تعديل تشريعي جزائري يطالب فرنسا بالاعتذار.. ما القصة؟
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
عاد ملف الذاكرة الاستعمارية إلى واجهة المشهد السياسي بين الجزائر وفرنسا، بعد أن قرر مجلس الأمة الجزائري، الخميس، إدخال تعديلات على مشروع قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي، وهو القانون الذي كان قد صادق عليه المجلس الشعبي الوطني، الغرفة الأولى للبرلمان، بالإجماع في 24 ديسمبر الماضي.
ويُصنّف مشروع القانون الاستعمار الفرنسي للجزائر بين عامي 1830 و1962 على أنه «جريمة»، كما يتضمن مطالبة رسمية لفرنسا بتقديم اعتذار عن حقبة الاحتلال، إضافة إلى نصوص تتعلق بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالدولة والشعب الجزائريين خلال تلك الفترة.
غير أن مجلس الأمة، وهو الغرفة الثانية للبرلمان، اعتبر أن بعض مواد النص لا تعكس بشكل كامل التوجه الرسمي للدولة الجزائرية، خاصة فيما يتعلق بملف التعويضات، ما استدعى المطالبة بمراجعته قبل إقراره بصيغته النهائية.
وبحسب الآلية الدستورية المعتمدة، لا يملك مجلس الأمة صلاحية تعديل القوانين التي أقرتها الغرفة الأولى، ما يعني تشكيل لجنة مشتركة تضم أعضاء من المجلسين، تتولى مراجعة الفصول محل الخلاف، والتوصل إلى صيغة توافقية نهائية.
وتكمن نقطة الخلاف الرئيسية في المواد المتعلقة بالتعويضات، إذ ينص المشروع على حق الجزائر في «تعويض شامل ومنصف عن كافة الأضرار المادية والمعنوية» التي خلفها الاستعمار الفرنسي، في حين سبق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن أكد، في خطاب ألقاه في ديسمبر 2024، أن بلاده لا تطالب بتعويضات مالية بقدر ما تطالب باعتراف واعتذار معنوي.
وقال تبون حينها إن «شهيد الكفاح المسلح لا تعيده مليارات الدولارات»، مشددًا على أن القضية بالنسبة للجزائر ترتبط بالكرامة والاعتراف التاريخي أكثر من ارتباطها بالجوانب المادية.
في المقابل، أثار مشروع القانون رد فعل فرنسيًا غاضبًا، إذ وصفته باريس بأنه «عدائي بشكل واضح»، في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية توترًا متصاعدًا. ويعود هذا التوتر، جزئيًا، إلى الموقف الفرنسي الداعم لخطة المغرب بشأن الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وهو ما تعارضه الجزائر التي تدعم جبهة البوليساريو.
ورغم اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل توليه المنصب، بأن الاستعمار الفرنسي للجزائر كان «جريمة ضد الإنسانية»، فإن باريس لم تقدم حتى الآن اعتذارًا رسميًا، وهو ما تصر الجزائر على اعتباره خطوة أساسية لأي مصالحة تاريخية حقيقية.
وتشير الجزائر إلى أن حرب التحرير أودت بحياة نحو 1.5 مليون شخص، بينما يقدّر مؤرخون فرنسيون عدد الضحايا بنحو 500 ألف، معظمهم من الجزائريين، ما يعكس استمرار الخلاف حتى على قراءة الأرقام والوقائع التاريخية.
ويعيد هذا الجدل التأكيد على أن ملف الذاكرة لا يزال أحد أعقد الملفات في العلاقات الجزائرية-الفرنسية، وأن أي تقارب سياسي بين البلدين يظل مرهونًا بكيفية التعامل مع إرث الماضي الاستعماري.
المصدر
المصدر: بوابة الفجر
كلمات دلالية: تجريم الاستعمار الفرنسي العلاقات الجزائرية الفرنسية مجلس الأمة الجزائري البرلمان الجزائري الفجر الاستعمار الفرنسی
إقرأ أيضاً:
مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
يتجه التعاطي الأميركي مع الحرب في السودان نحو مرحلة جديدة، مع تقدم مشروعي قانون داخل الكونغرس يهدفان إلى تشديد الضغوط على أطراف النزاع وداعميهم، عبر توسيع العقوبات، وتجفيف مصادر التمويل والتسليح، وتعزيز حماية المدنيين، وإعادة تنشيط الدور الأميركي في جهود إنهاء الحرب.
التغيير ــ وكالات
وينظر مجلس الشيوخ في مشروع قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان لعام 2026، المعروف باسم قانون سلام السودان (PEACE in Sudan)، فيما يبحث مجلس النواب قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني، الذي يطرح رؤية أوسع تشمل العقوبات، والمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ودعم العملية السياسية.
ورغم اختلاف نطاق كل مشروع، فإنهما يعكسان توافقاً متزايداً بين الجمهوريين والديمقراطيين على تحويل السياسة الأميركية تجاه السودان من إجراءات تنفيذية متفرقة إلى إطار تشريعي دائم، يركز على محاسبة أطراف الحرب، والجهات التي تمولها أو تزودها بالسلاح، إضافة إلى المسؤولين عن الانتهاكات وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
ولا يزال المشروعان في مراحلهما التشريعية، إذ يحتاج كل منهما إلى إجازة المجلس الذي ينتمي إليه، قبل التوصل إلى صيغة موحدة يعتمدها مجلسا الكونغرس، ثم تُحال إلى الرئيس الأميركي للتوقيع عليها لتصبح قانوناً نافذاً.
مشروع مجلس الشيوخ
قدم رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، السيناتور الجمهوري جيم ريش، إلى جانب السيناتور الديمقراطي كريس كونز، مشروع قانون سلام السودان بدعم من الحزبين، وأقرت اللجنة المختصة المشروع في يونيو الماضي تمهيداً لطرحه أمام المجلس.
ويمنح المشروع الإدارة الأميركية صلاحيات أوسع لفرض عقوبات على قادة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى جانب الأفراد والجهات التي تقدم التمويل أو السلاح للطرفين، كما يوسع نطاق العقوبات الحالية.
ويلزم المشروع الإدارة الأميركية بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس حول التدخلات الخارجية وشبكات التمويل والتسليح المرتبطة بالحرب، فضلاً عن تحديث التحذيرات الخاصة بالاستثمار والتعاملات التجارية مع السودان.
كما يقترح تمديد ولاية المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان من عامين إلى خمسة أعوام، مع تعزيز الرقابة البرلمانية على تطورات النزاع، ومنع توجيه أي دعم مستقبلي قد يسهم في إعادة تمويل المؤسسات العسكرية أو الأمنية المتهمة بتقويض مسار الانتقال المدني.
مشروع مجلس النواب
في المقابل، يتبنى مشروع قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني رؤية أشمل للسياسة الأميركية تجاه السودان، إذ يدعو إلى دعم وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، واستئناف العملية السياسية وصولاً إلى حكم مدني ديمقراطي.
ويلزم المشروع الإدارة الأميركية بوضع استراتيجية متكاملة للتعامل مع الأزمة، تشمل حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم جهود السلام، إلى جانب استخدام النفوذ الأميركي لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان.
كما يمنح الإدارة صلاحيات واسعة لفرض عقوبات على الأفراد والكيانات المتورطة في جرائم الحرب أو عرقلة المساعدات الإنسانية، بما يشمل تجميد الأصول، وحظر التعاملات المالية، ورفض منح التأشيرات، فضلاً عن ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
حماية المدنيين وإمكانية دعم قوة دولية
ويتضمن مشروع مجلس النواب بنداً يتيح للولايات المتحدة دعم بعثة تابعة للأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي، أو قوة متعددة الجنسيات، إذا تقرر نشرها في السودان لحماية المدنيين.
كما يوجه الإدارة الأميركية إلى استخدام نفوذها داخل الأمم المتحدة للدفع نحو إعداد خطط عملية لحماية المدنيين، وتوثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، والعمل على إزالة القيود التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية.
ولا يعني ذلك اتخاذ قرار أميركي بإرسال قوات إلى السودان، وإنما يهيئ أساساً قانونياً يسمح بدعم أي بعثة دولية أو أفريقية قد يتم الاتفاق على نشرها بتفويض دولي.
استهداف داعمي الحرب
ويشترك المشروعان في التركيز على دور الأطراف الخارجية في إطالة أمد النزاع، إذ يطالبان الإدارة الأميركية بتحديد الحكومات والجهات التي تزود طرفي الحرب بالسلاح أو التمويل أو أي شكل من أشكال الدعم، وتقييم مدى مخالفة تلك الأنشطة لحظر الأسلحة المفروض على السودان.
ويمضي مشروع مجلس النواب خطوة أبعد، إذ ينص على حظر بيع المعدات الدفاعية الأميركية الرئيسية لأي دولة يثبت دعمها العسكري لأحد طرفي النزاع، مع منح الرئيس الأميركي صلاحية استثناء محدود إذا اقتضت ذلك اعتبارات الأمن القومي.
كما ناقشت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ مقترحات مماثلة لمنع مبيعات السلاح للدول الداعمة لأي من طرفي الحرب، وحظيت بتأييد عدد من أعضاء الحزبين، إلا أن بعضها لم يُدرج في الصيغة النهائية للمشروع.
العدالة والمساءلة
ويولي مشروع مجلس النواب اهتماماً خاصاً بمسار العدالة، إذ يدعو إلى دعم جهود توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة وحفظها، وملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، بما في ذلك جرائم العنف الجنسي المرتبطة بالنزاع.
ويمتد نطاق المساءلة، وفق المشروع، ليشمل الانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، إضافة إلى الجرائم المرتبطة بانقلاب 25 أكتوبر 2021 وما أعقبه من انتهاكات.
كما يدعو المشروع إلى دعم عملية سياسية لا تقتصر على الأطراف العسكرية، وإنما تشمل منظمات المجتمع المدني والنساء والشباب والمجتمعات المهمشة، ضمن مسار دستوري يقود إلى استعادة الحكم المدني.
تحول في السياسة الأميركية
ويعكس تقدم المشروعين داخل لجنتي العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب اتجاهاً متنامياً داخل الكونغرس يرى أن العقوبات الفردية والبيانات الدبلوماسية لم تعد كافية للتأثير في مسار الحرب، وأن المطلوب هو إطار تشريعي أكثر صرامة يربط بين الضغط على أطراف النزاع، ومحاسبة داعميهم الخارجيين، وحماية المدنيين، ودفع عملية سياسية تقود إلى الحكم المدني.
وفي حال إقرار المشروعين بصيغة موحدة، فسيشكلان أول إطار تشريعي أميركي متكامل للتعامل مع الحرب في السودان، واضعين العقوبات والمساءلة وحماية المدنيين ومكافحة التدخلات الخارجية في صلب السياسة الأميركية تجاه الأزمة.
الوسومتجفيف تمويل الحرب تعزيز حماية المدنيين جهود إنهاء الحرب مشروعا قانون في الكونغرس