لم تعد مؤشرات الانهيار في النظام الدولي مسألة تقدير أو تحليل نظري، بل باتت حقائق تُعلن من داخل المعسكر الغربي نفسه. فحين يخرج الرئيس الفرنسي، ورئيسا وزراء كندا والدنمارك، ليعبّروا علنا عن القلق من السلوك الأمريكي، فإن ذلك لا يعكس خلافا عابرا بين حلفاء، بل يكشف تصدّعا عميقا في بنية النظام الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.



نحن أمام لحظة تاريخية يتحوّل فيها مركز النظام الدولي من عامل استقرار إلى مصدر اضطراب، وتصبح القوة الراعية للقواعد أول من ينقضها. إن السياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة اليوم، ولا سيما في ظل العقلية التي يمثلها دونالد ترامب، لا تقوم على إدارة النظام الدولي، بل على تفكيكه من الداخل. فالعلاقات الدولية لم تعد تُدار بمنطق الاستمرارية والمسؤولية، بل بمنطق الصفقة القصيرة الأجل، والحسابات الانتخابية، والمصلحة الضيقة. الحليف لم يعد شريكا استراتيجيا، بل عبئا ماليا، والالتزام لم يعد قيمة سياسية، بل قيدا قابلا للإلغاء. أما القانون الدولي، فقد جرى اختزاله إلى أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم المصلحة، ويُتجاوز حين تعيقها.

هذا التحوّل يعكس عودة صريحة إلى عقلية توسعية قديمة، تستعيد مبدأ مونرو ولكن بصيغة أكثر شمولا وخطورة. لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى نفسها كطرف يقود نظاما دوليا، بل كقوة تمتلك هذا النظام وتحتفظ بحق تعطيله متى شاءت. العالم، في هذا المنظور، ليس فضاء للتوازن، بل ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ بالقوة السياسية والاقتصادية، دون اعتبار حقيقي لسيادة الدول أو لاستقرار المنظومة الدولية. وحين تتحول الهيمنة إلى ذهنية حكم، تصبح الفوضى نتيجة حتمية لا عرضا جانبيا.

ويتجلّى هذا المسار بوضوح في طريقة التعامل مع حلف شمال الأطلسي، فالتشكيك المتكرر في جدوى الحلف، واتهام الحلفاء بالتقصير، لا ينبع من قراءة استراتيجية موضوعية، بل من محاولة لإعادة صياغة العلاقة على أساس التبعية الصريحة. والمفارقة أن الولايات المتحدة، التي تصوّر نفسها على أنها المتضرر الأكبر، تتجاهل حقيقة أن الحلف كان أحد أهم أدوات نفوذها العالمي. فمن خلاله ضمنت السيطرة على القرار الأمني الأوروبي، ورسّخت حضورها العسكري، وفتحت أسواقا واسعة لصناعاتها، وأحكمت تطويق خصومها من دون الانجرار إلى حروب مباشرة. إن ضرب هذا الحلف لا يعني تخفيف الأعباء، بل تقويض أحد أعمدة السيطرة الأمريكية ذاتها، وفتح الباب أمام اختلالات استراتيجية لا يمكن احتواؤها بسهولة.

ومع تآكل الثقة التي تحدث عنها رئيس الوزراء الكندي من دافوس بين الولايات المتحدة وحلفائها، يتسع الفراغ في بنية النظام الدولي. وهذا الفراغ لا يُملأ بالقانون، بل بالقوة، ولا يُعالج بالتوافق، بل بالصدام. حين تشعر الدول بأن الضمانات لم تعد قائمة، وأن التحالفات لم تعد موثوقة، فإنها تتجه تلقائيا إلى منطق الاعتماد على الذات، وإلى سباقات تسلّح، وإلى سياسات ردع أحادية. وهكذا يتحول العالم من نظام قابل للإدارة، مهما كان غير عادل، إلى ساحة تنافس مفتوح بلا قواعد واضحة ولا خطوط فاصلة.

يكمن الخطر الحقيقي أن هذا المسار لا يقود إلى إعادة توازن، بل إلى فوضى شاملة. فحين تُفكَّك القواعد، وتُهمَّش المؤسسات الدولية، وتُختزل العلاقات بين الدول في منطق القوة العارية، يصبح إشعال النزاعات أسهل من احتوائها، وتتحول الأزمات المحلية إلى صراعات إقليمية، ثم إلى تهديدات عالمية. وفي عالم كهذا، لا يبقى الاستقرار استثناء، بل يصبح الاضطراب هو القاعدة.

وهنا تبرز المسؤولية التاريخية للولايات المتحدة، لا بوصفها دولة بين دول، بل بوصفها الراعي الذي صاغ النظام الدولي ورعاه لعقود. فالمسؤولية لا يمكن توزيعها بالتساوي، ولا يجوز تمييعها تحت عناوين عامة عن تحولات القوة؛ حين تختار القوة التي أنشأت القواعد أن تنقلب عليها، فإنها لا تسحب الغطاء عن الآخرين فحسب، بل تهدم السقف فوق الجميع.

ببساطة، إن ما يجري اليوم ليس عجزا عن القيادة، بل تخلٍّ متعمّد عنها. فالسياسات الأمريكية الراهنة تضرب أسس النظام الدولي عن قصد، عبر إفراغ التحالفات من مضمونها، وتقويض القانون الدولي، وتحويل الفوضى إلى أداة إدارة. وحين يقوم الراعي نفسه بخلع الضوابط، فإن العالم لا يتجه إلى نظام بديل، بل إلى افتراس متبادل بلا مرجعية. والأخطر أن واشنطن تراهن على أن حجم قوتها سيمنحها حصانة دائمة من ارتدادات هذا المسار، غير أن التاريخ يثبت أن الفوضى لا تُدار، ولا تُحتوى، ولا تبقى محصورة في الأطراف. فالقوى التي تحرق القواعد التي تحميها، سرعان ما تكتشف أن القوة بلا نظام ليست ضمانة، بل عبئا، وأن التفوق في عالم بلا ضوابط يتحول إلى استنزاف دائم.

وعليه، فإن العالم لا يقف اليوم على أعتاب فوضى محتملة، بل يسير نحوها بخطى ثابتة. والتاريخ لن يدوّن هذه المرحلة باعتبارها لحظة تراجع أمريكي فحسب، بل كلحظة قررت فيها القوة الراعية أن تتخلى عن مسؤوليتها، فدفعت بالنظام الدولي إلى حافة الانهيار. وفي عالم بلا قواعد، لا ينجو أحد، بما في ذلك من ظنّ نفسه ذات يوم بأنه مُحيد.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء القوة ترامب حلف امريكا حلف قوة ترامب قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة النظام الدولی لم تعد

إقرأ أيضاً:

المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: مؤتمر القدس بالقاهرة جاء لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي

قال السفير رياض منصور، المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، إن عقد المؤتمر السنوي للقدس في القاهرة جاء في توقيت مهم لإعادة تسليط الضوء على القضية الفلسطينية، في ظل محاولات الحكومة الإسرائيلية صرف أنظار العالم عن القدس واستمرار التصعيد في المنطقة.

رياض منصور : اختيار القاهرة لاستضافة مؤتمر القدس يعكس دور مصر التاريخي في دعم القضية الفلسطينيةالقدس : الاقتحامات الإسرائيلية برعاية رسمية من حكومة نتنياهو

وأوضح “منصور” يحدث في مصر، أن المؤتمر جاء بدعم من مصر وبالتعاون بين لجنة فلسطين في الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، مؤكدًا أن انعقاده في القاهرة يعكس الدور المصري الداعم للقضية الفلسطينية.

وأضاف أن المؤتمر يهدف إلى التأكيد على مكانة القدس باعتبارها جزءًا أساسيًا من الدولة الفلسطينية، وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العربي والدولي، مشيرًا إلى أن المؤتمر لم يقتصر على الجانب السياسي، بل تناول أيضًا البعد الروحي للقدس بمشاركة رجال دين مسلمين ومسيحيين.

وأكد أن نتائج المؤتمر فاقت التوقعات، معتبرًا أنه وجه رسالة واضحة بشأن المخاطر التي تواجه مدينة القدس، في ظل ما وصفه بمحاولات تهجير الفلسطينيين وطمس الهوية الفلسطينية للمدينة.

طباعة شارك العالم_العربي الدبلوماسية مؤتمر القضية_الفلسطينية فلسطين

مقالات مشابهة

  • ‏ترامب: سداد قيمة أي أضرار تلحق بالسفن باستخدام الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة
  • المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: مؤتمر القدس بالقاهرة جاء لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي
  • عزلة القوة.. الفراغ الأمريكي يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيلية
  • الحكم الدولي أمين عمر يكشف كواليس مباريات كأس العالم 2026 السبت المقبل
  • صحيفة أمريكية تكشف حجم الخسائر الثقيلة التي تعرضت لها القوات الأمريكية بسبب الهجمات الإيرانية
  • نائب وزير الخارجية : من يورّط نفسه مع النظام السعودي سيدفع الثمن
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • جمال سلمان: ترامب لا يريد إسقاط النظام الإيراني
  • عن عودة السلاطين ومشروع الفوضى
  • وزير الدولة للتعاون الدولي تجتمع مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والأمين التنفيذي لـ "الإسكوا"