قد يخيل للزائر أن الصحراء فضاء قاحل لا حياة فيه، غير أن المشهد ينقلب كليا حين تتكشف وسط امتدادها الفسيح بحيرات ذات ألوان زاهية تتلألأ مياهها الصافية، تحيط بها واحات نخيل باسقة وكثبان رملية ذهبية من كل الجهات. مفارقة آسرة تجعل الزائر يجد نفسه يسبح في مياه تعكس زرقة السماء، محاطا بعناصر طبيعية تتجاور على نحو نادر بين الماء والرمل والخضرة.

هذه الصورة الفريدة تتجسد في الصحراء الليبية التي تحتضن أكثر من 40 بحيرة وواحة، تتنوع حالاتها بين بحيرات مائية نشطة، وأخرى شبه جافة، وثالثة جافة تماما، فيما يبلغ عدد البحيرات التي لا تزال تحتفظ بالمياه نحو 11 بحيرة.

وتقع بحيرات الجنوب الليبي بالقرب من مدينة أوباري جنوب غربي ليبيا، ضمن إقليم فزان، في منطقة تعرف باسم "وادي الحياة"؛ وهو شريط طويل من الواحات والقرى، اشتهر بوجود بحيرات طبيعية تتوسط الرمال. ولم يطلق هذا الاسم عبثا، إذ شكلت المنطقة بيئة صالحة للاستقرار البشري منذ آلاف السنين، بفضل وفرة المياه الجوفية والبحيرات وانتشار زراعة النخيل.

وقد احتضنت المنطقة حضارة الجرمنت، إحدى أقدم الحضارات الصحراوية في تاريخ ليبيا وشمال إفريقيا. ومن أشهر بحيرات الجنوب الليبي:

شاهي وعزف على القيتار وسط الصحراء الليبية (الجزيرة)بحيرة قبر عون

تعد بحيرة قبر عون، التي يبلغ عمقها نحو 8 أمتار، واحدة من أجمل بحيرات الجنوب الليبي وأكثرها ارتيادا. تتميز بمياهها الدافئة والمالحة، وتحف بها أحزمة كثيفة من أشجار النخيل والقصب والنباتات الصحراوية، ما يجعلها ملاذا طبيعيا للحياة البرية. وتعد البحيرة وجهة مثالية للسباحة والتخييم والاسترخاء، إذ تحافظ مياهها على صفائها ودفئها على مدار العام، فيما يتناقل سكان المنطقة اعتقادا بأن لمياهها فوائد علاجية لبعض الأمراض الجلدية.

بحيرة قبر عون عمقها 8 أمتار تقريبا وتعد من أجمل البحيرات وأكثرها ارتيادا (الجزيرة)بحيرة أم الماء

حيث يسود الهدوء وتغمر السكينة المكان، تبرز بحيرة أم الماء كواحدة من أشهر بحيرات الجنوب الليبي. تتميز بشكلها الأسطواني الضيق، وتحيط بها أشجار النخيل ونباتات صغيرة من مختلف الجهات، في مشهد يمنح الزائر إحساسا بالعزلة والراحة. وتعد البحيرة خيارا مناسبا للاسترخاء والتأمل والتخييم بعيدا عن صخب الحياة.

بحيرة أم الماء من أشهر بحيرات الجنوب تتميز بشكلها الإسطواني الضيق وتحيط بها أشجار النخيل والنباتات الصغيرة (الجزيرة)بحيرة أم الحصان

تقع بحيرة أم الحصان بالقرب من بحيرة قبر عون، وتحيط بها النباتات الصحراوية، بينما ينفتح محيطها على مشهد واسع من الكثبان الرملية الناعمة. وتوفر البحيرة تجربة فريدة لمحبي الطبيعة، إذ تعد مناسبة للسباحة والاسترخاء والاستمتاع بعزلة الصحراء، فضلا عن التخييم وسط مشهد طبيعي خالص.

بحيرة الطرونة

تُعد بحيرة الطرونة من أكثر الظواهر الطبيعية إثارة في الجنوب الليبي، إذ تتميز بلونها الأحمر الزاهي، الناتج عن وجود أنواع من الطحالب والبكتيريا التي تفرز صبغات طبيعية تمنح مياهها هذا المظهر الفريد، لتتحول البحيرة إلى لوحة طبيعية نادرة وسط الصحراء.

بحيرة الطرونة التي تمتاز بلونها الأحمر الزاهي (الجزيرة)بحيرة تادمكا

تُعد بحيرة تادمكا من أصغر بحيرات الجنوب الليبي وأكثرها جمالا، إذ تغذيها المياه الجوفية وتحيط بها النباتات الصحراوية والحشائش، فتبدو من بعيد كجزيرة خضراء تتوسط امتداد الرمال، في مشهد يخطف الأنظار ويجسد تباين الصحراء الساحر.

بحيرة تادمكا من أصغر البحيرات وأكثرها جمالا (الجزيرة)تفاصيل الرحلة

تُعد الفترة الممتدة من منتصف أكتوبر/تشرين الأول حتى مارس/آذار أفضل وقت لزيارة بحيرات الجنوب الليبي، حيث يكون الطقس معتدلا ومناسبا للاستكشاف. وتحتاج الرحلة عادة إلى 5–6 أيام لزيارة هذه البحيرات الواقعة في عمق الصحراء الليبية والاستمتاع بتجربتها الفريدة.

إعلان

ولتنظيم الرحلة بأمان وراحة، يُنصح بالتنسيق مع إحدى شركات السياحة والسفر، وذلك بعد الوصول إلى العاصمة الليبية طرابلس عبر مطار معيتيقة الدولي. كما تتيح بعض البرامج السياحية قضاء ليلة أو أكثر في طرابلس، تتضمن جولة في المدينة القديمة والإقامة في أحد فنادق العاصمة، قبل الانطلاق نحو الجنوب.

تكتسب البحيرات جمالها من توسطها للكثبان الرملية الناعمة، وأشجار النخيل والنباتات الأخرى (الجزيرة)خيارات مرنة واقتصادية

بعض الشركات توفر خيارات مرنة للرحلات حسب رغبة السائح، فالخيار الاقتصادي يتيح للسياح الذين يمتلكون سيارات دفع رباعي ولكنهم بحاجة إلى مرشد سياحي ومسار تنقل واضح يمكنهم الانضمام إلى وفد السياح بسياراتهم، والتخييم والأكل بمفردهم. وتقدر تكلفة هذا الخيار بـ 550 دينارًا ليبيًا (نحو 100 دولار) ويشمل هذا السعر المبيت ليلة انطلاق الرحلة في أحد منتجعات أو فنادق سبها قبل دخول الصحراء، وبعد الخروج منها في طريق العودة.

أما الخيار الثاني، فهو أيضا مخصص لمن يمتلكون سيارات دفع رباعي ويرغبون في الترحال بسياراتهم لكن يحتاجون لمرشد سياحي ووجبات طعام والتخييم مع المجموعة، وتكلفة هذا الخيار 1750 دينارًا ليبيًا (نحو 200 دولار).

الخيار الثالث وهو الرحلة الفاخرة وتشمل التنقل من طرابلس وصولا إلى سبها والعودة، وركوب سيارات الدفع الرباعي والتجهيزات الكاملة للتخييم ووجبات الطعام اللذيذة ومرشد سياحي بالإضافة إلى الأنشطة الترفيهية المتنوعة، وتقدر تكلفة هذا الخيار بـ 2550 دينارًا ليبيًا (نحو 300 دولار).

مسار الرحلة

في اليوم الأول تنطلق الرحلة من العاصمة طرابلس في الصباح الباكر صوب مدينة سبها في الجنوب الليبي -هناك خيار الرحلة المباشرة من مطار معيتيقة إلى مطار سبها- إلا أن الشركات تفضل الطريق الصحراوي لما فيه من محطات متنوعة يقف عندها السياح في طريق وصولهم إلى أقصى الجنوب الليبي.

وعند الوصول إلى مدن الجنوب مثل سبها وأوباري، يتم إكمال بقية المسار الصحراوي بسيارات الدفع الرباعي.

وبعد قضاء ثلاثة إلى أربعة أيام في التنقل بين بحيرات الجنوب والاستمتاع بالأنشطة والتخييم وسط الصحراء، يعود السياح إلى مدينة سبها في اليوم الخامس والمبيت في أحد فنادقها ومنتجعاتها للراحة، وفي اليوم السادس يعود السياح إلى مدينة طرابلس.

تحتاج الرحلة عادة إلى 5–6 أيام لزيارة هذه البحيرات الواقعة في عمق الصحراء الليبية (الجزيرة)الأنشطة الترفيهية

عند وصولك إلى بحيرات الجنوب والتمتع بمناظرها الخلابة ومحاولة إدراكك كيف لهذه البحيرات المتلألئة أن تصمد في وجه قساوة الصحراء، لتكتشف أن المفارقة هي أن هذه البحيرات تكتسب جمالها من توسطها للكثبان الرملية الناعمة، وأشجار النخيل والنباتات الأخرى التي تعيش على ثمارها الطيور والحيوانات البرية، ها أنت تتساءل عن الأنشطة الترفيهية التي يمكنك القيام بها عدا عن التخييم، والتجمع في حلقة قرب النار وسماع حكايا وقصص عن المنطقة وبحيراتها يرويها سكان الجنوب. وفيما يلي بعض الأنشطة التي توفرها شركات الرحلات السياحية بما فيها المنظمة الليبية للسياحة:

ركوب سيارات الدفع الرباعي وجولة صحراوية عند غروب الشمس لاكتشاف المكان، ورياضات الرمال مثل لعب كرة القدم والسلة، والتزلج على الرمال لمحبي المغامرة، والسباحة في بحيرة قبر عون، ووجود راوٍ يعرف بالثقافة المحلية للمنطقة، وتذوق الأطعمة التقليدية، والتعرف على اللباس والحلي، وركوب الإبل.

إعلان

وبحسب حديث رئيس المنظمة إبراهيم شرفيد للجزيرة نت فإن إيطاليا تأتي في المرتبة الأولى كأكثر الجنسيات المشاركة في الرحلات الصحراوية للبحيرات وبعدها إسبانيا وبلغاريا ومن ثم تأتي هولندا، أما الجنسيات العربية الأكثر زيارة فهي تونس والجزائر والإمارات.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الصحراء اللیبیة الجزیرة بحیرة هذه البحیرات

إقرأ أيضاً:

هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو

لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.

ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.

بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.

الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعة

وفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.

ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.

إعلان

وفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.

ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.

ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.

وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.

لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.

وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.

ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.

وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.

وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:

سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلان

فقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.

ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.

غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.

وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.

الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطية

ليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.

وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".

ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.

وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.

ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.

الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا

تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.

ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".

ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".

وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.

الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقية

نالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.

إعلان

وتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.

وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).

ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.

وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.

وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.

إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر

في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.

غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.

وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.

مقالات مشابهة

  • “حواء”: المحاصصات أسهمت في تشكيل المشهد السياسي الليبي
  • وكيل جهاز أمن الدولة الأسبق يروي تفاصيل الساعات الأخيرة قبل إعدام سيد قطب
  • هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • تعرف على المرشحين لرئاسة الأعلى الليبي.. خلفيات وفرص
  • العبيدي: ليبيا فشلت في توفير البنزين وهي تطفو فوق بحيرات البترول
  • كيف يعيد قانون البحيرات والثروة السمكية تنظيم الاستثمار المائي؟
  • من فرنسا إلى أستراليا بلا توقف.. إيرباص تختبر أطول رحلة عالميا
  • مساران حيويان لربط الرياض بالباحة لتعزيز السياحة
  • الشحاتي: حرق الغاز المصاحب لا يزال أحد أكبر أوجه الهدر في قطاع الطاقة الليبي