ما خيارات تركيا في حال تعثر اندماج قسد بالجيش السوري؟
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
أنقرة- تقف المنطقة أمام منعطف مفصلي غداة توقيع اتفاق بين الحكومة السورية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) يقضي بدمج مقاتلي الأخيرة ضمن صفوف الجيش السوري.
ويهدف هذا الاتفاق إلى إنهاء وجود قسد كقوة مسلحة مستقلة في شمال شرقي البلاد، ووضع حد لحالة الانقسام العسكري التي شهدتها تلك المناطق في السنوات الأخيرة.
بيد أن احتمال تعثر تنفيذ بنود الاتفاق يثير مخاوف جدية من انهيار الهدنة الهشة والعودة إلى أجواء المواجهة العسكرية، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على أمن واستقرار المنطقة برمتها.
ومن جانبها، تعرب أنقرة بشكل متزايد عن قلقها من بقاء قسد قوة عسكرية منفصلة متمركزة قرب حدودها الجنوبية، وتعتبر تركيا هذا السيناريو تهديدا مباشرا لأمنها القومي، مؤكدة أنها لن تقبل باستمرار هذا الوضع.
دعم مشروطوجاء توقيع الاتفاق السياسي العسكري بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية قسد في 20 يناير/كانون الثاني الجاري إثر تصعيد عسكري حاد شهدته مناطق الشمال الشرقي من سوريا، بعدما أطلقت القوات الحكومية عملية واسعة النطاق استعادت خلالها السيطرة على بلدات ومحاور إستراتيجية كانت خاضعة لسيطرة قسد.
ومع دخول الطرفين في مواجهة مفتوحة هددت بتفجر جبهة جديدة، تدخلت وساطات إقليمية ودولية أسفرت عن وقف فوري لإطلاق النار، واتفاق يقضي بدمج قسد سياسيا وعسكريا في مؤسسات الدولة السورية، ضمن جدول زمني ضيق لا يتجاوز 4 أيام لوضع آليات التنفيذ.
وعلى الرغم من ترحيبها العلني بالتفاهم الجديد واعتباره فرصة لقطع الطريق أمام مشروع "الممر الإرهابي"، فإن أنقرة تعاملت مع الاتفاق بحذر بالغ، مستحضرة تجربة سابقة مماثلة وقعت في مارس/آذار الماضي لكنها انهارت سريعا نتيجة -ما وصفه المسؤولون الأتراك حينها- بـمماطلة قسد وعدم جديتها في تسليم السلاح أو تفكيك هياكلها.
إعلانوأبدت تركيا دعما مشروطا للاتفاق الراهن، مع تأكيد صانعي القرار في أنقرة على أن أي تلكؤًا في التنفيذ أو محاولة التفاف على البنود الأساسية، قد يدفعها إلى اتخاذ خطوات أحادية لضمان أمنها القومي ومنع تكرار سيناريوهات الماضي.
وفي هذا الإطار، قال رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش في لقاء مع قناة الجزيرة إن تركيا تريد إنهاء مخاطر قسد تماما، حتى تنعم سوريا بالاستقرار والسلام، مضيفا أن هناك توافقا أمنيا بين تركيا وسوريا لمواجهة قسد إذا ما أخلت بالاتفاق.
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمود علوش أن طبيعة الصراع في شمال شرقي سوريا لم تعد محصورة بين دمشق وقسد، بل تحولت إلى صراع داخلي داخل صفوف الأخيرة، نتيجة هيمنة تيار تابع لحزب العمال الكردستاني يسعى إلى إفشال مسار التسوية السياسية، ويدفع باتجاه خيار المواجهة المستمرة بهدف تدويل القضية الكردية وتفجيرها إقليميا، لا في سوريا وحدها.
ويعتبر علوش في حديثه للجزيرة نت، أن أولوية أنقرة ودمشق في هذه المرحلة هي تجنيب المنطقة مزيدا من التصعيد، عبر الوصول إلى تسوية سياسية تنهي حالة "التفلت المسلح"، ويضيف أن "الكرة الآن في ملعب قسد" بعد المبادرة التي قدمها الرئيس السوري.
ويحذر من أنه في حال فشل مسار التسوية، فإن الخيار البديل سيكون اللجوء إلى الحسم العسكري، رغم أن هذا الخيار لا يزال مستبعدا في المرحلة الراهنة من قبل كل من تركيا وسوريا، بسبب الحرص على تجنب كلفة إنسانية باهظة وحماية المدنيين.
لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن تركيا تتابع التطورات عن كثب وتشعر بقدر كبير من الارتياح تجاه ما تعتبره نهاية وشيكة لمشروع قسد، الذي سبب لها صدعا أمنيا خطيرا، وألحق أضرارا بعلاقاتها مع واشنطن، فضلا عن كونه أحد أبرز أسباب التوتر بين أنقرة ودمشق على مدى السنوات الماضية.
وبحسب علوش، فإن أنقرة ترى في هذه المرحلة فرصة لمعالجة أخطر هواجسها الأمنية على حدودها الجنوبية، ولن تتردد في استخدام جميع الخيارات المتاحة لتسوية هذا الملف بشكل نهائي.
ويشدد على أن المشكلة الجوهرية لم تعد مجرد وجود قسد، بل الوجود الفعلي لحزب العمال الكردستاني داخل الأراضي السورية، وهو ملف بات يمثل خطا أحمر لكل من تركيا وسوريا، والاتفاق الأخير نص بوضوح على ضرورة إنهاء هذا الوجود.
حسابات مزدوجة
في السياق، يؤكد الأكاديمي السياسي محمد يوجا، أن الأولوية الأساسية لتركيا في الملف السوري تتمثل في تحقيق السلام والاستقرار الدائمين، وأن دمج عناصر قسد بشكل حقيقي وفعال في بنية الجيش السوري يعد ركيزة حيوية لهذا المسار.
ويرى يوجا، في حديثه للجزيرة نت، أن نجاح عملية الدمج لا ينعكس فقط على أمن سوريا الداخلي، بل يعد عاملا حاسما في ضمان أمن تركيا والدول الإقليمية الأخرى.
ولفت إلى أن تركيا لا تعتبر احتمال فشل عملية الاندماج مجرد خلل دبلوماسي عابر، بل تراه مؤشرا على تهديد أمني طويل الأمد قد يتحول إلى قضية مؤسسية.
لذلك، من المتوقع، وفق المحلل، أن تتبع أنقرة نهجا مزدوجا:
إعلان الضغط على دمشق لتحمل مسؤوليات أكبر وتعزيز مركزية الدولة. وفي الوقت نفسه تقديم مطالب واضحة أمام واشنطن، تشمل الحد من قدرات قسد العسكرية، وسحب الأسلحة الثقيلة منها، وضمان إدماج عناصرها بشكل فردي داخل المؤسسة العسكرية السورية.ويحذر يوجا من أن الخيار العسكري التركي لا يزال مطروحا على الطاولة، وإن كان ينظر إليه كحل أخير، فأنقرة -كما يقول- تمتلك كامل القدرة على تنفيذ عملية عسكرية عند الضرورة، لكنّ هذا الخيار سيُفعّل فقط إذا ظهر خطر مباشر ومتصاعد على الحدود، وبقيت قسد تحتفظ ببنيتها المسلحة دون أن تتمكن دمشق من بسط سيطرتها عليها.
وأضاف أن أي تدخل تركي سيكون محدودا ودقيقا ورادعا، ويهدف إلى تحجيم التهديد وليس شن اجتياح واسع، موضحا أن العمل العسكري في العقيدة التركية أداة مكملة للدبلوماسية تُستخدم فقط عند فشل الوسائل السياسية في حماية المصالح الإستراتيجية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
كيف تُعيد الولايات المتحدة هندسة اقتصادها العسكري؟
رفعت شركة "لوكهيد مارتن" الأمريكية توقعاتها للإيرادات والأرباح خلال 2026، مستفيدة من الطلب المتزايد على الصواريخ والمقاتلات وأنظمة الدفاع الجوي، في وقت تمضي فيه الولايات المتحدة نحو إقرار موازنة عسكرية قياسية وإعادة مسمى "وزارة الحرب" إلى المؤسسة الدفاعية.
وبحسب "رويترز"، تتوقع أكبر شركة للصناعات الدفاعية في العالم تسجيل إيرادات تتراوح بين 79.75 مليار دولار و81.75 مليار دولار خلال العام الجاري، مقارنة بتقديراتها السابقة التي تراوحت بين 77.5 مليار دولار و80 مليار دولار.
ورفعت "لوكهيد مارتن" توقعاتها لربحية السهم إلى ما بين 29.95 دولار و30.65 دولار، مقابل نطاق سابق تراوح بين 29.35 دولار و30.25 دولار. وسجلت الشركة خلال الربع الثاني أرباحاً بلغت 7.94 دولار للسهم، مقارنة بـ1.46 دولار للسهم خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
الصواريخ تقود النمووجاء قطاع الصواريخ وأنظمة التحكم في النيران في مقدمة محركات النمو، بعد ارتفاع إيراداته بنحو 20% خلال الربع الثاني، لتصل إلى 4.1 مليار دولار، مدفوعة بزيادة إنتاج صواريخ "باتريوت باك-3" وتسريع إنتاج منظومة "ثاد" لاعتراض الصواريخ.
التصعيد في هرمز وباب المندب يهز الملاحة ويرفع أسعار النفط - موقع 24تتجه أزمة الملاحة البحرية في المنطقة نحو مزيد من التصعيد، مع تزامن التراجع الحاد في حركة السفن عبر مضيق هرمز مع هجوم جديد استهدف ناقلتين سعوديتين في البحر الأحمر قرب مضيق باب المندب، في مؤشر على اتساع رقعة التهديد، لتشمل أهم الممرات الملاحية في العالم في آنٍ واحد.
وارتفعت إيرادات قطاع الطيران لدى "لوكهيد مارتن" بنسبة 9%، بدعم من زيادة إنتاج ومبيعات مقاتلات "إف-35"، التي تمثل أكبر برنامج تسليح في تاريخ وزارة الدفاع الأمريكية، مع تقديرات تتجاوز تريليوني دولار لتكاليف شراء المقاتلات وتشغيلها وصيانتها على مدى عمر البرنامج.
وفي انعكاس مباشر لحجم الطلب العسكري، قفزت قيمة الطلبيات المتراكمة لدى الشركة إلى 230.4 مليار دولار بنهاية الربع الثاني، مقارنة بـ166.5 مليار دولار قبل عام، بزيادة تقترب من 38%.
من "الدفاع" إلى "الحرب"ولا تنفصل القفزة في أعمال "لوكهيد مارتن" عن التحول الأوسع في السياسة العسكرية الأمريكية، بعدم إقرار مجلس النواب إعادة تسمية وزارة الدفاع باسم "وزارة الحرب"، ضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027.
ووفق صحيفة "ذا هيل"، وافق أعضاء المجلس على تغيير المسمى خلال التصويت على مشروع قانون السياسة الدفاعية السنوي، الذي مر بفارق ضئيل بلغ 216 صوتاً مقابل 212، رغم أن هذه التشريعات كانت تحظى عادة بتأييد واسع من الحزبين.
وقاد وزير الدفاع بيت هيغسيث الدعوات إلى استعادة الاسم التاريخي للوزارة، معتبراً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تريد تعزيز ثقافة "المحاربين" وليس الاكتفاء بمفهوم الدفاع.
وكانت المؤسسة العسكرية الأمريكية تحمل اسم "وزارة الحرب" قبل توقيع الرئيس الأسبق هاري ترومان قانون الأمن القومي عام 1947، الذي أعاد هيكلة الجيش الأمريكي وأنشأ الصيغة الحديثة للمؤسسة الدفاعية.
وسبق لترامب أن وقع أمراً تنفيذياً في سبتمبر(أيلول) يدعم العودة إلى الاسم القديم، فيما وجّه هيغسيث باستخدام المسمى الجديد على الموقع الرسمي للوزارة وحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي واللافتات التابعة لها.
موازنة عسكرية تتجاوز تريليون دولاروجاء تغيير المسمى ضمن مشروع قانون يطلب تخصيص 1.15 تريليون دولار للأمن القومي والإنفاق العسكري خلال السنة المالية 2027، في إحدى أضخم الموازنات الدفاعية في التاريخ الأمريكي.
بالأرقام| كيف يعيد تقليص الدعم الأمريكي رسم اقتصاد الإغاثة الدولي؟ - موقع 24تواجه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واحدة من أكبر أزماتها التمويلية منذ تأسيسها، إذ تضغط عواصم غربية ومسؤولون أمميون على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لمنعها من قطع علاقتها بالمفوضية. وتكشف مصادر دبلوماسية وإنسانية لوكالة "رويترز" أن واشنطن – التي تعد تاريخياً أكبر ...
ويشمل المشروع تمويل تطوير أنظمة الدفاع وشراء الأسلحة والمعدات العسكرية، إلى جانب زيادة رواتب أفراد القوات المسلحة بنسب تتراوح بين 5% و7%، وزيادة أعداد القوات العاملة، وإنشاء ثكنات ومساكن لأسر العسكريين.
ويمثل الرقم زيادة كبيرة مقارنة بنحو 900 مليار دولار خُصصت للدفاع خلال السنة المالية 2026.
وأثار المشروع انقساماً حاداً داخل الكونغرس، إذ اعترض معظم الديمقراطيين على ضخامة الإنفاق العسكري في ظل تقليص مخصصات بعض البرامج الاجتماعية، منتقدين استمرار العمليات العسكرية ضد إيران، التي قدّرها "البنتاغون" بقرابة 37.5 مليار دولار حتى الآن. في المقابل، رأى الجمهوريون أن الموازنة ضرورية لدعم القوات المسلحة وتمويل أنظمة الدفاع وتعزيز جاهزية الجيش.
رسمياً.. أمريكا تعتمد مسمى وزارة الحرب وتقرّ موازنة عسكرية قياسيةhttps://t.co/k2X6uGON8G pic.twitter.com/U4OYNM3t3r
— 24.ae (@20fourMedia) July 23, 2026ووفق وسائل إعلام عالمية أقر مجلس النواب إطاراً منفصلاً للموازنة بقيمة 95 مليار دولار، يُخصص معظمه لتمويل الحرب ضد إيران، بينها 73 مليار دولار للقوات المسلحة ووكالات الاستخبارات.
وبحسب خبراء، فإن هذه التطورات "تشكل ملامح مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية، تمتزج فيها زيادة الإنفاق الدفاعي، وإعادة صياغة الخطاب العسكري".