نتحدث عن المقال الذي نُشر في مجلة: السياسة الخارجية (Foreign Policy) بعنوان «المدير الملك الذي أنقذ عُمان» في يناير من هذا العام، للصحفي والمحلل السياسي بوبي غوش.
المحلل قدم قراءة تحليلية عن جوانب التغيير خلال مدة تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه - مقاليد الحكم في البلاد.
المقال يقدم حججًا تتجاوز السرد التحليلي للأحداث السياسية التي تعودت عليها المجلة، إلى الإبحار في منهج الإدارة الاقتصادية حيث وصف الكاتب السلطان هيثم بأنه «المدير الملك».
هذا الوصف يسرد في طياته نمط انتقال إدارة الدولة من الحكم المستمد بالكاريزما الفردية في مرحلة حكم السلطان قابوس - طيب الله ثراه - إلى طريقة الحكم المؤسسي التي طبقها السلطان هيثم لمواجهة التحديات التي عصفت بالبلاد خلال المدة الماضية. تلك القيادة المؤسسية تتطلب تطبيق معايير الكفاءة والشفافية وقياس الأداء بعيدًا عن الشعارات والصخب الإعلامي.
بدأ الكاتب حديثه عن المدة التي تقلد فيها جلالته مقاليد الحكم قبل ستة أعوام وكانت تعصف بالبلاد تحديات اقتصادية جسام، من ذلك أن الدولة كانت تئن تحت وطأة الديون العامة التي تجاوزت نسبتها (70 %) من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن مع احتفال سلطنة عُمان بالذكرى السادسة لتولي جلالة السلطان مقاليد الحكم، تبدل الحال وأصبحت المؤشرات الاقتصادية للنمو يتحدث عنها البعيد قبل القريب.
هنا سلطنة عُمان لا تستعرض عضلاتها ببناء الأبراج أو ناطحات السحب، كما يحدث في بعض الدول ولكن تعمل بهدوء ومتابعة الأداء عن طريق لوحة مؤشرات وطنية يديرها «المدير الملك»، حيث كان هناك عمل ملهم تم من خلاله تقليص حجم الدين العام إلى مستويات آمنة مع زيادة حجم الاستثمارات الأجنبية.
والآن تعمل سلطنة عُمان على أن تكون رائدة في المنطقة في مجال الهيدروجين الأخضر الذي بدأ يحدد معالم المرحلة القادمة حيث يعتبر بديلا من بدائل التنويع الاقتصادي. سلطنة عُمان بقيادة «المدير الملك» تعطي دروسا بأن العبرة ليس فقط بحجم الاحتياطيات النفطية والمالية ولكن بحجم إلهام القيادة الرشيدة التي لا تعرف المستحيل.
في المحور الاقتصادي، رسم الكاتب لوحة من أرض الواقع للفترات المفصلية التي مرت بها سلطنة عُمان، وأن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم أتقن بكفاءة دور القائد «المنقذ» لكي يحافظ على الاقتصاد الوطني في أوقات صعبة للغاية.
حيث أدار جلالته شؤون الدولة في ظل تداعيات جيوسياسية ومالية بالغة التعقيد، بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط وأزمة كوفيد - 19- التي أدت إلى الشلل الاقتصادي على المستوى العالمي. في تلك المدة برزت شخصية السلطان «المدير الملك» الذي لم يأخذ بالحلول الوقتية وزيادة معدلات الاستدانة غير المدروسة، ولكنه سلك مسار إصلاحي في تلك الفترة تمثلت في خطة «التوازن المالي».
تلك الخطة تضمنت قرارات حاسمة تمثلت في إيجاد ضريبة القيمة المضافة، وإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة بدمج بعض الوزارات والهيئات الحكومية مع تنظيم جوانب الدعم الحكومي للكهرباء وأيضا الإحالة للتقاعد المبكر.
تلك الإصلاحات وإن كانت صعبة في نظر المجتمع، فإن الكاتب يرى بأنها تدل على الشجاعة السياسية المنقطعة النظير حيث وضعت المصلحة العليا للدولة والاستدامة المالية ـ بتقليص الإنفاق الحكومي ـ فوق كل الاعتبارات.
تلك الإصلاحيات الاقتصادية وبعد ست سنوات من تنفيذها أصبح لسلطنة عُمان رؤية طويلة المدى وخطط استراتيجية متوسطة المدى وبرنامج للاستدامة المالية أكثر صلابة في مواجهة التداعيات الاقتصادية المستقبلية.
أما فيما يخص شخصية جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم كما يراها كاتب المقال، فهو نموذج فريد للقيادة الهادئة التي تفضل الأفعال على الأقوال وبالتالي، الخلفية الدبلوماسية والثقافية للسلطان من خلال الخبرات العملية التي اكتسبها أثناء إدارته لوزارة التراث والثقافة وعمله بوزارة الخارجية أعطته بعدا عميقا لفهم التوازنات الدولية التي تتسم بالتعقيد مع الحفاظ على الهوية الوطنية العمانية.
جلالة السلطان ليس مجرد حاكم، بل مخطط استراتيجي يعلم بأن قوة أية دولة تكمن في متانة اقتصادها وفعالية مؤسساتها. كما يشير الكاتب إلى أن السلطان مراقب دقيق للأحداث الدولية ومستمع جيد، لديه تنوع من المستشارين كما أعطى صلاحيات تنفيذية للوحدات الحكومية لتحقيق الأهداف الوطنية التي رسمها في رؤية «عُمان 2040».
صفات القيادة الرشيدة هي التي أعطت رسالة اطمئنان للمجتمع الدولي بأن سلطنة عُمان شريك اقتصادي موثوق بها نظرا لما تتمتع به من الاستقرار السياسي، حيث إن الدولة لديها رؤية واضحة للغايات التي تريد تحقيقها في المستقبل. كما أن الانتقال السلس للسلطة، وتطبيق نهج الإدارة بالأهداف والنتائج أعطى ارتياحا على المستوى الدولي بأن سلطنة عُمان، دخلت عهدا جديدا من النهضة المتجددة قائمة على منهجية مؤسسية في قيادة الدولة.
وإن كان الكاتب قدم حججه في المقال بناء على معطيات اقتصادية ومالية، إلا أنه لم يوفق بعض الشيء في جوانب أخرى.
فهناك مساحة واسعة للنقد المهني وحرية الرأي والتعبير في سلطنة عُمان في شتى وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يوجد تضييق أو ملاحقات قانونية طالما لم يخرج الكاتب عن مقتضيات القانون بالإساءة لأي فرد كان.
ولعل المحلل السياسي بوبي غوش لم يعايش الأحداث المحلية فهناك من أبناء الوطن ممن ـ غُرر بهم ـ قامت الدولة باحتضانهم، وعادوا إلى أهاليهم سالمين غانمين. فالدولة تسمو في تعاملها مع أبناء الوطن من قبيل العفو عند المقدرة.
أيضا في إشارته لملف الباحثين عن العمل، يكاد لا يخلو اجتماع لمجلس الوزراء إلا ويتم التطرق إلى المبادرات الحكومية لتسريع إيجاد وظائف للعمانيين بالقطاعات المختلفة وخير دليل ما تم الإعلان بالخطة الخمسية الحادية عشرة من توفير وظائف تصل إلى (60) ألف وظيفة سنويا.
الكاتب أشار إلى معدل الباحثين حيث أصاب في النسبة المتعلقة بالشباب من الباحثين عن العمل وهي في حدود (15 %) ولكن للتوضيح بأن تلك النسبة ليست النسبة العامة لإجمالي أعداد الباحثين عن العمل، وإنما للفئة العمرية من (15 إلى 24) سنة.
كما أن معدل الباحثين من الإناث (الشابات) ليس كما ذكرها الكاتب (30 %) ولكنها في حدود (17.7 %) لنفس الفئة العمرية طبقا لبيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. وبالتالي بعضا من تلك الإحصاءات التي ذكرها الكاتب، لا تعطي صورة صحيحة عن معدلات الباحثين عن العمل بصورة دقيقة.
هناك أهمية بالغة لهذا المقال المنشور في مجلة السياسة الخارجية، حيث يعتبر إشادة دولية من جهة محايدة للمنهجية العمانية التي على أساسها تتم بها إدارة شؤون الدولة الاقتصادية.
المجلة تعتبر مرجعًا للسياسيين وصناع القرار والأكاديميين. وتعطي رسالة إيجابية إلى الأسواق العالمية بأن البيئة الاستثمارية بسلطنة عُمان أصبحت أكثر أمانا وشفافية وأن الدولة لديها بيئة تشريعية متطورة.
على الصعيد المحلي فإن ما ورد في المقال يُسهم في معرفة التضحيات التي تم إنجازها في جوانب الإصلاح الاقتصادي حيث كانت محل إشادة وتقدير عالمي الأمر الذي يعزز الثقة في متانة الاقتصاد الوطني.
خلاصة القول فإن مقال، بوبي غوش في مجلة السياسة الخارجية يساعد على التعريف للعالم بأن هناك قيادة عمانية تجمع بين علوم الإدارة الحديثة وأن التوصيف الذي اختاره الكاتب ـ «المدير الملك» ـ الذي أنقذ عُمان في أصعب أوقاتها الاقتصادية، عبارة عن قصة نجاح ملكية سوف ترافق جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم في السرديات الغربية باعتباره قائدًا فذًا، استطاع خلال ستة أعوام من تقلده الحكم، المضي بالدولة إلى بر الأمان مع تحويل التحديات إلى قصص من النجاح والنمو الاقتصادي وأيضا الإشادة العالمية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الباحثین عن العمل المدیر الملک
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .