«المُلحد».. بين الحقيقة والإثارة
تاريخ النشر: 22nd, January 2026 GMT
منذ الإعلان عن عرضه، لم يُنظر إلى فيلم «الملحد» باعتباره عملًا سينمائيًا عاديًا، بل سرعان ما تحوّل إلى بؤرة جدل واسع بين مؤيدين والكثير من المعارضين، لا سيما داخل الأوساط الدينية، نظرًا لتناوله واحدة من أخطر القضايا العقدية فى المجتمع، وهى قضية الإلحاد، فقد عبّر عدد من رجال الدين والدعاة عن رفضهم القاطع للفيلم، محذرين من أن طرح هذه القضية عبر الشاشة قد يفتح باب الشبهات أمام الشباب، ويسهم فى تطبيع فكرة الإلحاد، مؤكدين أن العقيدة تمثل خطًا أحمر لا يجوز الاقتراب منه فنيًا أو دراميًا.
وفى المقابل، يرى نقاد فنيون أن الإلحاد أصبح واقعًا قائمًا لا يمكن تجاهله، وأن مواجهته بالحوار والفكر أجدى من المنع والمصادرة. وبين هذين الاتجاهين، حسم القضاء الجدل قانونيًا بالسماح بعرض الفيلم، لتظل التساؤلات مطروحة حول حدود حرية الفن، ودور المؤسسات الدينية فى مواجهة الشكوك الفكرية المتزايدة لدى الشباب، وما إذا كان المنع حلًا أم أن المواجهة بالحجة والعقل باتت ضرورة لا مفر منها.
فيلم المُلحد
فيلم «الملحد» هو عمل سينمائى درامى اجتماعى من تأليف إبراهيم عيسى وإخراج محمد العدل، ويدور حول صراع فكرى ودينى داخل أسرة واحدة، حيث يُعلن الابن إلحاده ويدخل فى صدام حاد مع والده المتشدد دينيًا، وتعرّض العمل لتأجيلات متكررة نتيجة اعتراضات دينية قبل أن يُحسم الجدل قانونيًا بالسماح بعرضه بعد إجازته رقابيًا.
أكدت الداعية الإسلامية والواعظة بوزارة الأوقاف، الدكتورة نيفين مختار، رفضها لتناول قضية الإلحاد فى الأعمال الفنية، متسائلة: «لماذا نصنع فيلمًا عن الإلحاد بدلًا من إنتاج عمل يوضح كيفية الوصول إلى الله وفهم قدرته وعظمته؟»
وأوضحت نيفين، أن الإنسان مطالب بالتأمل فى خلق الله والتفكر فى قدرته فى كل شىء حوله، مستشهدة بقول الله تعالى: «وفى أنفسكم أفلا تبصرون».
وقالت نيفين إن إنتاج فيلم يركز على الإلحاد قد يفتح أذهان البعض على فكرة خاطئة، لذلك، الأجدى أن يكون العمل الفنى وسيلة لتعريف الناس بعظمة الله وقدرته، خصوصًا إذا كان الهدف معالجة هذه الظاهرة فى المجتمع.
وأكدت الداعية أن مجرد وجود الإلحاد فى المجتمع لا يبرر إنتاج فيلم عنه، موضحة: «لماذا نعرض هذه الظاهرة بدلًا من توضيح الحقيقة؟ الهدف يجب أن يكون تعليم الناس، لا تحقيق مكاسب مالية أو شهرة، فمتاع الدنيا قليل مقارنة بعظمة الدين».
«الله فى قلب كل عبد»
وفى هذا السياق قال الدكتور مختار مرزوق عميد كلية أصول الدين السابق بجامعة أسيوط، إن عرض قضايا الإلحاد فى السينما المصرية أو الأعمال الدرامية والروايات يجب أن يتم بحذر شديد، مشيرًا إلى أن نشر مثل هذه الأفكار دون بيان مخاطرها يمثل خطرًا على المجتمع.
وأوضح مرزوق: «فى جمهورية مصر العربية، غالبية الناس مسلمون يؤمنون بوجود الله وملائكته وكتبه ورسله، إضافة إلى أهل الكتاب من المسيحيين الذين يؤمنون بالله وفق عقائدهم، أما الذين لا يؤمنون بوجود الله إطلاقًا فعددهم قليل، ولا يجوز أن تُقدم لهم أعمال تدعو إلى الإلحاد أو تزرى بالأديان السماوية».
السينما مرآة الواقع
فيما أكد الناقد الفنى طارق الشناوى أن فيلم «المُلحد» لا يروّج للإلحاد كما يعتقد البعض، بل يدعو إلى الإيمان بالله ويرفض الإلحاد بشكل واضح وصريح.
وأوضح الشناوى أن الفيلم يخلو من أى عناصر تهديد أو ترهيب، ويتناول قضية فكرية قائمة بالفعل فى المجتمعات المختلفة، بما فيها المجتمع المصرى، مشيرًا إلى أن صُنّاعه قدّموا الإلحاد باعتباره فكرة خاطئة وخطيئة دون التباس.
لا إكراه فى الدين
يوضح الفيلم أن الأب المُتشدد قرر عمل جلسة استتابه للأبن حيث يتم قتله بعد 3 أيام إن لم يتوب، وهذا يطرح سؤالًا مهمًا حول كيفية تعامل الأهل مع الملحد، وعن هذا قالت الدكتورة نيفين مختار إنها ترفض تمامًا فكرة عقد جلسات استتابة أو التعامل مع من يبتعد عن الدين بالعنف، مؤكدة أن الهداية بيد الله وحده، وأن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: «أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»، مشددة على أن الإيمان لا يأتى بالإجبار.
وأكدت أن الأصل فى البشر هو الفطرة السليمة، قائلة: «كل القلوب خُلقت على الفطرة، لكن الحياة قد تأخذ الناس بعيدًا، وقد يُخدع البعض باسم الدين أو باسم الهوى أو بسبب تشدد مرفوض. كثير ممن يلحدون يكون السبب تشددًا دينيًا قاسيًا، وهذا لا يمت للدين بصلة».
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الإعلان عن عرضه فى المجتمع
إقرأ أيضاً:
خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات
حذر الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، من تصاعد ما وصفه بـ“عصر الفتن الرقمية” مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الواقع أصبح ممتزجًا بالمحتوى المزيّف، ما يجعل التمييز بين الحق والباطل أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وأوضح الجندي، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الثلاثاء، أن هذا الواقع الجديد يفرض على المجتمعات ضرورة التمسك بقيم أخلاقية راسخة، في مقدمتها “حسن الظن” و”التماس الأعذار”، مشيرًا إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، معتبرًا أن سوء الظن المتكرر يؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وانهيار الثقة بين الناس.
وأشار إلى أن المجتمعات في السابق، رغم غياب وسائل الإعلام الحديثة، كانت أكثر تماسكًا بفضل انتشار ثقافة حسن الظن، والتعامل بروح العذر والرحمة بين الناس، مؤكدًا أن هذه القيم كانت عنصرًا أساسيًا في حفظ استقرار المجتمع.
واستشهد بما نُقل عن بعض السلف الصالح، ومنهم ما رُوي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال”، في إشارة إلى ضرورة عدم الانسياق وراء الشائعات أو الروايات غير الموثوقة.
كما أشار إلى ما ورد عن العلماء في تراث التزكية والأخلاق، ومنه قول سعيد بن المسيب رحمه الله: “ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك”، موضحًا أن الأصل في التعامل بين الناس هو حمل أفعال الآخرين على الخير ما أمكن.
وأكد أن النصوص القرآنية والسنة النبوية دعت إلى هذا المعنى، مستشهدًا بقوله تعالى في سورة الحجرات، داعيًا إلى تجنب الظنون السيئة التي تزرع القطيعة بين الناس.
وشدد الجندي على أن التسرع في الحكم على الآخرين، أو الانسياق وراء محتوى مجهول المصدر عبر وسائل التواصل، يؤدي إلى فقدان الثقة وتفكك العلاقات، مؤكدًا أن “حسن الظن” ليس سذاجة، بل هو وعي أخلاقي يحمي المجتمع من الانهيار النفسي والاجتماعي.
وشدد على أن التماس الأعذار والبحث عن التفسير الإيجابي لسلوك الآخرين يخفف من التوتر الاجتماعي، ويحفظ المودة بين الناس، ويمنع تراكم الضغائن التي تهدد استقرار الأسر والمجتمعات.
اقرأ المزيد..