حاوره: ناصر أبوعون

يؤكد الكاتب والناقد الأدبي الدكتور جمال فودة أن الشعر العُماني يستند إلى وعي جمالي خاص ويتحقق في أنساق إيقاعية لا حصر لها، مشيرًا إلى أنه رغم انتشار الشعر الحر وسيطرته على الساحة الأدبية، ما يزال الأعم الأغلب من المبدعين يدين بوفاء منقطع النظير للقصيدة الخليلية.

والدكتور جمال فودة، كاتب وباحث مصري، يقيم في سلطنة عُمان ومن أهم إصداراته: "ظاهرة الاغتراب في الشعر العربي المعاصر"، صادر عن منشورات كلية الآداب جامعة الزقازيق سنة 2002، وكتاب "مستويات البناء الشعري.

. دراسة أسلوبية"، صادر عن منشورات كلية الآداب جامعة بنها سنة 2005، و"مائة سؤال وجواب في قضايا النحو والإعراب"، عن منشورات مكتبة الهلال، سلطنة عُمان سنة 2012، و"غريب على الخليج (رواية) مخطوطة".

وقد أجرت "الرؤية" هذا الحوار، كما يلي:

 

 

في حوار سابق أكدت أن أزمة النقد الأدبي المعاصر ليست في عجزه عن متابعة النصوص، بل في المنهجية النقدية. كيف يمكنك إلقاء الضوء على هذه الفكرة، مبيّنًا أسباب أزمة النقد، وآثارها في غياب التطبيق والتحليل النّصي.

- لا يمكن للنقد متابعة كل النصوص الأدبية على اختلاف أنواعها، وهذا ليس عجزًا عن النقد أو ضعفًا في الرؤية النقدية، لكنها المنهجية النقدية التي لا يجب عليها أن تتابع (كل) ما ينشر، بل تبحث عن الإضافة والتنوع والتجدد، وأزمة النقد في المنهجيات أولًا، ومحاولة تبنيها دون تدقيق أو رفضها بالحجج المعهودة ذاتها. ثانيًا، فهي أزمة منهجية جمالية أدت إلى غياب التطبيق والتحليل النصي الذي يصنع نصًا نقديًا موازيًا للنص الأدبي. وأعتقد أنَّ قلة تراجم الجماليات النصية، وقراءة النصوص النقدية من أسباب أزمة النقد المعاصر.

 

 

هل من شروط مُسبقة وضرورية ليُعتدّ برأي الناقد في الشعر، موضحًا دور كلٍّ من الذوق والدراسة المتخصصة والمران النقدي في الوصول إلى حكم نقدي قريب من الموضوعية.

ـ لا خلاف حول دور الذوق في نقد الشعر فهو الأساس، ولكن ليس كل من قال رأيًا في الشعر يٌعتدٌّ به، إذ لابد لله من أمرين: أن يكون دارسًا متخصصًا مٌلمًا بأصول النقد، مطلعًا على أمهات الكتب، قارئًا واعيًا لرواد النقد الأدبي قديمه وحديثه، فلا يخالف ما اتفقوا عليه، فقد اختلف النقاد في كثير من الأشياء، لكن ما اتفقوا عليه ليس لأحد أن يخرج عنه. أمّا الأمر الثاني: هو المران أو الدربة على النقد، فهي التي تصقل الذوق، وتكشف مواضع الاستحسان أو النقد، والأصل أنّ الحُكم النقدي القائم على المنهجية والتوصيف والتحليل والتفسير المستند إلى اتجاه نقديّ واضح هو الذي يقترب بالناقد من حدود الموضوعية البشرية الممكنة.

 

 

ما أسباب الاختلاف بين رؤية الأديب المبدع ورؤية الناقد للنص الأدبيّ وهل هناك حدود ذاتية وموضوعية في كلٍّ منهما، مع توضيح دور الشاعر والناقد في العملية النقدية.

- مرد الاختلاف إلى الزاوية التي ينظر منها كلاهما للنص الأدبي، والاختلاف أمر طبيعي بين الأديب المبدِع والناقد؛ نتيجة ذلك التفاوت بين رؤية الأديب الذاتية، وبين رؤية الناقد الموضوعية.. ولابد أن ننوه لدور الشاعر في النقد، وهذا ما يذكرنا بـ(الحوليات)، وما كان يفعله الشاعر (زهير بن سلمى) من إعادة النظر في قصائده مدة قد تستغرق حولًا أو أكثر، لكنّ(الذاتية) تقف حائلًا أمام الحكم الموضوعيّ في معظم الأحوال، وهذا ما يقوم به الناقد.

 

 

هناك إشكالية كبرى في العلاقة بين الناقد والقارئ، كيف يؤثر الأسلوب النقدي المتعالي أو المغلق في فاعلية النقد وانتشاره، وهل من أهمية البعد التواصلي في الخطاب النقدي مستشهدًا ببعض التجارب؟

- الناقد الذي لا يحترم عقل القارئ لن يجد له مكانًا في الساحة الأدبية، وسوف ينتهي به الأمر إلى التجاهل، فضلًا عن العداء الذي سيصيبه نتيجة نظرته الدونية لقارئه، وهذا هو المصير الذي واجهه كثير من نقاد الحداثة الذين أغرقوا دراساتهم في المصطلحات والإحصائيات والرسوم البيانية والمخططات معتقدين أنهم بذلك يسهمون في تفسير النصوص التي يقومون بتحليلها، فإذا هم يحولون الممارسة النقدية إلى طلاسم وألغاز لا يستطيع القارئ فك شفرتها، وكانت النتيجة مقاطعة القراء للنقد، وأصبح النقاد يكتبون لأنفسهم أو لقلة ممن يسيرون على منهجهم.. فلابد من الاهتمام بالبعد التواصلي في الممارسة النقدية بحيث يشعر المتلقي بأنه معني بالخطاب النقدي. وخير دليل على ذلك التجربة النقدية التي قدمها طه حسين؛ حيث استطاع أن يقدم لقطاع عريض من قراء الصحف مادة نقدية عميقة تتعلق بالشعر القديم بأسلوب بياني سهل ساعد القراء - على اختلاف طبقاتهم - على تمثل هذا الشعر وتذوقه.

 

 

من وجهة نظرك.. ما الذي يمنح العمل الأدبي الخلود ويسمه بالتميز؟

"الخلود" في العمل الأدبي مسألة نسبية يحكمها أمران: هما: جوهر العمل الإنسانيّ، وأصالته الفنّية، والتفرد في الأدب كغيره في جميع المجالات يتأتّى من الجودة والتميز؛ أعني توفّر العمل الأدبيّ على الإبداع والابتكار، وهي أمور نِسبيّة بكلّ تأكيد، وبها تتفاوت القيمة الإبداعية للأعمال الأدبية.

 

 

 

نحن جميعًا نؤمن فكرة تطوّر الأدب وعدم ثباته.. فهل لديك موقف واضح من قصيدة النثر، وهل هناك أسباب وراء تحفّظ البعض عليها رغم انتشارها الواسع في الوقت الحاضر.

- كل قديم كان جديدًا في أوانه، وكل جديد سيصبح قديمًا يومًا ما بعد فوات زمانه، هذه سنة الحياة، وليس بين العلوم الإنسانية علم هو أمضى في التقدم وأبعد عن الثبات والجمود من الأدب؛ وذلك بحكم طبيعته المتصلة بالمجتمع الذي تتبدل ملامحه يومًا بعد يوم، فضلًا عن اعتماده على الذوق الذي يختلف من أمة إلى أمة، بل غالبًا ما تختلف أذواق أبناء الأمة الواحدة من جيل إلى جيل... والآن تغير الموقف من قصيدة النثر، فشتان بين ما وصلت إليه اليوم وما كانت عليه بالأمس؛ إذ فُتحت لها الأبواب المغلقة؛ فتيسر نشرها وقراءتها ودراستها وبحثها أكاديميًا. وتضاعف عدد كتابها بشكل كبير قياسًا بعمرها.. وإن كانت لدي بعض التحفظات عليها كمنجز ثقافي لم يعلن عن قوانينه. وغياب تلك القوانين سمح لكل من هبّ ودبّ أن يكتب كلامًا عاديًا ويسميه شعرًا، ولا يحق لنا الاعتراض! بالتالي كثر الشعراء وقلّ الشعر.

 

 

هل هناك فلسفة ما وراء انتقاء النقاد للنصوص، التي يكتبون عنها أم إنّ الذائقة تخضع لتوجها أيديلوجية وبرجماتية بحتة ينتفع من ورائها الناقد؟

- غالبًا ما أجد شيئَا لافتًا يشدني لقصيدة ما، وإن شئت قلت كأنها إشارة خفية تستوقفني عندها، وهذه سمة جمالية ونقدية ممتعة يحسها الناقد عند قراءة القصيدة.


 

يُقال الآن في عالمنا العربي، هذا زمن الرواية وليس زمن الشعر؟ فهل هذا سؤال من الزمن القديم الذي ولّى؟

دعنا نتفق أنه لا سبيل إلى أي لون أدبيّ كي ينافس الشعر في التعبير عن المشاعر والعواطف، أما إحلال فن أدبي مكان فن آخر فهذه مسألة من الصعوبة بمكان؛ إذ لكلّ نوع أو فنّ أدبي ميّزته الخاصّة التي لا تجدها في غيره، والمفاضلة بين الفنون أمر قديم في أدبنا العربي، وإن أوشكت تلك الحدود بين فنون الأدب أن تزول.

 


سؤال أخير: ماذا عن المشهد الشعري في عُمان؟

- يستند الشعر العُماني إلى وعي جمالي خاص، فيرفض الجاهز ويعادي التقليد، فهو أفق مفتوح على أشكال عديدة ومتنوعة؛ فهو يتحقق في أنساق إيقاعية لا حصر لها منها ما يعتمد العروض الخليلي، أو النسق التفعيلي، أو النسق النثري... وغيرها من أشكال التعبير الشعري، إنه نافذة نطل منها على التجربة الإنسانية في أبعادها المختلفة وتجلياتها المتعددة. وما من شك أن هذا التصور للعملية الإبداعية من شأنه أن يقود إلى تطوير تجربة الشعر العُماني... ورغم انتشار الشعر الحر وسيطرته على الساحة الأدبية، ما زال الأعم الأغلب المبدعين يدين بوفاء منقطع النظير للقصيدة الخليلية؛ لأنهم يرون أن الشاعرية لا تختص بشكل محدد، ولكنها سمة لكل نصٍ توافرت فيه عناصر الإبداع التي تخرجه من سياق التواصل الإخباري العادي إلى سياق التواصل الجمالي، وعلى رأسهم يأتي الشاعر الكبير هلال السيابي، ومحمد بن عبد الله الخليليّ، وأحمد بن هلال العبري، وسعيد الصقلاويّ، وجماعة مجلس الخليليّ للشعر، ولا تحضرني أسماء كثيرة الآن.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • فيتامين د.. كيف ينعكس نقصه على البشرة والشعر؟
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ساديو ماني يقود قائمة أسود التيرانغا في مونديال 2026
  • ساديو ماني يقود أسود التيرانغا في مونديال 2026
  • وصفات تكثيف الشعر بالزيوت الطبيعية.. حلول منزلية تمنح الشعر قوة وكثافة ولمعانًا
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • "ظفار الإسلامي" يطرح برنامج صكوك بـ250 مليون ريال عُماني
  • مهرجان مراكش للفيلم يفتح باب الترشح لورشة متخصصة في النقد السينمائي لفائدة الصحافيين
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟