عربي21:
2026-07-24@02:07:45 GMT

من دافوس إلى العالم.. مارك كارني يعلن نهاية الوهم

تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT

في منتدى دافوس هذا العام، حيث اعتادت النخب السياسية والاقتصادية التمسك بلغة العولمة والنظام الدولي القائم على القواعد، خرج رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بخطاب غير مألوف في صراحته وحدّته. لم يقدّم وعوداً إصلاحية داخل النظام القائم، بل أعلن عملياً أن هذا النظام يتفكك، وأن القوى الوسطى، وفي مقدمتها كندا، مطالبة بإعادة تعريف سيادتها وتحالفاتها قبل أن تجد نفسها ضحية صراع القوى العظمى.



خطاب في دافوس يهزّ سردية النظام الدولي

لم يكن اختيار مارك كارني لمنصة منتدى دافوس مجرد تفصيل بروتوكولي. فدافوس هو الفضاء الرمزي الذي لطالما جرى فيه الترويج للنظام الليبرالي الدولي والعولمة المفتوحة وحوكمة الأسواق. أن يقف رئيس وزراء كندا هناك ليعلن أن العالم لا يمر بمرحلة انتقال بل بمرحلة “تمزّق”، وأن النظام الدولي القائم على القواعد يتآكل أمام أعيننا، فذلك يحمل رسالة سياسية مضاعفة: الرسالة لم تكن موجهة لكندا فقط، بل إلى قلب المؤسسة العالمية التي صاغت هذا النظام ودافعت عنه لعقود.

من دافوس، لم يعلن كارني فقط نهاية وهم قديم، بل فتح نقاشاً دولياً حول شكل النظام القادم، ومن سيكون شريكاً في صياغته، ومن سيُترك ليتكيّف معه من موقع التابع. والسؤال الذي يضعه خطابه أمام القوى الوسطى، والعرب في مقدمتها، ليس إن كان العالم عادلاً، بل إن كانوا مستعدين أخيراً لنزع اللافتة عن نافذتهم، والتصرف وفق الحقيقة كما هي، لا كما يتمنون أن تكون.كارني قدّم تشخيصاً مباشراً مفاده أن القوى العظمى لم تعد تشعر بأنها مقيّدة بأي التزام مؤسساتي أو أخلاقي حين تتعارض القواعد مع مصالحها. العقوبات الاقتصادية، وسلاسل التوريد، والطاقة، والتمويل باتت أدوات إخضاع جيوسياسي تُستخدم ببرود استراتيجي. في المقابل، تُترك الدول الأضعف لتحمل كلفة هذا الانهيار من دون حماية فعلية. بهذا المعنى، لم يكن الخطاب دفاعاً عن النظام القديم، بل إعلاناً عن نهايته من فوق أحد أهم منابره التاريخية.

الأهم أن كارني تحدث من موقع دولة تُصنَّف ضمن "القوى الوسطى"، لا من موقع قوة عظمى أو دولة هامشية. كندا لطالما كانت من أكثر المستفيدين من النظام الليبرالي الدولي، سواء عبر التجارة المفتوحة أو الاستقرار المالي أو المظلة الأمنية الغربية. أن يصدر هذا التشخيص عن دولة من داخل النادي الغربي، لا من خارجه، يمنحه ثقلاً سياسياً خاصاً، لأنه يعكس تصدّعاً في الوعي الغربي نفسه، لا مجرد نقد صادر من أطراف ناقمة على النظام.

من فاكلاف هافيل إلى نقد العولمة في عقر دارها

أكثر لحظات الخطاب إثارة للانتباه كانت استدعاء كارني لمقال فاكلاف هافيل “قوة الضعفاء”، وقصة البقّال الذي يعلّق شعاراً لا يؤمن به فقط لتجنب المشاكل. في سياق دافوس، بدا هذا التشبيه بالغ الدلالة. فكارني لم يكن يقدّم استعارة أخلاقية عامة، بل كان يلمّح إلى أن كثيراً من الدول والمؤسسات التي حضرت المنتدى ذاته تمارس عملياً نوعاً من “العيش في كذبة” جماعية، عبر التمسك بلغة القواعد والحوكمة العالمية رغم معرفتها بأن هذه القواعد تُطبّق انتقائياً.

الرسالة كانت واضحة: النظام الدولي لا يستمر فقط بالقوة، بل باستعداد الدول نفسها للتصرف كما لو كان عادلاً، رغم معرفتها العميقة بأنه ليس كذلك. كارني أقرّ، ولو ضمناً، بأن كندا نفسها شاركت طويلاً في هذا الطقس. فكرة “النظام القائم على القواعد” كانت صفقة مقبولة حين وفّرت الهيمنة الأمريكية سلعاً عامة حقيقية: استقراراً نسبياً للنظام المالي، حماية للممرات البحرية، توسعاً في التجارة، ومظلة أمنية في مناطق كثيرة. مقابل ذلك، تم التغاضي عن الفجوات المتزايدة بين الخطاب والممارسة، وعن ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي.

خطاب كارني يقدّم درساً استراتيجياً غير مباشر: التفاوض الثنائي مع القوى العظمى من موقع ضعف ينتهي غالباً بصفقات غير متوازنة، سواء في الطاقة أو الأمن أو التجارة أو التكنولوجيا. التنافس العربي ـ العربي، أو غياب التنسيق الإقليمي، يضاعف هذا الضعف ويحوّل ما يُسمّى "السيادة الوطنية" إلى مجرد استعراض رمزي يخفي في الواقع قبولاً بالخضوع لشروط الخارج.لكن هذه الصفقة، كما قال كارني من منصة دافوس، لم تعد قائمة. النظام لم يعد يضمن الاستقرار، ولا يوفّر مظلة أمنية موثوقة، بل بات نفسه مصدراً رئيسياً للمخاطر. جائحة كوفيد-19 كشفت هشاشة سلاسل التوريد، الحرب في أوكرانيا أعادت القوة العسكرية إلى قلب السياسة الدولية، والحروب التجارية والتكنولوجية بين واشنطن وبكين أنهت وهم السوق العالمية المحايدة. ومع ذلك، ما زالت دول كثيرة تتصرف كما لو أن شيئاً لم يتغير، وتواصل تعليق "لافتة القواعد" على نوافذها، رغم معرفتها بزيفها.

في دافوس، حيث يُفترض أن تُناقش حلول التعاون العالمي، تحوّل خطاب كارني إلى اتهام سياسي مباشر: الاستمرار في هذا الوهم لم يعد مجرد سذاجة، بل تعريضاً واعياً للسيادة الوطنية للخطر. هذه لحظة قطيعة رمزية مع عقود من اللغة الدبلوماسية الغربية التي كانت تفضّل التجميل على التسمية.

كندا تعيد التموضع.. وما يعنيه ذلك للعالم العربي

بعد هذا التشخيص القاسي، انتقل كارني إلى ما هو أكثر حساسية: ماذا يعني هذا الواقع الجديد عملياً لكندا وللقوى الوسطى؟ هنا كانت نبرته أقرب إلى إعلان تعبوي استراتيجي. قال بوضوح إن الدولة التي لا تستطيع تأمين غذائها وطاقتها ومعادنها الحيوية وسلاسل إمدادها والدفاع عن نفسها لا تمتلك خيارات حقيقية، مهما رفعت من شعارات السيادة. حين لا تحميك القواعد، عليك أن تحمي نفسك.

في هذا السياق، أعلن كارني تحوّلاً جذرياً في الموقف الاستراتيجي الكندي. لم تعد أوتاوا، بحسب خطابه في دافوس، تعتمد فقط على “قوة قيمها”، بل أيضاً على “قيمة قوتها”. تعهده بمضاعفة الإنفاق الدفاعي بحلول نهاية العقد، وتنويع الشراكات الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي والصين وقطر، والتفاوض على اتفاقيات تجارة حرة مع الهند وآسيان وتايلاند والفلبين وميركوسور، لا يمكن قراءته إلا بوصفه إعادة تموضع كندي في عالم متعدد الأقطاب غير مستقر.

لكن البعد الأهم في هذا الجزء من الخطاب لم يكن كندياً صرفاً، بل بنيوياً، ويعني العالم العربي مباشرة. فدول المنطقة تمثّل نموذجاً صارخاً لما تحدّث عنه كارني: أمن غذائي هش، اعتماد عالٍ على الخارج في التكنولوجيا والتسليح، وانكشاف كبير أمام تقلبات الطاقة والعقوبات والاصطفافات الدولية. كثير من الدول العربية عاشت لعقود على افتراض أن المظلة الدولية أو التحالف مع قوة عظمى كافٍ لضمان الاستقرار، لكن التجربة أثبتت أن هذه المظلة انتقائية ومشروطة وقابلة للانسحاب في أي لحظة.

من زاوية عربية، خطاب كارني يقدّم درساً استراتيجياً غير مباشر: التفاوض الثنائي مع القوى العظمى من موقع ضعف ينتهي غالباً بصفقات غير متوازنة، سواء في الطاقة أو الأمن أو التجارة أو التكنولوجيا. التنافس العربي ـ العربي، أو غياب التنسيق الإقليمي، يضاعف هذا الضعف ويحوّل ما يُسمّى "السيادة الوطنية" إلى مجرد استعراض رمزي يخفي في الواقع قبولاً بالخضوع لشروط الخارج.

الحل الذي طرحه كارني، وإن صيغ بلغة كندية، ينطبق حرفياً على العالم العربي: بناء تحالفات عملية مرنة، قضية بقضية وملفاً بملف، مع أطراف تتقاطع مصالحها بما يكفي للعمل المشترك. شبكات تعاون عربية في الأمن الغذائي، والطاقة المتجددة، وسلاسل التوريد، والصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا الحيوية، يمكن أن تحوّل المنطقة من ساحة تنافس بين القوى العظمى إلى كتلة تفاوضية لها وزنها. فإما أن تكون الدول العربية على الطاولة حيث تُصاغ القواعد الجديدة، أو ستجد نفسها على "قائمة الطعام"، تُدار أزماتها من الخارج لا من الداخل.

رسالة دافوس وما بعدها

خطاب مارك كارني في دافوس لا يمكن اختزاله في كونه إعلان سياسة كندية جديدة فحسب. هو وثيقة سياسية تعكس تحوّلاً أعمق في وعي القوى الوسطى بمكانتها في عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية الأحادية. للمرة الأولى منذ عقود، يعلن قائد غربي بارز، من قلب منتدى العولمة ذاته، أن النظام الدولي القائم على القواعد لم يعد إطاراً صالحاً، وأن الحنين إليه ليس استراتيجية، بل هروب من مواجهة واقع جديد أكثر قسوة.

في عالم القلاع المتقابلة، حيث تبني كل قوة عظمى دائرتها المغلقة من الحلفاء والأسواق وسلاسل التوريد، ستكون كلفة الدخول منفرداً باهظة على القوى الوسطى، وعلى العالم العربي بشكل خاص. لكن الدخول متعاونين، بوعي استراتيجي وتنسيق جماعي، قد يحوّل الضعف البنيوي إلى قوة تفاوضية مشتركة. رسالة كارني الجوهرية بسيطة لكنها ثقيلة المعنى: العالم لم يعد يكافئ حسن النيات، بل يكافئ القدرة على حماية المصالح وبناء التحالفات الذكية.

من دافوس، لم يعلن كارني فقط نهاية وهم قديم، بل فتح نقاشاً دولياً حول شكل النظام القادم، ومن سيكون شريكاً في صياغته، ومن سيُترك ليتكيّف معه من موقع التابع. والسؤال الذي يضعه خطابه أمام القوى الوسطى، والعرب في مقدمتها، ليس إن كان العالم عادلاً، بل إن كانوا مستعدين أخيراً لنزع اللافتة عن نافذتهم، والتصرف وفق الحقيقة كما هي، لا كما يتمنون أن تكون.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء منتدى دافوس خطاب دافوس منتدى رأي خطاب رئيس كندا قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة القائم على القواعد النظام الدولی القوى الوسطى القوى العظمى مارک کارنی فی دافوس من موقع إن کان لم یکن لم یعد فی هذا

إقرأ أيضاً:

إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب

إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب

ميرغني الحبر/ المحامي

لم تعد الأحزاب السياسية في القرن الحادي والعشرين تعمل بالوسائل التي نشأت بها في منتصف القرن الماضي. فقد أحدثت الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتطور وسائل الاتصال، ومنصات التواصل الاجتماعي، تحولاً عميقاً في طبيعة العمل السياسي، وأعادت تعريف العلاقة بين الحزب والمواطن، وبين القيادة والعضوية، وبين المعرفة وصناعة القرار.

وفي المقابل، ما تزال غالبية الأحزاب السودانية، على اختلاف مدارسها الفكرية وتوجهاتها السياسية، تعمل بهياكل وأساليب تنظيمية تعود إلى عقود مضت، تعتمد على الاجتماعات التقليدية، والقيادة الهرمية، وضعف توظيف التكنولوجيا في الإدارة، ومحدودية مشاركة القواعد في صناعة القرار.

ومن هنا يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح، خاصة في ظل ما يمر به السودان من مرحلة إعادة بناء بعد الحرب: هل يحتاج السودان إلى مجرد أحزاب جديدة تحمل أسماء مختلفة، أم أنه يحتاج إلى جيل جديد من الأحزاب، يختلف في فلسفته، وأدواته، وبنيته المؤسسية، وقدرته على الاستجابة لمتطلبات العصر؟

إن الحديث عن جيل جديد من الأحزاب لا يقتصر على استخدام الوسائل التقنية الحديثة، ولا يعني مجرد استبدال الأوراق بالشاشات، أو الاجتماعات الحضورية بالاجتماعات الافتراضية. فالتحول الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف الحزب نفسه، باعتباره مؤسسة وطنية تتخذ قراراتها على أساس المعرفة، وتدير شؤونها بالمؤسسية، وتستثمر التكنولوجيا لتعزيز المشاركة والشفافية والكفاءة. ومن هذا المنطلق تبرز فكرة “الحزب الذكي” باعتبارها أحد أهم نماذج الأحزاب التي يمكن أن تستجيب لتحديات المستقبل.

 الحزب الذكي… ليس حزباً افتراضياً

حين نتحدث عن “الحزب الذكي”، فإننا لا نعني حزباً يعمل عبر الإنترنت فقط، ولا تنظيماً افتراضياً يفتقد حضوره في المجتمع.

بل نعني حزباً يوظف التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي لبناء مؤسسة سياسية أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على خدمة المواطنين، فيجمع بين الحضور الميداني الفاعل والإدارة الرقمية الحديثة، ويجعل التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الديمقراطية، لا بديلاً عن العمل السياسي المباشر.

 أولاً: العضوية الرقمية

لم يعد من المقبول أن تعتمد الأحزاب على سجلات ورقية أو قواعد بيانات غير محدثة.

فالحزب الحديث ينبغي أن يمتلك نظاماً رقمياً متكاملاً لإدارة العضوية، يتيح التسجيل الإلكتروني، وتحديث البيانات بصورة مستمرة، وإصدار بطاقات عضوية رقمية، مع ضمان أمن المعلومات وحماية خصوصية الأعضاء.

ولا تقتصر أهمية ذلك على تسهيل الإدارة، وإنما تمتد إلى تحسين التخطيط، ومعرفة التوزيع الجغرافي والمهني للعضوية، والاستفادة من خبراتها في مختلف مجالات العمل الحزبي.

 ثانياً: الديمقراطية الرقمية

يمكن للتكنولوجيا أن تعيد الحيوية إلى الحياة الحزبية.

فبدلاً من انتظار المؤتمرات العامة التي قد تنعقد كل عدة سنوات، يستطيع الحزب تنظيم انتخابات داخلية إلكترونية، وإجراء استفتاءات واستطلاعات رأي حول القضايا المهمة، بما يوسع دائرة المشاركة، ويعزز شعور الأعضاء بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة القرار.

 ثالثاً: الحزب الذي يصنع قراراته بالمعرفة

أصبحت البيانات في عالم اليوم مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد المالية أو البشرية.

ولهذا فإن الحزب الذكي لا يبني مواقفه على الانطباعات أو ردود الأفعال، وإنما يعتمد على الدراسات والإحصاءات، واستطلاعات الرأي، وتحليل احتياجات المجتمع، والاستفادة من الخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات.

فالسياسة الحديثة لم تعد مجرد فن للخطابة أو الحشد الجماهيري، بل أصبحت علماً يقوم على المعرفة والتحليل والتخطيط.

 رابعاً: الذكاء الاصطناعي في خدمة السياسة

لا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي أن تحل الآلات محل الإنسان في اتخاذ القرار السياسي، وإنما أن تصبح أداة تساعد على تحليل المعلومات، ودراسة البدائل، وتقييم آثار السياسات العامة، وإعداد التقارير، واختصار الوقت والجهد.

أما القرار النهائي، فيظل مسؤولية الإنسان، لأنه وحده القادر على الموازنة بين القيم والمصالح والاعتبارات الوطنية والأخلاقية.

 خامساً: مراكز التفكير وصناعة السياسات

الحزب الذي يطمح إلى قيادة دولة حديثة لا يمكن أن يكتفي باللجان التنظيمية التقليدية.

إنه يحتاج إلى مراكز دائمة للبحوث والدراسات، تضم خبراء في الاقتصاد والقانون والتعليم والزراعة والصحة والإدارة والبيئة والتحول الرقمي وغيرها من المجالات، حتى تصبح برامجه وسياساته مبنية على المعرفة والخبرة، لا على الاجتهادات الفردية أو ردود الأفعال الآنية.

 سادساً: الشفافية الرقمية

الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي حزب سياسي.

ولهذا ينبغي أن يتيح الحزب لأعضائه، وللرأي العام، الاطلاع على تقاريره المالية، وأنشطته، ونتائج انتخاباته الداخلية، وخططه وبرامجه، عبر منصات رقمية محدثة، تعكس التزامه بالمحاسبة والشفافية، وتمنح المواطنين أسباباً حقيقية للثقة فيه.

 هل يستطيع السودان بناء هذا النموذج؟

قد يرى البعض أن الحديث عن حزب ذكي، في ظل ما يواجهه السودان من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، يبدو سابقاً لأوانه.

غير أن التجارب الدولية تثبت أن فترات إعادة بناء الدول هي في كثير من الأحيان أفضل الفرص لإعادة بناء مؤسساتها أيضاً.

وليس من الحكمة أن نعيد تأسيس أحزاب القرن الماضي بالأدوات نفسها، بينما يتغير العالم من حولنا بوتيرة غير مسبوقة.

ويمتلك السودان من الطاقات البشرية والكفاءات المهنية، في الداخل والخارج، ومن الشباب المتعلم القادر على استيعاب أدوات العصر، ما يؤهله لبناء نموذج حزبي جديد، متى ما توافرت الإرادة السياسية والرؤية المؤسسية.

 نحو حزب للمستقبل

إن الحزب الذي يحتاجه السودان ليس حزباً للنخب وحدها، ولا حزباً انتخابياً يظهر كل بضع سنوات ثم يغيب، وإنما مؤسسة وطنية دائمة، تتعلم باستمرار، وتراجع أداءها باستمرار، وتفتح أبوابها للكفاءات، وتعتبر خدمة المواطن معيار نجاحها الأول.

فالمستقبل لن يكون للأحزاب الأكبر عدداً، بل للأحزاب الأكثر معرفة، والأفضل تنظيماً، والأكثر قدرة على التعلم، والأقرب إلى المجتمع.

 ختاماً

إن بناء الحزب السوداني الذكي ليس حلماً تقنياً، بل مشروعاً سياسياً وأخلاقياً، يقوم على الإيمان بأن الديمقراطية تصبح أكثر قوة وكفاءة وشفافية عندما توظف أدوات العصر في خدمة الإنسان، لا في السيطرة عليه.

وقد تكون الحرب التي مزقت السودان درساً بالغ القسوة، لكنها تمنحنا أيضاً فرصة تاريخية لإعادة التفكير في شكل الدولة، وطبيعة الأحزاب، وأدوات العمل السياسي.

فإذا كنا نطمح إلى بناء جمهورية سودانية جديدة، فإن هذه الجمهورية تحتاج، بالضرورة، إلى جيل جديد من الأحزاب؛ أحزاب تستلهم أفضل ما وصلت إليه الخبرة الإنسانية في التنظيم والإدارة وصناعة السياسات، دون أن تفقد هويتها الوطنية أو صلتها بقضايا المجتمع وتطلعات مواطنيه.

وفي الحلقة القادمة، ننتقل من الفكرة إلى التطبيق، لنجيب عن سؤال عملي: كيف يمكن تأسيس حزب سوداني حديث؟ وما المبادئ التنظيمية والدستورية التي ينبغي أن يقوم عليها منذ يومه الأول؟.

إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «6-10»: نحو نموذج حزبي يستجيب لتحديات السودان

الوسومالأحزاب السودانية الحزب الرقمي الديمقراطية الديمقراطية الرقمية الذكاء الاصطناعي السودان الشفافية الرقمية القوى الحديثة صناعة السياسات مركز التفكير ميرغني الحبر المحامي

مقالات مشابهة

  • نادي القصة يعلن تفاصيل الدورة الثالثة لـ "مؤتمر الطفل العربي" بدار الأوبرا
  • محمد ثروت يعلن لأول مرة مشاركته في افتتاح المونديال
  • الفتح الرياضي يعلن نهاية مهام مدرب الفريق سعيد شيبا وطاقمه التقني
  • القاهرة الدولي للطفل العربي يعلن المحور الفكري للدورة الرابعة ويفتح باب التقديم للأبحاث
  • مهرجان الطفل العربي يعلن المحور الفكري للدورة الرابعة ويفتح باب التقديم للأبحاث
  • الحكم الدولي أمين عمر يكشف كواليس مباريات كأس العالم 2026 السبت المقبل
  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
  • نائب وزير الخارجية : من يورّط نفسه مع النظام السعودي سيدفع الثمن
  • إيران تتوعد بردّ حاسم على أي عدوان وتعلن استهداف قواعد أمريكية في الكويت والأردن
  • هل تشارك بريطانيا في الهجمات الأمريكية على إيران؟