الإخوان المسلمون.. الخطة السرّية للإمارات للتأثير على النقاش العام في فرنسا
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
"من تحقيق صحفي إلى كاشف لنمط نفوذ عابر للحدود": لم يكن ما كشفه موقع ميديابارت مجرد تسريب لوثيقة دبلوماسية عابرة، بل نافذة واسعة على نمط جديد من الدبلوماسية الخفية التي تمارسها دولة إقليمية ذات طموح سياسي واسع، تسعى إلى إعادة تشكيل النقاشات العامة في قلب الديمقراطيات الغربية، وفي مقدمتها فرنسا.
التحقيق يضعنا أمام وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الإماراتية، تتضمن خطة ممنهجة، طويلة النفس، تهدف إلى توجيه الرأي العام والسياسات الفرنسية تجاه جماعة الإخوان المسلمين، دون أن يظهر ذلك بوصفه تدخلا أجنبيا مباشرا.
لماذا فرنسا تحديدا؟
بيئة مثالية لدفع الدولة الفرنسية نحو تشريعات وسياسات أكثر صرامة ضد ما يُصنَّف "إسلاما سياسيا"، وعلى رأسه الإخوان المسلمون
تنظر الإمارات إلى فرنسا بوصفها "بلدا هدفا"، ليس فقط بسبب ثقلها الأوروبي، بل لأن المشهد السياسي والإعلامي الفرنسي يشهد منذ سنوات مناخا متشددا تجاه الإسلام والمسلمين، مع تقارب متزايد بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف، وتراجع قدرة اليسار على تقديم خطاب موحد.
هذا المناخ، وفق الوثيقة، يشكّل بيئة مثالية لدفع الدولة الفرنسية نحو تشريعات وسياسات أكثر صرامة ضد ما يُصنَّف "إسلاما سياسيا"، وعلى رأسه الإخوان المسلمون.
إنه التأثير الناعم بدل التدخل الفج حيث آن اللافت في الخطة الإماراتية هو اعتمادها على ما يُعرف بـالتأثير الناعم، لا عبر السفارات والبيانات الرسمية، بل من خلال شبكة معقدة من الوسطاء: صحفيين، باحثين، خبراء مراكز تفكير، أكاديميين، ومستشارين سياسيين، يُعاد توظيفهم لإنتاج خطاب يبدو "فرنسيا داخليا"، بينما هو في جوهره مستوحى من رؤية خارجية.
وتشير الوثيقة إلى تزويد مؤسسات فرنسية بتقارير غير موقعة، قابلة لإعادة الصياغة والنشر، بحيث تظهر على أنها تحليلات محلية مستقلة.
استهداف مراكز القرار الحقيقي
لا تخفي الخطة تركيزها على قصر الإليزيه، ووزارة الخارجية، ودائرة مستشاري الرئيس إيمانويل ماكرون، باعتبارهم مراكز صنع القرار الفعلي في النظام السياسي الفرنسي، أكثر من البرلمان أو الأحزاب. وهنا تتحول السياسة الخارجية إلى هندسة وعي داخل غرف القرار، قبل أن تظهر في صورة قوانين أو تصريحات رسمية.
يلعب الإعلام دورا محوريا في هذه الاستراتيجية، إذ يتم تغذية الصحف والقنوات بسردية جاهزة تربط بين الإخوان المسلمين والإرهاب، وتهديد "القيم الجمهورية"، والانفصالية، دون تمييز بين العمل الدعوي، أو الاجتماعي، أو السياسي. ولتفادي تهمة التسييس، يتم توظيف باحثين معروفين في الجامعات ومراكز الدراسات، لإضفاء طابع "علمي ومحايد" على خطاب سياسي موجَّه سلفا.
ثم يأتي البرلمان الفرنسي كساحة نفوذ، فلا تتوقف الخطة عند الإعلام، بل تمتد إلى بناء شبكة علاقات داخل البرلمان الفرنسي، بهدف التأثير على مشاريع القوانين، واللجان، والتحقيقات البرلمانية المتعلقة بالإسلام، والجمعيات، والتمويل، والتعليم الديني. وبذلك يتحول النقاش التشريعي نفسه إلى جزء من صراع نفوذ خارجي.
الإخوان وقطر: الصراع الإقليمي في قلب أوروبا
يكشف التحقيق أن هذا التحرك لا ينفصل عن الصراع الإماراتي- القطري، حيث ترى أبو ظبي أن استهداف الإخوان في أوروبا هو طريق غير مباشر لضرب النفوذ القطري، الذي يُقدَّم إعلاميا بوصفه داعما لتيارات الإسلام السياسي، وهكذا يصبح ملف الإخوان أداة في حرب جيوسياسية بالوكالة داخل العواصم الأوروبية.
تقارب محسوب مع اليمين واليمين المتطرف
تُظهر الوثيقة تقاربا واضحا مع اليمين واليمين المتطرف الفرنسي، باعتبارهم الأكثر استعدادا لتبنّي الخطاب المعادي للإخوان، والأكثر تأثيرا في إعادة تعريف "الأمن" و"الهوية" في فرنسا. هذا التقارب لا يعني تحالفا معلنا، بل تلاقحا سرديا يخدم الطرفين.
الخطة لا تُنفّذ دفعة واحدة، بل على مراحل: بناء الثقة، اختبار الرسائل، توسيع الشبكات، ثم الانتقال إلى التأثير العلني عبر الإعلام والسياسة، بعد أن يكون الإطار الذهني قد تَشكَّل.
نموذج جديد للدبلوماسية
ما تكشفه الوثيقة هو ممارسة الإمارات لنمط جديد من الدبلوماسية: دبلوماسية الخبراء والإعلام والشبكات، بدل الاكتفاء بالسفارات والبيانات الرسمية. وهو نمط يعكس قدرة أنظمة سلطوية على التخطيط طويل المدى، واستثمار المال والعلاقات، لاختراق فضاءات يُفترض أنها محمية بالديمقراطية والشفافية.
التحقيق يضع علامة استفهام كبرى حول هشاشة الديمقراطيات الغربية أمام هذا النوع من النفوذ المنظم، ويكشف أن حرية الإعلام وتعدد مراكز القرار قد تتحول إلى ثغرة استراتيجية.
ليس مجرد قصة عن الإخوان المسلمين، بل عن كيف تُدار الحروب السياسية في القرن الحادي والعشرين: بلا دبابات، وبلا بيانات حرب، بل عبر الخبراء، والإعلام، وصناعة السرديات
يخلص التحقيق إلى حقيقة لافتة: النقاش حول الإخوان المسلمين في فرنسا لم يعد مسألة داخلية تتعلق بالعلمانية أو الأمن، بل أصبح جزءا من صراع دولي على النفوذ والهيمنة، تُستخدم فيه الجماعة كعنوان، بينما المعركة الحقيقية أوسع وأعمق.
الدور العالمي للإمارات في تصنيف الإخوان ومحاربتهم
خارج فرنسا، لعبت الإمارات دورا محوريا في:
- الدفع نحو تصنيف الإخوان جماعة إرهابية في عدد من الدول.
- تمويل ودعم حملات إعلامية دولية لتشويه الجماعة وربطها بالعنف.
- الضغط داخل منظمات دولية ومراكز أبحاث لإعادة تعريف “الإسلام السياسي” كتهديد أمني.
- دعم أنظمة إقليمية تتبنى سياسات الإقصاء الكامل ضد التيارات الإسلامية.
هذا الدور لا ينطلق من مقاربة أمنية فقط، بل من رؤية سياسية تعتبر أي تنظيم إسلامي مستقل تهديدا بنيويا لنموذج الدولة السلطوية.
ختاما:
ما كشفه تحقيق ميديابارت ليس مجرد قصة عن الإخوان المسلمين، بل عن كيف تُدار الحروب السياسية في القرن الحادي والعشرين: بلا دبابات، وبلا بيانات حرب، بل عبر الخبراء، والإعلام، وصناعة السرديات. وهو تحذير صريح بأن المعركة على الوعي، في أوروبا والعالم العربي، أصبحت أخطر من المعركة على الأرض.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء فرنسا الإماراتية خطة فرنسا الإمارات اخوان اسلامي خطة قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الإخوان المسلمین
إقرأ أيضاً:
المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي
وجه المحامي والمناضل السياسي العياشي الهمامي رسالة من داخل سجنه، دعا فيها إلى ضرورة إنهاء مرحلة " العبث" واستقالة الرئيس قيس سعيد لأنها باتت "ضرورة" في ظل الوضع الذي تعرفه البلاد .
وشدد المحامي السجين العياشي الهمامي أن المخرج من "الانقلاب" يكون باستعادة الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات وسراح المساجين والمعارضين.
وقال الهمامي مخاطبا الرئيس سعيد :" إن استقالتَك ليست مطلبًا سياسيًا، بل ضرورةً وطنية عاجلة، لقد فشلتَ، وفقدتَ الشرعية، واستنفدت صبر التونسيين ولم يعد استمرارك في الحكم سوى إمعانٍ في استنزاف الدولة والمجتمع، وتعميقٍ للأزمة، وتأخيرٍ للخروج منها".
وأكد" استقِل، وافتح الطريق أمام إنهاء هذه المرحلة، وإعادة الكلمة إلى الشعب، خمسُ سنوات عجاف مرّت منذ أن انقلبتَ على الدستور الذي أقسمت على احترامه، وافتككتَ كلّ السلطة بلا حسيب أو رقيب أو رادع".
واعتبر أن" المخرج ليس الفراغ ولا الفوضى، ولا استبدال شخصٍ بآخر، ولا الانتقال من استبداد إلى استبداد آخر، المخرج هو استعادة الديمقراطية، دولةٌ يحكمها القانون لا الفرد، ومؤسساتٌ مستقلة، وقضاءٌ مستقلّ، وانتخاباتٌ تنافسية، وحرياتٌ مصونة، وسياساتٌ تعيد للدولة وظيفتها في خدمة مواطنيها، وتنمية تؤمن الرفاه للجميع".
وقال إن:" الإنقاذ يبدأ بالقطع مع سابقة الانقلاب من خلال استعادة الشرعية الدستورية وإرساء أسس دولة القانون، وإلغاء المراسيم القمعية، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وتعليق المحاكمات السياسية، والقطع الصريح مع الخطاب والسياسات التي غذّت العنصرية والكراهية والتمييز، وإعادة الاعتبار لقيم المساواة والكرامة الإنسانية، وتنظيم مرحلة انتقالية تستجيب للأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وتمهّد لانتخابات ديمقراطية حرّة تعيد الكلمة إلى الشعب".
وشدد الهمامي، "لقد آن لهذه المرحلة أن تنتهي، حتى تعود الكلمة إلى الشعب، والسلطة إلى القانون، والدولة إلى مواطنيها ومواطناتها".
كما تساءل الهمامي" فماذا أنجزتَ للناس، عدا الخوف والظلم والجوع؟ وماذا حقّقتَ للبلاد، غير التفكّك والاهتراء والتأخر والفشل؟ وعدتَ الناس بالرخاء، فلم يجنوا سوى الغلاء والفقر وانسداد الأفق".
وخاطب الهمامي في رسالته سعيد قائلا:" حوّلتَ القضاء إلى أداة للقمع والتنكيل، وتصفية المعارضات، وخنقِ الصحافة والإعلام، وسجنِ المواطنين بسبب رأي أو تدوينة، وإعادة مناخ الخوف والرقابة الذاتية، خوّنتَ المجتمع المدني، وكبّلتَ العمل النقابي، وأوصدتَ أبواب الحوار، واستهدفتَ بالقمع كلّ حراكٍ شعبي أو تضامني".
وتابع" وضعتَ دستورك الفردي ورفضتَ حتى إرساء مؤسساته، فتركتَ البلاد في حالةٍ دائمة من الغموض وشبح الفراغ، أفرغتَ الانتخابات من معناها حين تلاعبت بشروطها وسجنت جلّ منافسيك، فأعدت تونس إلى عهد الانتخابات الهزلية وأغلقت باب التداول السلمي على السلطة".
وأضاف" أما السيادة التي رفعتَ شعارها، فقد فرّطتَ فيها، رهنتَ البلاد لدور حراسة الحدود الأوروبية مقابل بعض المال والاعتراف السياسي، فحوّلتها إلى سجنٍ لأبنائها وكابوسٍ لمن اضطرّ إلى العبور عبرها بحثًا عن أفقٍ أرحب، وغطّيتَ ذلك بشعارات سيادوية ونظريات عنصرية بائسة".
وزاد" جعلت من المهاجرين شماعةً لفشلك، ومنحتَ غطاءً سياسيًا لاعتداءات عنصرية طالت حتى التونسيين السود، زرعتَ الكراهية، وجعلتَ الاختلاف تهمة، والنقد جريمة، والمعارضة خيانة.
وأكد الهمامي أن حصيلة سعيد " كارثية حيث جمع بين السلطة المطلقة واللامسؤولية المطلقة، وظل يرمي بفشله على عاتق أعداء وهميين"
وأكد" الشرعية لا تأتي من احتكار السلطة، ولا تُصنع باستفتاءات صورية، ولا بانتخابات على المقاس، بل من حرية الاختيار، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون، والحاكم لا يبقى لأنه يرفض الرحيل، بل لأنه يقبل الاحتكام إلى شعبه.د وما كان انقلابًا على الدستور لا ينبغي أن يصبح قدرًا للوطن".
ويقبع الهمامي بالسجن منذ نهاية عام 2025 ، بعد صدور حكم ضده يقضي بسجنه 5 أعوام في ما يعرف بملف "التآمر".
وسبق أن توجه الهمامي عند اعتقاله برسالة للمعارضة والمجتمع المدني بضرورة التوحد للتصدي " للاستبداد" و" الانقلاب" واسترجاع الحرية .