كيف نطعم عشرة مليارات إنسان ؟
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
بينما يجاهد العالم لإطعام ثمانية مليارات إنسان اليوم، فكيف نتمكن من إطعام عشرة مليارات بحلول عام 2050؟ إن تلبية الاحتياجات الغذائية لعدد متزايد من السكان لا تتطلب فقط زيادة جذرية في إنتاج الغذاء -القائم بالكامل تقريبا على النباتات- بل تتطلب أيضا توزيع الغذاء على نحو أكثر إنصافا يضمن أن أحدا لن يعاني من انعدام الأمن الغذائي.
هذه غاية صعبة المنال. ذلك أن النظام الغذائي الحالي بدأ ينهار بالفعل. يذهب حوالي 673 مليون شخص إلى الفراش جوعى كل ليلة، وفي عام 2025، شهدنا مجاعتين (في غزة والسودان)، كل منهما بسبب الصراع، والصدمات المناخية، وأسعار المواد الغذائية الشديدة الارتفاع. من ناحية أخرى، تسببت الممارسات التي نعتمد عليها لإطعام العالم في تدهور 1.66 مليار هكتار - 60% منها أراضٍ زراعية.
لا ينبع الجوع العالمي من الافتقار إلى القدرة على إنتاج ما يكفي من الغذاء، بل ينبع جزئيا من فشلنا في إنتاجه بكفاءة وتوزيعه بالتساوي. ويظل الصراع وانعدام الأمن من الأسباب الرئيسية للجوع في 20 دولة وإقليما، الأمر الذي يضطر ما يقرب من 140 مليون إنسان إلى مواجهة انعدام الأمن الغذائي الحاد. جلبت الكوارث خسائر زراعية تقدر بنحو 3.26 تريليون دولار في مختلف أنحاء العالم على مدار السنوات الثلاث والثلاثين الأخيرة -بمتوسط 99 مليار دولار سنويا، أو ما يقرب من 4% من الناتج الزراعي العالمي؛ وتسببت الارتفاعات الأخيرة في أسعار المواد الغذائية لأسباب ترتبط بالعرض في الدفع بعشرات الملايين من الناس إلى براثن الجوع بين عشية وضحاها تقريبا. الأسوأ من ذلك، أن هذه الصدمات ليست عابرة. إنها تمثل الوضع المعتاد الجديد.
لعقود من الزمن، كان القطاع الزراعي يستجيب إلى حد بعيد للطلب المتزايد من خلال تطوير محاصيل عالية الغلة واستخدام مزيد من كل شيء: مزيد من الأسمدة، ومزيد من المبيدات الحشرية، ومزيد من المياه. لكن هذا الاتجاه أدى إلى إهدار غير ضروري، وتلوث الأنهار، وتدهور التربة، وإطلاق مقادير متزايدة من الغازات المسببة للانحباس الحراري. نحن في احتياج إلى إيجاد مسار أفضل، والعلم قادر على إرشادنا إلى الطريق. نحن نملك بالفعل المعرفة والأدوات اللازمة لتحسين ما نستخدمه وتنويع ما نزرعه على أفضل وجه.
تتمثل إحدى الأولويات في تحسين الكفاءة. بين عامي 1990 و2020، ارتفع استخدام الأسمدة بنسبة 46% وتضاعف استخدام المبيدات. لكن 30-60% فقط من مغذيات الأسمدة و20-70% من المبيدات تُـمتَص بشكل فعّال؛ أما البقية فتتسرب إلى الأنهار، أو تتسبب في تدهور التربة، أو تطلق الغازات المسببة للانحباس الحراري. ما يدعو إلى التفاؤل أن الأبحاث تُظهِر أن تحسين استخدام النيتروجين من الممكن أن يزيد غلات المحاصيل بنسبة تصل إلى 19% ويقلل استخدام الأسمدة بنسبة 15-19%. وتساعد الإدارة المحسنة للمبيدات الحشرية -من خلال الرش الدقيق، والمبيدات الحيوية، ومراقبة المخلفات- في تقليل النفايات الكيميائية مع الحفاظ على التنوع البيولوجي. وتعمل الممارسات الزراعية البيئية -مثل الزراعة البينية، وتناوب المحاصيل، ودمج الأشجار في أنظمة المزارع- على تعزيز صحة التربة، وتقليل الاعتماد على المدخلات، وتقوية المرونة في الأمد البعيد.
تتمثل الأولوية التالية في تنويع النظام الغذائي. فقد أفضت عقود من مكاسب الإنتاجية إلى تعزيز الاعتماد بدرجة خطيرة على ثلاثة محاصيل فقط. يوفر القمح، والأرز، والذرة الآن معظم السعرات الحرارية على مستوى العالم. ويؤدي هذا الاعتماد على الزراعة الأحادية إلى ضعف شديد في مواجهة الآفات والأمراض وتغير المناخ. يكمن الحل في المحاصيل التي همشناها. توفر الأنواع التقليدية وغير المستغلة بالقدر الكافي -مثل الدخن القاسي، والبقوليات الغنية بالمغذيات، والفواكه المحلية، والبطاطا القوية- تغذية وفيرة إلى جانب فوائد أخرى مثل تحمل الظروف المناخية القاسية. توضح مبادرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، مثل Future Smart Food (في آسيا) و100 Crops for Africa (100 محصول لأفريقيا)، كيف من الممكن أن تعمل هذه المحاصيل «المنسية» على توسيع الأنظمة الغذائية، وتعزيز دخل المزارعين، وإعادة التربة المتدهورة إلى حالتها الطبيعية في آن واحد.
أخيرا، يتعين علينا أن نعمل على توسيع نطاق التكنولوجيات الفعّالة. تعمل أدوات تحليل البيانات والزراعة الدقيقة بالفعل على إعادة تشكيل الزراعة. ومن الممكن استخدام الطائرات الـمُسَيَّـرة آليا في غرس البذور وتوصيل المدخلات بدقة متناهية. ومن الممكن أن تستخدم منصات الذكاء الاصطناعي صور الأقمار الصناعية لتقديم توصيات مخصصة لحظيا. كما يمكن استخدام الروبوتات في اكتشاف الأعشاب الضارة لرشها بشكل محدد، وهذا يغني عن الحاجة إلى استخدام مبيدات الأعشاب بشكل شامل. ومن الممكن أن تساعد اختبارات التربة الرقمية ومحطات الأرصاد الجوية في توجيه القرارات اليومية، وبوسع أنظمة سلاسل الكُتَل أن تعمل على ربط صغار المزارعين بأسواق شفافة وقابلة للتتبع.
سوف يتطلب توسيع نطاق هذه الأدوات استثمارات ضخمة في خدمات الإرشاد الزراعي (لتعزيز أفضل الممارسات)، وتغييرات كبرى في السياسات القائمة على العِلم، ومنصات لتبادل المعرفة لمساعدة المزارعين على تحسين المدخلات. على نحو مماثل، يجب دمج الإبداع المستمر في الممارسات المحلية، الأمر الذي يتطلب مزيدا من التعاون بين الحكومات، والمستثمرين، والقطاع الخاص، والمزارعين.
الهدف واضح: يجب أن تنتج الزراعة المزيد بالاستعانة بموارد أقل -محاصيل أكبر مقابل كل قطرة ماء، ومزيد من السعرات الحرارية لكل كيلوجرام من الأسمدة، ومزيد من التغذية لكل هكتار- في كل موسم وفي كل مكان. هذا يتطلب الاستعاضة عن الحزم الصناعية الموحدة بنظم مرنة، ومخصصة لكل سياق، ومتوافقة بدقة مع التربة المحلية، وأنظمة الري، والمحاصيل، والمناخ. يجب أن تكون القيادة لأبحاث ممولة من القطاع العام، حيث تعجز الأسواق عن ضمان الوصول العادل إلى الزراعة الدقيقة، بينما تواصل الإبداعات من القطاع الخاص توسيع نطاق ما يثبت نجاحه. لم تعد المعرفة هي عُنُق الزجاجة؛ بل تَـوَفُّر الإرادة السياسية والحوافز المتوافقة.
حتى في مواجهة الصراعات المتكررة، وموجات الجفاف، وفوضى الأسواق، من الممكن تحقيق إنتاج مستقر وأسعار معقولة. ويتمثل المفتاح في التربة المرنة، وتنوع المحاصيل، والإدارة الدقيقة.
إن العالم حيث يتسنى للجميع تقريبا تناول طعام جيد، ويزدهر المزارعون، وتتجدد التربة، وتجري المياه النظيفة، ويتعافى التنوع البيولوجي، وتُصدِر أنظمة الأغذية الزراعية الحد الأدنى من الغازات المسببة للانحباس الحراري، ليس عالما خياليا. إنه المكافأة الواقعية لاحتضان نموذج زراعي مختلف قبل انهيار النموذج القديم.
السؤال الوحيد هو ما إذا كنا لنستخدم المعرفة، والعلوم، والأدوات المجربة المتوفرة لدينا بالفعل. لن تسأل أجيال المستقبل ما إذا كانت الحلول موجودة؛ بل ستسأل لماذا استغرقنا كل هذا الوقت لتنفيذها. الخيار لنا، وهو يبدأ بتحويل العلم إلى ممارسة واقعية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: من الممکن أن ومزید من
إقرأ أيضاً:
مليارات باريس سان جيرمان تصنع المجد.. وأموال تشيلسي في مهب الريح
شهدت خارطة كرة القدم الأوروبية في السنوات الأخيرة صراعاً مالياً محتدماً، حيث تباينت استراتيجيات الأندية الكبرى في سوق الانتقالات بين من ينفق ليحصد الذهب، ومن يدفع المليارات ليجد نفسه خارج الحسابات القارية تماماً.
وتأتي المقارنة بين عملاقي باريس سان جيرمان وتشيلسي لتلخص بوضوح كيف يمكن لإدارة الموارد المالية أن تصنع مجداً تاريخياً أو تؤدي إلى تراجع غير مسبوق في مستوى التنافسية.
???? ???????????????????? ????????????????: PSG spent €2.5 billion on signings under Nasser Al-Khelaïfi in the last 15 years, winning two Champions League titles.
Chelsea spent €1.7 billion on signings under Todd Boehly in the last 4 years and couldn't even qualify for the Conference League this… pic.twitter.com/W21Ohjr7DZ
وذكر حساب The Touchline | ???? على منصة إكس أن باريس سان جيرمان: أنفق 2.5 مليار يورو على الصفقات تحت رئاسة ناصر الخليفي خلال الـ 15 سنة الماضية، وحقق لقبين في دوري أبطال أوروبا.
في المقابل، أنفق تشيلسي 1.7 مليار يورو على الصفقات تحت رئاسة تود بويلي في آخر 4 سنوات فقط، ولم يتمكن حتى من التأهل لدوري المؤتمر الأوروبي هذا الموسم.
وحسب المصدر ذاته، فقد نجح مشروع الـPSG تحت قيادة رئيسه ناصر الخليفي في جني ثمار التخطيط طويل الأمد وصبر السنوات الـ15 الماضية.
فرغم أن النادي الباريسي أنفق ما يقارب 2.5 مليار يورو على إبرام التعاقدات وجلب أبرز نجوم اللعبة إلى "حديقة الأمراء"، إلا أن هذه الاستثمارات الضخمة لم تذهب سدى، بل تُوجت بالنجاح الأغلى والأكثر استعصاءً في القارة العجوز.
ولم يعد لقب دوري أبطال أوروبا مجرد حلم يراود الجماهير الباريسية، بل تحول إلى واقع ملموس بعدما تمكن الفريق من صعود منصة التتويج وحمل الكأس ذات الأذنين مرتين، ليفرض سان جيرمان نفسه رقماً صعباً وقوة عظمى في القارة الأوروبية، مؤكداً أن المليارات التي ضُخت على مدار عقد ونصف خلقت عقلية بطولات قادرة على ترويض اللقب القاري الثمين وإدخاله خزائن النادي في مناسبتين تاريخيتين.
وعلى النقيض تماماً، يعيش "البلوز" حالة من التخبط الصادم تحت إدارة الأمريكي تود بوهلي. ففي غضون أربع سنوات فقط من توليه الزمام، أنفق النادي اللندني رقماً فلكياً يتجاوز 1.7 مليار يورو على صفقات متتالية ومستمرة، وهو معدل إنفاق مرعب يفوق بمراحل ما أنفقه باريس في بدايات مشروعه، لكن دون أي رؤية فنية واضحة أو استقرار داخل غرفة الملابس.
وجاءت عواقب هذا الإنفاق العشوائي قاسية وجماهيرية بامتياز هذا الموسم، إذ لم يقتصر فشل النادي اللندني على الابتعاد عن صراع دوري الأبطال أو الدوري الأوروبي فحسب، بل عجز الفريق حتى عن التأهل إلى بطولة دوري المؤتمر الأوروبي. لتظل هذه المقارنة شاهداً حياً على أن كرة القدم لا تُشترى بالمال وحده، وأن حصد الذهب الأوروبي مرتين في باريس يحتاج إلى هوية وإستراتيجية، بينما التخبط في لندن قد يحرمك حتى من أبسط المقاعد القارية.
من ناحية أخرى، واصل بطل أوروبا للمرة الثانية على التوالي استقراره الفني والإداري، في حين غيّر تشيلسي مدربه الإيطالي إنزو ماريسكا وتعاقد مع ليام روزينيور، غير أنه تم إقالة الأخير بدوره بأسابيع قليلة من توليه تدريب الفريق.