شق الطرق.. سياسة إسرائيلية لتغيير معالم الضفة وترسيخ الأبارتايد
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
الضفة الغربية- على امتداد مقطع ما يُعرف بـ"شارع 60″ شمالي مدينتي القدس ورام الله، يجري مشروع شق الطرق الأضخم في الضفة الغربية خلال العقدين الأخيرين، ملتهما مساحات شاسعة من أراضي القرى والبلدات الفلسطينية.
ويمتد المشروع في مرحلته الحالية من أراضي بلدة حزما شمال القدس، وصولا إلى منطقة "عيون الحرامية" شمال رام الله، التي تربط المحافظتين بشمال الضفة الغربية، ولا يزال مستمرا في التوسُّع.
ويلتهم هذا المشروع الاستيطاني مزيدا من أراضي حزما، إضافة لتلك التي صودرت لبناء جدار الفصل. ويتوسع على أراضي قرى شرق وشمال شرق رام الله، مثل سلواد والطيبة ودير جرير وغيرها.
ويقول عضو هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (جهة رسمية) صلاح الخواجا، للجزيرة نت، إن الاحتلال يستند إلى قانون المصادرة للصالح العام في سيطرته على أراضي الفلسطينيين لاستكمال مشروع شق الطرق الرابطة بين المستوطنات. ويوضح أنه قانون لا يمكن للفلسطينيين الاعتراض عليه في المحكمة العليا الإسرائيلية، ومن ثم تتم المصادرة ويشرع بتنفيذ المشروع مباشرة دون إبلاغ أصحاب الأراضي بمصادرتها.
ويضيف أن عديدا من القرى قد تضرَّرت بسبب هذا المشروع، حيث صودرت أراض بقرارات عسكرية واقتلعت آلاف الأشجار في بلدة المغير وغيرها لصالح هذا المشروع.
ويشدد الخواجا على أن الاحتلال في هذه المرحلة يتعامل مع مصادرة الأراضي بأوامر عسكرية بالمنطق القانوني نفسه لمصادرة أراض للصالح العام، مما يمنع الفلسطينيين من الاحتجاج على ذلك عبر المحاكم من جهة، ويمنعهم، من جهة أخرى، من التحرك عبر شبكة الطرق التي يتم شقها عبر أراضيهم لصالح المستوطنين وتسهيل حركتهم، وربط مستوطنات الضفة الغربية بتل أبيب والمركز.
ويشير المسؤول الفلسطيني إلى أن شق الطرق الاستيطانية هو جزء من منظومة أمنية متكاملة بأدوات متنوعة، من الجدار إلى الحواجز والبوابات العسكرية وصولا إلى البؤر الاستيطانية التي تهدف لتأبيد العملية الاستيطانية بالضفة الغربية، حسب وصفه.
وقد رصدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مصادرة ما نسبته 4% من مجموع أراضي الضفة الغربية لصالح شق الطرق الاستيطانية الهادفة لربط مستوطنات الضفة بالعمق الإسرائيلي وتحويل القرى الفلسطينية إلى معازل.
إعلانوبينما يستمر المشروع في التوسُّع خلال أشهر الشتاء، يواجه الفلسطينيون مخاطره في أثناء تنقلهم، إذ تتمركز بعض الآليات الثقيلة العاملة فيه بمناطق ترتفع عن مستوى الشارع عدة أمتار، ويظل احتمال سقوطها قائما، خاصة في ظل انهيارات ترابية وطينية عدة شهدتها مختلف شوارع الضفة الغربية خلال المنخفضات الجوية السابقة بسبب الأمطار الغزيرة.
عقاب وعزلمن جهته، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح عبدالرحيم الشوبكي إن "مشروع الطرق الاستيطانية لا يمكن وصفه بأنه بنية تحتية محايدة هدفها تقديم تسهيلات في الحركة للمستوطنين، بل تستهدف الوجود الفلسطيني وفرض إعادة ترتيب للجغرافيا وتفكيك الحيّز الفلسطيني ليتحول إلى جزر منفصلة لربط المستوطنات مع العمق الإسرائيلي".
ويضيف الشوبكي أن هذا النوع من المشاريع يفرض عزلا وتفتيتا يشمل البنى الاجتماعية للفلسطينيين لإضعاف الشبكات العائلية التي تربط القرى والمدن ببعضها بعضا، ويفرض ضمَّا وظيفيا للضفة الغربية يضمن سيولة حركية للمستوطنين بعيدا عن أي تهديد فلسطيني.
كما يهدف أساسا -حسب الشوبكي- إلى خلق حزام أمني عازل يقضي على نقاط التماس بين الفلسطينيين والمستوطنين مقابل فرض مسارات أطول وأبطأ على الفلسطينيين تكتظ بالحواجز العسكرية، لتفرض إعادة تعريف الفلسطيني الذي يعيش في الضفة وجعله مستهدفا على كافة المستويات الاقتصادية والمعيشية ورفع كلفة الحركة زمنيا واقتصاديا.
وحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن هذا المشروع ليس الأول من نوعه الذي يعزل القرى الفلسطينية عن بعضها بعضا، فقد مارس الاحتلال هذه السياسة ضد قرى غرب رام الله منذ أكثر من 20 عاما.
فيقطع "شارع 443" التواصل الجغرافي الطبيعي بين قرى الطيرة، وبيت عور، وبيتونيا، ويجبر الفلسطينيين على العبور من طرق التفافية تحتاج إلى وقت أطول في التنقل، فضلا عن ضعف بنيتها التحتية، مما يجعل حياة الفلسطينيين في خطر في أثناء تنقلهم عبرها، خصوصا في الشتاء.
إضافة للشارع سابق الذكر، تعزل الطرق الاستيطانية التالية عديدا من مدن وقرى الضفة الغربية عن بعضها بعضا، حسب ما تورده هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، حسبما يلي:
شارع 446 الاستيطاني يعزل نعلين غرب رام الله عن منطقة المهلل الملاصقة للقرية، ويجبر الطلاب على المرور من البوابة العسكرية، وصولا إلى مدارسهم في نعلين. شارع 6 يعزل ملبّس (بيتاح تيكفا) عن قلقيلية شمال الضفة الغربية، ويصل بين مستوطنة أرائيل ومجلس مستوطنات شيلو، وصولا إلى غور الأردن ويعزل شمال الضفة عن وسطها. شارع رقم 1 يربط الشق الغربي من مدينة القدس بالشق الشرقي وصولا إلى مستوطنة معاليه أدوميم، ويصلها بمنطقة غور الأردن، ويخدم في امتداده آلاف الوحدات الاستيطانية التي أعلن مؤخرا البدء في بنائها في المستوطنة المذكورة. المطلوب أكبرويؤدي مخطط شق الطرق لفرض تحكم شامل وسريع في كافة مفاصل حياة الفلسطينيين، من ناحية العمل والتعليم والعلاج والتنقل الآمن، وهو ما يُعزّز سياسة الفصل العنصري (الأبارتايد) التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وتمكينها من إغلاق الضفة الغربية وعزل قراها ومدنها عن بعضها في دقائق.
إعلانوفي هذا الصدد، يقول الخواجا إن "الدائرة القانونية في هيئة الجدار والاستيطان تعمل مع شركائها الدوليين رسميا وأهليا لتكثيف حملات الضغط والمناصرة التي تتبنى هذا النوع من القضايا التي تهدد حياة الفلسطينيين، في إطار المحاولات لمواجهة هذا التوسع الاستيطاني".
من جانب آخر، أكد الأكاديمي الشوبكي أن "المستوى السياسي الفلسطيني يجب عليه إعادة ترتيب أولوياته السياسية من فكرة التسوية إلى فكرة حقوق ووجود، خصوصا أننا في مرحلة أسئلة وجودية حول حماية الناس والقدرة على الصمود والتنقل الآمن، والمستوى السياسي الفلسطيني عليه أن يتحمل مسؤولية الإجابة عن هذه الأسئلة".
والمطلوب خارجيا -يواصل الشوبكي- "تعزيز الدبلوماسية الشعبية والقانونية في كل المحافل الدولية بالخرائط وتركيز الضوء على قضية الفصل العنصري بالضفة الغربية، التي يمثل مشروع شق الطرق أحد صورها".
ويقدر تعداد المستوطنين بالضفة الغربية أكثر من 750 ألفا، وتهدف خطة شق الطرق لتسهيل وتسريع حركتهم، إذ رصدت ميزانيتها ضمن مشروع استيطاني ضخم لتوسيع أشكال الاستيطان في الضفة الغربية بميزانية تجاوزت 770 مليون دولار.
ويلعب وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش -في هذه العملية- دورا مركزيا، خاصة أنه يحمل حقيبة وزير ثان في وزارة الأمن إلى جانب شغله منصب منسق أعمال الحكومة في مناطق الضفة الغربية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات هیئة مقاومة الجدار والاستیطان بالضفة الغربیة الضفة الغربیة هذا المشروع وصولا إلى رام الله شق الطرق
إقرأ أيضاً:
“سيمفونية البناء”.. كيف تحولت المبادرات المجتمعية إلى شريان حياة للنهضة في اليمن
في قلب التحديات الراهنة التي تعصف بالبلاد، انبثق من رحم المعاناة حراكٌ تنموي مذهل أعاد صياغة مفهوم العمل الجماعي في اليمن، لم تعد المبادرات المجتمعية مجرد أنشطة عابرة لسد الفجوات الخدمية، بل تحولت إلى استراتيجية وطنية صلبة يقودها المواطنون بأنفسهم، حيث تتعانق سواعد المزارعين والعمال مع رؤى الجمعيات التعاونية لتشييد صروح العلم وحبس قطرات الندى في خزانات عملاقة وشق الصخور الصماء لتعبيد طرق الحياة، لتتحول إلى “سيمفونية البناء” التي تعزف ألحانها اليوم في ذمار وحجة وريمة وصنعاء والحديدة والمحويت ومختلف المحافظات الحرة، معلنةً ميلاد فجر جديد يُصنع بإرادة محلية خالصة، وتكاملٍ رسمي وشعبي غير مسبوق.
يمانيون| محسن علي
الحراك التنموي الشامل في المحافظات
تشهد المحافظات اليمنية حراكاً تنموياً واسع النطاق، تقوده الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، وبدعم لوجستي وفني من وحدة التدخلات المركزية التنموية الطارئة بوزارة المالية، هذا الحراك يرتكز على مبدأ “المشاركة المجتمعية” كحجر زاوية لتحقيق الاستدامة والنهوض بالواقع الخدمي والمعيشي للمواطنين.
جبهة الأمن المائي والخدمات اللوجستية (ذمار وريمة)
في محافظة ذمار، وتحديداً في مديرية وصاب العالي، نجحت جمعية وصاب العالي التعاونية في استكمال واحد من أهم المشاريع المائية في منطقة الحمراء بعزلة المربعة، مشروع خزان “المدن” المائي، الذي تزيد سعته عن مليوني لتر، يمثل قصة نجاح ملهمة؛ حيث تكفل الأهالي بـ 82% من تكاليف الحفر والبناء والتلييس، في حين ساهمت وحدة التدخلات بـ 18% عبر توفير مادة الأسمنت، هذا المشروع لا يلبي الاحتياجات المائية فحسب، بل يعزز الأمن المائي للمنطقة في مواجهة الجفاف.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت محافظة ريمة تدشين العمل في مشروع شق طريق “ذرون – المطلس – القبلية – الحرث – بني شرعب” بطول 8 كم وبتكلفة إجمالية بلغت 120 مليون ريال، هذا المشروع الحيوي، الذي يخدم أكثر من 5 آلاف نسمة، يُعد جبهة صمود وتحدٍ، حيث يجسد روح المبادرات المجتمعية في تحسين الواقع الخدمي وفك العزلة عن المناطق النائية بتمويل مشترك بين المجتمع والسلطة المحلية.
تشييد صروح العلم (حجة، صنعاء، والحديدة)
انتقلت روح المبادرة إلى القطاع التعليمي بقوة، ففي محافظة حجة، وتحديداً في مديرية الجميمة، شارف الأهالي على استكمال قطع 7,000 حجر لبناء مدرسة في قرية راشد بوادي حكه، في حين يتواصل العمل بجدية في مدرسة الشهيد طه المحطوري بالمنطقة ذاتها، هذه المشاريع، كما يؤكد رئيس جمعية الجميمة محمد صنعاء، تجسد روح التعاون لتوفير بيئة تعليمية تليق بأبناء المديرية.
وفي مديرية سنحان وبني بهلول بمحافظة صنعاء، انطلقت أعمال بناء ثلاثة فصول دراسية إضافية في مدرسة جعفر الطيار، تحت إشراف هندسي دقيق من جمعية القطاع الجنوبي الشرقي، لتعزيز الطاقة الاستيعابية للمدرسة، أما في محافظة الحديدة، فقد دُشن في مديرية باجل مشروع بناء ستة فصول دراسية بمدرسة التعاون بمربع الأشراف، في خطوة نوعية تهدف لتخفيف الازدحام وتجويد العملية التعليمية بجهود مجتمعية خالصة.
ثورة الطرق وسلاسل القيمة الزراعية (المحويت وحجة)
تعتبر محافظة المحويت اليوم نموذجاً رائداً في مبادرات رصف الطرق؛ ففي مديريات الرجم وجبل المحويت وشبام كوكبان والمدينة، تتواصل أعمال رصف وتوسعة الطرق الوعرة. جمعية الرجم التعاونية قامت بنزول ميداني لتقييم رصف طريق “عبرتين – المخلفة”، بينما شهدت عزلة الوسط بجبل المحويت مبادرة لرصف طريق “بيت الدبش – الباور”، هذه الطرق ليست مجرد مسارات عبور، بل هي شرايين اقتصادية تسهل نقل المدخلات والمخرجات الزراعية وربط المزارعين بالأسواق.
وفي مديرية بني العوام بمحافظة حجة، أشرفت الجمعية التعاونية على ثلاث مبادرات لشق وتوسعة طرق بطول إجمالي يصل إلى 2600 متر، شملت مناطق السرو والغول، بدعم من وحدة التدخلات بمادتي الديزل والإسمنت، مما يعزز من حركة المواطنين والمنتجات الزراعية في هذه المناطق الجبلية الوعرة.
تعزيز الإنتاج الزراعي والاكتفاء الذاتي (الحديدة، حجة، وصنعاء)
على الصعيد الإنتاجي، أطلقت جمعية الحجيلة مبادرة طموحة للتوسع في زراعة أشجار السدر لتعزيز إنتاج العسل اليمني الفاخر، بينما بدأت جمعية الدريهمي بالحديدة برنامجاً متكاملاً لاستلام التمور المجففة من المزارعين وفق معايير جودة عالمية، لرفع قدرتها التنافسية وتطوير سلاسل الإمداد.
وفي سياق السعي نحو الاكتفاء الذاتي، نفذت جمعية معين بأمانة العاصمة مبادرة نوعية لتسويق 580 ديك فيومي بلدي بالشراكة مع جمعية خيرات بلادي ببني قيس، في خطوة تهدف لخفض فاتورة الاستيراد وتعزيز التكامل بين الجمعيات التعاونية الزراعية في مختلف المحافظات.
رؤية استراتيجية للمستقبل
تكشف المبادرات المجتمعية بحراكها الواسع عن حقيقة واحدة: أن اليمن يمتلك ثروة بشرية هائلة قادرة على صنع المستحيل حين تتوفر الإرادة والتكامل، هذه المبادرات التي شملت المياه والتعليم والطرق والزراعة ليست مشاريع معزولة، بل هي لبنات في مشروع وطني كبير يهدف لتحقيق التنمية المستدامة والاعتماد على الذات، و “إن ما نشهده اليوم هو تحول جذري في عقلية المجتمع، من الانتظار إلى المبادرة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، وهو الضمان الحقيقي لمستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لليمنيين.”