجنبي في الجزيرة.

مقالات مشابهة

  • ريبسول تعزز استثماراتها في ليبيا بعد حصولها على منطقتي استكشاف
  • تكريم الحاصلين على ذهبية بطولة "كأس العالم" للساندا بالصين
  • الصين تفرض قيودا على صادراتها إلى 14 كيانا أوروبيا ردا على عقوبات طالت شركاتها المتعاونة مع روسيا
  • مجلسا الأعمال اللبناني والسوري وضعا خارطة طريق لمتابعة ملفات التعاون الاقتصادي بين البلدين
  • وزير الخارجية يناقش مع نظيره بسلطنة بروناي تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري
  • مصر وإندونيسيا تؤكدان توسيع التعاون الاقتصادي ودعم التنسيق في المحافل الدولية
  • العقوبات الأمريكية تدفع "ميليا" لإنهاء استثماراتها الفندقية في كوبا
  • وزبر الخارجية: نتطلع إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الفلبين
  • الصين تبدي استعدادها لتعميق التعاون الرقمي والذكاء الاصطناعي مع دول آسيا-الباسيفيك
  • بعد السيارات الاقتصادية.. الصين تستهدف عرش السيارات الفاخرة في أوروبا