هل تستطيع أوروبا والصين و بريكس تقويض عرش الدولار؟
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
على مدى عقود، شكّل الدولار الأميركي العمود الفقري للنظام المالي العالمي، إذ يُستخدم في تسعير السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها النفط، وفي تسوية أغلب المعاملات التجارية والمالية الدولية، إضافة إلى كونه العملة الرئيسية للاحتياطيات النقدية لدى البنوك المركزية.
هذا الحضور جعل الدولار حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية لمئات الملايين حول العالم، من السفر والتجارة الإلكترونية إلى التحويلات المالية العابرة للحدود.
غير أن هذا الواقع بدأ يتصدع خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، واتساع نطاق العقوبات المالية المفروضة على دول كبرى مثل روسيا وإقليمية مثل إيران، إلى جانب الحروب التجارية التي أعادت سياسات الحماية والرسوم الجمركية إلى الواجهة.
وقد دفعت هذه التحولات قوى اقتصادية كبرى، مثل الصين والاتحاد الأوروبي ودول مجموعة بريكس، إلى البحث عن بدائل تقلل الاعتماد على الدولار.
اليوان الرقمي.. رهان الصين الاستراتيجيمنذ عام 2020، بدأ بنك الشعب الصيني اختبار اليوان الرقمي في عدد من المدن، قبل أن يتوسع تدريجيا ليشمل معظم أنحاء البلاد. وتسعى بكين من خلال هذه العملة الرقمية إلى تعزيز سيادتها النقدية، وتقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية.
وأكدت الصين التزامها بدعم نظام نقدي عالمي متعدد الأقطاب، في وقت تزايد فيه الإقبال على اليوان، مدفوعا بفقدان الثقة في الأصول الأميركية نتيجة السياسات التجارية والجمركية المتقلبة، ما دفع المستثمرين إلى تحول أوسع نطاقا بعيدا عن الدولار الأميركي نحو العملات الآسيوية واليورو، وفق رويترز.
وفي هذا السياق، أعلن بنك الشعب الصيني أن إطارا مطورا لإدارة اليوان الرقمي سيدخل حيز التنفيذ مطلع عام 2026، بهدف رفع كفاءة الحوكمة، وتوسيع الاستخدام، وتحفيز الإقبال عبر مزايا إضافية، مثل دفع فوائد على الأرصدة الرقمية.
إعلانوبحسب بيانات رسمية، تجاوزت معاملات اليوان الرقمي 16.7 تريليون يوان (2.4 تريليون دولار) حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ما يعكس تسارعا لافتا في تبني العملة داخليا، ويمهد لتوسيع استخدامها خارج الحدود.
لطالما هيمن نظام سويفت على التحويلات العابرة للحدود، مستندا إلى الدولار، حيث تستغرق التسويات عادة ما بين 3 و5 أيام، وتمر عبر عدة بنوك وسيطة، مع ما يرافق ذلك من تكاليف مرتفعة وتعقيدات إجرائية.
غير أن الصين طورت نظاما رقميا للتسوية العابرة للحدود باستخدام اليوان الرقمي، مدعوما بتقنيات البلوك تشين، يتيح تسويات فورية خلال ثوانٍ، وبتكلفة أقل بنسبة 98%، وقد تجسد هذا التحول في أول تسوية ناجحة بين هونغ كونغ وأبوظبي دون المرور بسويفت أو بنوك وسيطة.
كما شهد عام 2025 إطلاق منصة "إم بريدج" (MBridge) وهي مشروع مشترك تقوده الصين بالتعاون مع بنك التسويات الدولية، وعدد من البنوك المركزية، بينها الإمارات وتايلاند وهونغ كونغ.
وصُممت هذه المنصة لدعم المدفوعات العابرة للحدود، وخفض تكاليف المعاملات، وتوفير التسوية الفورية، وتعزيز النظام المالي. ومن المتوقع أن تشهد المنصة نموا أكبر في عام 2026 مع انضمام المزيد من البنوك المركزية لهذه المبادرة.
وحتى الآن، أنجزت المنصة آلاف المعاملات العابرة للحدود، بقيمة عشرات المليارات من الدولارات، استحوذ اليوان الرقمي على النصيب الأكبر منها.
ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على الجانب التقني، بل تمتد إلى بعدها الجيوسياسي، إذ تتيح لبعض الدول إجراء تعاملاتها خارج نطاق الرقابة والعقوبات الأميركية.
اليورو الرقمي.. دفاع أوروبا عن سيادتها النقديةفي أوروبا، يتصاعد القلق من تنامي هيمنة الشركات الأميركية على قطاع المدفوعات الرقمية، ما دفع عشرات الخبراء إلى مطالبة الاتحاد الأوروبي بدعم إطلاق اليورو الرقمي. ويحذر هؤلاء من أن الاعتماد المفرط على منصات أجنبية يهدد بفقدان السيطرة على عنصر أساسي من السيادة الاقتصادية.
وتدعم المفوضية الأوروبية خطة البنك المركزي الأوروبي لإطلاق العملة الرقمية بحلول عام 2029، معتبرة أن اليورو الرقمي ليس مجرد خيار تقني، بل "خط الدفاع الوحيد" لحماية الاستقرار المالي الأوروبي في عصر التحول الرقمي، وضمان استقلال القرار النقدي في مواجهة النفوذ الأميركي.
تضم مجموعة بريكس 11 دولة عضوا، تمثل نحو نصف سكان العالم وقرابة 40% من الناتج الاقتصادي العالمي. وتملك هذه الدول حصة كبيرة من موارد الطاقة والمعادن الاستراتيجية، ما يمنحها وزنا متزايدا في الاقتصاد العالمي.
وتسعى دول بريكس إلى توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة البينية، وتقليص الاعتماد على الدولار، مستفيدة من مؤسساتها المالية، مثل بنك التنمية الجديد، الذي يوفر تمويلا بالعملات الوطنية، وفقا لدراسة نشرتها "مجلة بريكس للاقتصاد".
وتُعد الصين المحرك الرئيسي لهذا التوجه، بحكم ثقلها الاقتصادي، واستثماراتها الضخمة، وتأثيرها الواسع في أسواق الدول الأعضاء.
إلى أين يتجه النظام المالي العالمي؟رغم هذه التحولات، لا يبدو أن هيمنة الدولار ستنتهي قريبا، لكنه يدخل مرحلة اختبار غير مسبوقة. فمحاولات الصين عبر اليوان الرقمي، وتوجه بريكس نحو العملات المحلية، ومساعي أوروبا لإطلاق اليورو الرقمي، كلها مؤشرات على سعي متزايد لإعادة التوازن للنظام النقدي الدولي.
إعلانوبينما لا تشكل هذه المبادرات بديلا كاملا للدولار في الوقت الراهن، فإنها ترسم ملامح نظام مالي عالمي أكثر تعددية، تتوزع فيه القوة النقدية تدريجيا، بما قد يغير قواعد التجارة والتمويل في العقود المقبلة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات العابرة للحدود الیورو الرقمی
إقرأ أيضاً:
فنجان شاى «الوئام» بين الصين ومصر
«صالون الشاى من أجل الوئام»لم يكن مجرد حفل للترويج الثقافى أو استعراض لأوراق الشجر، بل كان أشبه بجسر ممتد من الحرير يعبر فوق الزمن، يعيد إحياء روح «طريق الحرير» القديم، ليؤكد أن العلاقات بين الحضارات لا تبنى فقط بالاتفاقيات، بل بتلك التفاصيل الصغيرة: دفقة ماء تغلى، عطر أوراق تتفتح فى الكأس، ونظرة تفاهم تعلوها ابتسامة.
وفى كلمته الافتتاحية، وقف السفير الصينى لدى مصر لياو ليتشيانغ المندوب الدائم للصين بجامعة الدول العربية ليؤكد أن الصين التى تعتبر مهد ثقافة الشاى، ترى فى هذا المشروب أكثر من مجرد عادة يومية. قال السفير: «لقد أصبح الشاى وسيلة لتعزيز الصداقة ومناقشة الفلسفة، واندمج بعمق فى الحياة المادية والروحية للصينيين». وأضاف أن فنجان الشاى يعكس رؤية الصين للعالم المتمثلة فى «الوئام مع الاحتفاظ بالاختلاف» و«التعايش المتناغم». وأشار السفير لياو إلى القواسم المشتركة بين الشعبين، معتبراً أن كرم الضيافة هو الرابط الأوثق بين الأمتين.
وركز السفير الضوء على مقاطعة آنهوى، إحدى أهم المقاطعات الصينية المنتجة للشاى. وأشار إلى أن آنهوى تمتلك ظروفًا جغرافية فريدة جعلتها تحتضن أربعة من أشهر عشرة أنواع من الشاى فى الصين. كشف السفير عن جانب آخر لأرض الشاى هذه، واصفًا إياها بأنها «أرض رائدة للابتكار»، مشيرًا إلى أن مسيرة الإصلاح والانفتاح الصينية انطلقت منها منذ 40 عامًا، وهى اليوم تزخر بروح الكفاح والإنجاز، مزيج فريد من الأصالة والحداثة.
جاءت الاحتفالية لتكون واحدة من أبرز فعاليات سلسلة الاحتفالات بمرور 70 عامًا على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين. وأكد السفير لياو، «نحن على استعداد للعمل مع الأصدقاء المصريين لتعميق الصداقة التقليدية، وتعزيز التواصل والتعاون فى كافة المجالات»، هكذا خاطب السفير الحضور، ليقطع بأن «خريطة الوئام» التى رسمها الشاى ستمتد لتشمل كل أركان التعاون بين البلدين، سياسيًا واقتصاديًا، لتصب فى النهاية فى مصلحة الشعبين، وتسهم فى السلام الإقليمى والدولى.