من دافوس العالم نحو الفوضى الشاملة: حين تنقلب القوة الأمريكية على النظام الذي صنعته!
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
لم تعد مؤشرات الانهيار في النظام الدولي مسألة تقدير أو تحليل نظري، بل باتت حقائق تُعلن من داخل المعسكر الغربي نفسه. فحين يخرج الرئيس الفرنسي، ورئيسا وزراء كندا والدنمارك، ليعبّروا علنا عن القلق من السلوك الأمريكي، فإن ذلك لا يعكس خلافا عابرا بين حلفاء، بل يكشف تصدّعا عميقا في بنية النظام الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
نحن أمام لحظة تاريخية يتحوّل فيها مركز النظام الدولي من عامل استقرار إلى مصدر اضطراب، وتصبح القوة الراعية للقواعد أول من ينقضها. إن السياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة اليوم، ولا سيما في ظل العقلية التي يمثلها دونالد ترامب، لا تقوم على إدارة النظام الدولي، بل على تفكيكه من الداخل. فالعلاقات الدولية لم تعد تُدار بمنطق الاستمرارية والمسؤولية، بل بمنطق الصفقة القصيرة الأجل، والحسابات الانتخابية، والمصلحة الضيقة. الحليف لم يعد شريكا استراتيجيا، بل عبئا ماليا، والالتزام لم يعد قيمة سياسية، بل قيدا قابلا للإلغاء. أما القانون الدولي، فقد جرى اختزاله إلى أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم المصلحة، ويُتجاوز حين تعيقها.
هذا التحوّل يعكس عودة صريحة إلى عقلية توسعية قديمة، تستعيد مبدأ مونرو ولكن بصيغة أكثر شمولا وخطورة. لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى نفسها كطرف يقود نظاما دوليا، بل كقوة تمتلك هذا النظام وتحتفظ بحق تعطيله متى شاءت. العالم، في هذا المنظور، ليس فضاء للتوازن، بل ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ بالقوة السياسية والاقتصادية، دون اعتبار حقيقي لسيادة الدول أو لاستقرار المنظومة الدولية. وحين تتحول الهيمنة إلى ذهنية حكم، تصبح الفوضى نتيجة حتمية لا عرضا جانبيا.
ويتجلّى هذا المسار بوضوح في طريقة التعامل مع حلف شمال الأطلسي، فالتشكيك المتكرر في جدوى الحلف، واتهام الحلفاء بالتقصير، لا ينبع من قراءة استراتيجية موضوعية، بل من محاولة لإعادة صياغة العلاقة على أساس التبعية الصريحة. والمفارقة أن الولايات المتحدة، التي تصوّر نفسها على أنها المتضرر الأكبر، تتجاهل حقيقة أن الحلف كان أحد أهم أدوات نفوذها العالمي. فمن خلاله ضمنت السيطرة على القرار الأمني الأوروبي، ورسّخت حضورها العسكري، وفتحت أسواقا واسعة لصناعاتها، وأحكمت تطويق خصومها من دون الانجرار إلى حروب مباشرة. إن ضرب هذا الحلف لا يعني تخفيف الأعباء، بل تقويض أحد أعمدة السيطرة الأمريكية ذاتها، وفتح الباب أمام اختلالات استراتيجية لا يمكن احتواؤها بسهولة.
ومع تآكل الثقة التي تحدث عنها رئيس الوزراء الكندي من دافوس بين الولايات المتحدة وحلفائها، يتسع الفراغ في بنية النظام الدولي. وهذا الفراغ لا يُملأ بالقانون، بل بالقوة، ولا يُعالج بالتوافق، بل بالصدام. حين تشعر الدول بأن الضمانات لم تعد قائمة، وأن التحالفات لم تعد موثوقة، فإنها تتجه تلقائيا إلى منطق الاعتماد على الذات، وإلى سباقات تسلّح، وإلى سياسات ردع أحادية. وهكذا يتحول العالم من نظام قابل للإدارة، مهما كان غير عادل، إلى ساحة تنافس مفتوح بلا قواعد واضحة ولا خطوط فاصلة.
يكمن الخطر الحقيقي أن هذا المسار لا يقود إلى إعادة توازن، بل إلى فوضى شاملة. فحين تُفكَّك القواعد، وتُهمَّش المؤسسات الدولية، وتُختزل العلاقات بين الدول في منطق القوة العارية، يصبح إشعال النزاعات أسهل من احتوائها، وتتحول الأزمات المحلية إلى صراعات إقليمية، ثم إلى تهديدات عالمية. وفي عالم كهذا، لا يبقى الاستقرار استثناء، بل يصبح الاضطراب هو القاعدة.
وهنا تبرز المسؤولية التاريخية للولايات المتحدة، لا بوصفها دولة بين دول، بل بوصفها الراعي الذي صاغ النظام الدولي ورعاه لعقود. فالمسؤولية لا يمكن توزيعها بالتساوي، ولا يجوز تمييعها تحت عناوين عامة عن تحولات القوة؛ حين تختار القوة التي أنشأت القواعد أن تنقلب عليها، فإنها لا تسحب الغطاء عن الآخرين فحسب، بل تهدم السقف فوق الجميع.
ببساطة، إن ما يجري اليوم ليس عجزا عن القيادة، بل تخلٍّ متعمّد عنها. فالسياسات الأمريكية الراهنة تضرب أسس النظام الدولي عن قصد، عبر إفراغ التحالفات من مضمونها، وتقويض القانون الدولي، وتحويل الفوضى إلى أداة إدارة. وحين يقوم الراعي نفسه بخلع الضوابط، فإن العالم لا يتجه إلى نظام بديل، بل إلى افتراس متبادل بلا مرجعية. والأخطر أن واشنطن تراهن على أن حجم قوتها سيمنحها حصانة دائمة من ارتدادات هذا المسار، غير أن التاريخ يثبت أن الفوضى لا تُدار، ولا تُحتوى، ولا تبقى محصورة في الأطراف. فالقوى التي تحرق القواعد التي تحميها، سرعان ما تكتشف أن القوة بلا نظام ليست ضمانة، بل عبئا، وأن التفوق في عالم بلا ضوابط يتحول إلى استنزاف دائم.
وعليه، فإن العالم لا يقف اليوم على أعتاب فوضى محتملة، بل يسير نحوها بخطى ثابتة. والتاريخ لن يدوّن هذه المرحلة باعتبارها لحظة تراجع أمريكي فحسب، بل كلحظة قررت فيها القوة الراعية أن تتخلى عن مسؤوليتها، فدفعت بالنظام الدولي إلى حافة الانهيار. وفي عالم بلا قواعد، لا ينجو أحد، بما في ذلك من ظنّ نفسه ذات يوم بأنه مُحيد.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء القوة ترامب حلف امريكا حلف قوة ترامب قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة النظام الدولی لم تعد
إقرأ أيضاً:
البنتاجون يُخطط للانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من نظام الدفاع الأوروبي
قالت صحيفة "فيلت" نقلا عن مسؤول كبير في وزارة الحرب الأمريكية، إن البنتاجون يعتزم تقديم خطط ملموسة للانسحاب الجزئي لقواته من نظام الدفاع الأوروبي في يونيو خلال مؤتمر "الناتو".
وقال مصدر في "البنتاجون" في تصريح صحفي: "سيتم دمج هذه التغييرات في مقترحنا بشأن القوات والقدرات العسكرية خلال مؤتمر حلف "الناتو" في يونيو المقبل.
وتابع: "نريد تزويد الحلفاء بالمعلومات والوضوح اللازمين لتسريع الانتقال إلى نظام دفاع أوروبي بأسرع وقت وأكثر فعالية ممكنة، حيث يتحمل الحلفاء المسؤولية الرئيسية عن الدفاع التقليدي لأوروبا".
وأشارت الصحيفة إلى أن ألمانيا وحلفاء أوروبيين آخرين في حلف "الناتو" كانوا على دراية منذ فترة طويلة بنية الولايات المتحدة التخلي عن دورها كحام رئيسي. ومع ذلك، افترضت الأوساط الحكومية الألمانية أن هذه العملية ستكون تدريجية ومنسقة. والآن، تحرم واشنطن الأوروبيين فعليا من فترة انتقالية طويلة، كما نقلت صحيفة "فيلت".
في سياق آخر قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأحد، في تصريحات لقناة "فوكس نيوز" إن إيران وافقت على عدم امتلاك أسلحة نووية.
وفي وقت سابق، أفادت تقارير أمريكية عن مسؤول رفيع المستوى في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأن مسؤولًا أمريكيًا كبيرًا أشار إلى أن "الأمور قد تتضح بشأن الاتفاق النووي مع إيران، نهاية الأسبوع المقبل"، مؤكدًا أن الولايات المتحدة "مستعدة للانتظار"، وفق تعبيره.
وقال المسؤول الأمريكي: "ستتم الصفقة. سنرى إن كانت حتمية، نحن مستعدون للانتظار حتى يحصل الرئيس على ما يطلبه. ربما أسبوع. ربما أقل. ربما أكثر. نأمل أن نتوصل إلى نتيجة ما بحلول نهاية الأسبوع".
في سياق آخر أصدرت الأمم المتحدة، 3 تقارير، ترسم صورة قاتمة للوضع الإنساني في السودان، محذرة من تفشي الجوع واتساع النزوح وتدهور أوضاع النساء والفتيات.
ومع دخول الحرب عامها الرابع منذ اندلاعها في أبريل 2023، تتزايد التحديات أمام وكالات الإغاثة الدولية في الاستجابة لاحتياجات ملايين المتضررين.
وتشير التقارير الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إلى أن الأزمة السودانية لم تعد تقتصر على تداعيات العمليات العسكرية، بل تحولت إلى أزمة إنسانية متعددة الأبعاد تشمل الأمن الغذائي والصحة والحماية والنزوح والخدمات الأساسية.
قصف وإطلاق نار إسرائيلي يستهدف مناطق شرقي غزة
أفادت مصادر فلسطينية، الأحد، بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي نفذت عمليات قصف مدفعي ونسف وإطلاق نار استهدفت مناطق شرقي قطاع غزة، في ظل استمرار التوترات الميدانية والاتهامات المتبادلة بشأن خروقات اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025.
ونقل المركز الفلسطيني للإعلام عن مصادر فلسطينية قولها إن القوات الإسرائيلية نفذت عملية نسف شرقي مدينة غزة، بالتزامن مع تجدد القصف المدفعي على مناطق شرقي حي الزيتون جنوب شرقي المدينة.
وأضافت المصادر أن زوارق حربية إسرائيلية أطلقت النار قبالة سواحل مدينة غزة وكذلك قبالة مدينة خان يونس، فيما استهدفت آليات إسرائيلية مناطق شرقي ووسط خان يونس بإطلاق نار مباشر، بحسب الرواية الفلسطينية.
من ناحية أخرى أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة اللبنانية، أن الحصيلة التراكمية الإجمالية للعدوان الإسرائيلي منذ الثاني من مارس الماضي وحتى الثلاثين من مايو الجاري ارتفعت إلى 3371 شهيدًا و10129 جريحًا.
وأوضح المركز في بيان أن هذه الأرقام تعكس حجم الخسائر البشرية الناجمة عن الاعتداءات المستمرة التي طالت مناطق عدة في لبنان خلال الفترة المذكورة، وسط استمرار عمليات الرصد والتوثيق للحالات التي تصل إلى المستشفيات والمراكز الصحية.
وأشار البيان إلى أن الجهات الصحية تواصل متابعة الأوضاع الميدانية وتقديم الرعاية الطبية للمصابين، في ظل التحديات التي يفرضها التصعيد الأمني وتزايد أعداد الضحايا والجرحى.