لغز حير العلماء قرونا: كيف ترى الطيور من دون أكسجين؟
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
تعمل شبكية عين الطيور بشكل دائم تقريبا من دون أكسجين، رغم أنها من أكثر أنسجة الجسم استهلاكا للطاقة، بعكس المعلوم سابقا في علم الأحياء أن الخلايا العصبية البشرية لا تتحمل الحرمان من الأكسجين، حسب نتائج دراسة جديدة نشرت يوم 21 يناير/كانون الثاني في مجلة "نيتشر" (Nature).
أظهرت النتائج أن خلايا الشبكية تعتمد على إنتاج الطاقة اللاهوائي، بينما لا يزودها تركيب قديم غامض يدعى "المشط العيني" بالأكسجين كما كان يعتقد، بل ينقل السكر إلى الشبكية ويتخلص من نواتج الأيض.
حسب الدراسة، يغير هذا الاكتشاف فهما استمر قرونا، وقد يفتح آفاقا جديدة لفهم تلف الأنسجة البشرية في حالات نقص الأكسجين مثل السكتات الدماغية.
يوضح الباحث الرئيسي في الدراسة كريستيان دامسغارد، أستاذ علم الأحياء في جامعة آرهوس الدنماركية، أن في معظم الحيوانات، تغذى الأنسجة العصبية بشبكة كثيفة من الأوعية الدموية الدقيقة التي تنقل الأكسجين مباشرة إلى الخلايا. وشبكية العين -بوصفها امتدادا مباشرا للدماغ- ليست استثناء، بل تعد من أكثر الأنسجة استهلاكا للطاقة في الجسم كله؛ لكن الطيور مختلفة.
ويضيف في تصريحات للجزيرة نت: "تخلو شبكية أعين الطيور تماما من الأوعية الدموية، وهي خاصية يعتقد أنها تمنحها ميزة بصرية مهمة، إذ لا تعيق الأوعية مرور الضوء قبل وصوله إلى الخلايا الحساسة للرؤية. غير أن هذه الميزة تطرح سؤالا محوريا: كيف تبقى الشبكية حية وتعمل بكفاءة من دون أكسجين؟ ووفقا لكل ما نعرفه عن الفسيولوجيا، لا ينبغي لهذا النسيج أن يعمل أصلا"
لأكثر من 300 عام، افترض العلماء أن بنية غريبة (غنية بالأوعية الدموية) داخل عين الطائر تعرف باسم "المشط العيني" هي التي تحل المشكلة وتزود الشبكية بالأكسجين.
إعلانلكن هذا الافتراض لم يختبر مباشرة، بسبب الصعوبة التقنية البالغة في قياس مستويات الأكسجين داخل عين طائر حي من دون التأثير في حالته الطبيعية، حسب كريستيان، الذي يقول إنه وبعد سنوات من العمل، نجح الفريق أخيرا في إجراء هذه القياسات الدقيقة.
ويضيف: "وجاءت النتيجة مفاجئة: المشط العيني لا يزود الشبكية بالأكسجين على الإطلاق، بل إن نحو نصف الشبكية يعمل في حالة حرمان مزمن من الأكسجين".
استخدم الباحثون تقنية متقدمة تعرف بـ"النسخ المكاني"، تتيح رسم خريطة دقيقة لنشاط الجينات داخل النسيج؛ وكشفت النتائج أن الطبقات الداخلية من الشبكية تعتمد بشكل شبه كامل على إنتاج الطاقة اللاهوائي، أي تكسير السكر من دون استخدام الأكسجين.
يقول الفريق إن هذه الطريقة أقل كفاءة بكثير، إذ تنتج طاقة أقل بنحو 15 مرة مقارنة بالمسار المعتمد على الأكسجين؛ وهنا برز السؤال الأكثر إرباكا: كيف يمكن لنسيج شديد الاستهلاك للطاقة أن يعتمد على نظام غير كفء كهذا؟
أعاد هذا التناقض العلماء إلى المشط العيني مرة أخرى، لكن بدور مختلف تماما، إذ أظهرت التحليلات أن هذه البنية تعمل كمحطة إمداد غذائي لا كمصدر للأكسجين؛ فهي تضخ كميات كبيرة من السكر إلى الشبكية، وفي المقابل تساعد على التخلص من الفضلات الناتجة عن إنتاج الطاقة اللاهوائي، أي أن المشط العيني يزود الشبكية بالوقود، لا بالهواء، حسب المؤلف الرئيسي للدراسة.
يقول كريستيان إن هذا الاكتشاف "يغير فهما استمر قرونا"، ويضيف أن العلم لا يبني معرفة جديدة فقط، بل يضطر أحيانا إلى تفكيك تصورات قديمة بالكامل.
ويشير الباحث إلى أن ما يحدث في شبكية الطيور يشبه -بشكل معاكس- ما يفشل فيه النسيج العصبي البشري في أثناء السكتات الدماغية؛ فالمشكلة لا تكمن في نقص الأكسجين وحده، بل أيضا في تراكم الفضلات الأيضية، وهي فضلات عملية تحويل الطعام لطاقة، مثل ثاني أكسيد الكربون، واليوريا (من البروتينات)، وحمض اليوريك، والأملاح، والماء الزائد.
يعتقد الباحث أن فهم كيفية تعامل الطيور مع هذا الوضع يمكن أن يفتح آفاقا جديدة للتفكير في علاج الأمراض العصبية، ليس فقط عبر زيادة الأكسجين، بل من خلال إعادة تنظيم طرق إنتاج الطاقة والتخلص من الفضلات.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات إنتاج الطاقة من دون
إقرأ أيضاً:
من المتوسط إلى سيناء.. كيف توسع مصر خريطة التنقيب عن الطاقة؟
توسع مصر نطاق البحث والاستكشاف عن النفط والغاز عبر خريطة تمتد من البحر المتوسط ودلتا النيل إلى شمال سيناء والصحراء الشرقية، في تحرك يستهدف تنويع مناطق العمل، وزيادة فرص الوصول إلى اكتشافات جديدة، ورفع كفاءة استغلال البيانات الجيولوجية والسيزمية المتاحة.
رئيس الهيئة العامة للبترول السابق لـ"24": تنوع مناطق الحفر ومرونة التعاقدات يعززان فرص جذب الاستثمارات
مدحت يوسف: الشركاء الأجانب لن يمولوا الحفر دون مؤشرات.. ونجاح خطة الـ101 بئر يُقاس بالاكتشافات والاحتياطيات لا بعدد الآبار
ووافق مجلس النواب المصري، الأربعاء، على 4 مشروعات قوانين مقدمة من الحكومة بشأن اتفاقيات للبحث عن البترول والغاز واستغلالهما، في خطوة تستهدف دعم خطط الدولة لزيادة الإنتاج، وجذب المزيد من الاستثمارات، وتعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية.
ويشمل القرار مناطق شرق الإسكندرية البحرية، وشمال طنطا الأرضية، ومنطقة الفيروز في شمال سيناء، إلى جانب إعادة إسناد منطقة حقل عسران بشمال عامر في الصحراء الشرقية.
تتضمن الاتفاقيات حداً أدنى من الاستثمارات يقترب من 53 مليون دولار، مع حفر ست آبار على الأقل، إلى جانب تنفيذ مسوح سيزمية وإعادة معالجة بيانات سابقة في بعض مناطق الامتياز.
وتستحوذ منطقة شرق الإسكندرية البحرية على النصيب الأكبر من الالتزامات الاستثمارية، من خلال اتفاقية بين الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" وشركة "كايرون إيجيبت دلتا ليمتد"، باستثمارات لا تقل عن 42.2 مليون دولار، وحفر ثلاث آبار استكشافية، فضلاً عن إعادة معالجة البيانات السيزمية المتاحة.
وفي شمال سيناء، تتضمن اتفاقية منطقة الفيروز استثمارات لا تقل عن 6.37 مليون دولار، لإجراء مسح سيزمي ثلاثي الأبعاد وإعادة معالجة البيانات القديمة، إلى جانب حفر بئر استكشافية.
وتشمل التحركات أيضاً بدء أعمال جديدة للبحث عن الغاز والزيت الخام في منطقة شمال طنطا بدلتا النيل، ومواصلة البحث والتنمية والإنتاج في حقل عسران بالصحراء الشرقية، بما يجمع بين استكشاف مناطق جديدة وزيادة الاستفادة من الحقول القائمة.
تنوع مؤسسييقول المهندس مدحت يوسف، الرئيس السابق للهيئة العامة للبترول، إن تنوع مناطق الاتفاقيات ليس توجهاً جديداً في حد ذاته، لكنه يعكس البناء المؤسسي الذي يتبعه قطاع البترول في توزيع مسؤوليات البحث والاستكشاف.
ويوضح يوسف لـ"24"، أن هذا النهج يبدأ منذ إنشاء الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس"، والشركة القابضة لجنوب الوادي، بهدف تحقيق التخصص المكاني والنوعي في اتفاقيات البحث والاستكشاف، وتخفيف العبء عن الهيئة العامة للبترول التي كانت مسؤولة قبل إنشاء الشركتين عن غالبية تلك الأنشطة.
ويضيف أن هذا التقسيم يسمح بدراسة العروض من خلال لجان متنوعة وذات اختصاصات مختلفة، بما يسرع عملية البت والإسناد إلى الشركات القادرة على الاستثمار وتمويل عمليات البحث والاستكشاف، التي تحتاج إلى محافظ تمويلية ضخمة.
مصر تؤمّن مستقبل الغاز بعقود استراتيجية بعيداً عن "السوق الفورية"https://t.co/pySnFcBlU2 pic.twitter.com/CvgklpZuYb
— 24.ae (@20fourMedia) July 23, 2026 خطة 101 بئروتستهدف مصر حفر 101 بئر استكشافية خلال 2026، ضمن برنامج أوسع يمتد حتى 2030 ويشمل مئات الآبار الجديدة، بهدف دعم الاحتياطيات وزيادة فرص إضافة إنتاج محلي جديد.
ويرى يوسف أن الخطة قابلة للتنفيذ، أو يمكن تنفيذ أجزاء كبيرة منها، لكن الحكم على وتيرتها يحتاج إلى معرفة توزيع الآبار بين الحفر البري والبحري، وليس فقط توزيعها الجغرافي.
ويقول: "الحفر الأرضي لا يتطلب فترات زمنية طويلة، ويمكن تنفيذ عدد من الآبار خلال مدد قصيرة ومحددة، أما الآبار البحرية، سواء في المياه الضحلة أو العميقة، فتحتاج إلى فترات أطول واستثمارات أكبر".
ويشير إلى أن تكلفة إيجار الحفارات البحرية ترتفع بصورة كبيرة مقارنة بالحفر الأرضي، ولذلك فإن قراءة الخطة تحتاج إلى تحديد عدد الآبار البحرية والبرية، لأن كل نوع يرتبط بجدول زمني وتكلفة ومخاطر تشغيلية مختلفة، مضيفاً أن أهمية الخطة لا تقاس بعدد الآبار المستهدف حفرها فقط، وإنما بنتائج الحفر وحجم الاحتياطيات المؤكدة ومعدلات الإنتاج التي يمكن أن تضيفها الاكتشافات الجديدة.
ويلفت إلى أن تحمل الشركاء الأجانب جانباً كبيراً من مسؤولية تمويل عمليات الحفر يمثل مؤشراً على وجود توقعات فنية واعدة، لأن المستثمر لا يوجه أموالاً إلى منطقة جديدة من دون دراسات جيولوجية وسيزمية تمنحه قدراً مقبولاً من الثقة في احتمالات النجاح.
البيانات السيزميةويقول الرئيس السابق للهيئة العامة للبترول، إن "إعادة معالجة البيانات الجيولوجية والسيزمية التي سبق جمعها عن مناطق البحث تساعد المختصين على تحديد الأولويات، وتسهل سرعة اتخاذ قرارات الحفر". وتشمل بعض الاتفاقيات الجديدة إعادة معالجة بيانات سيزمية متاحة، إلى جانب تنفيذ مسوح سيزمية ثلاثية الأبعاد في مناطق البحث.
ويقول يوسف إن "مرونة الاتفاقيات البترولية، بما يخدم مصالح الأطراف ويسهل التعامل مع المتغيرات، تساعد المستثمرين على تحقيق التوازن التعاقدي"، مضيفاً أن وضوح بنود الاتفاقيات وسهولة تفسيرها يسهمان في "تيسير عمل الشركات داخل مناطق البحث والاستكشاف".
مستحقات الشركاءويرى يوسف أن التزام قطاع البترول والدولة بسداد مستحقات الشركاء الأجانب، سواء المتعلقة بمصروفات البحث والاستكشاف والإنتاج أو بحصة الشريك الأجنبي، يعالج مشكلة استمرت لفترة طويلة في العلاقة بين الهيئة العامة للبترول والشركات الأجنبية.
ويوضح أن التزام مصر بسداد كامل المستحقات وفوائد التأخير، من دون اللجوء إلى القضاء، يمثل ضمانة لاستثمارات الشركاء الأجانب، ويدعم استمرارهم في تمويل أعمال البحث والاستكشاف.