شهدت القاعة الدولية ببلازا (2)، ضمن محور «كتاب وجوائز» بفعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، ندوة بعنوان «جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية»، أدارها الكاتب الصحفي سيد محمود، الصحفي بجريدة الأهرام، وذلك احتفاءً بمسيرة الروائية العراقية إنعام كجه جي، الحاصلة على الجائزة عن روايتها «الحفيدة الأمريكية»، وتقديرًا لمجمل أعمالها الأدبية والصحفية.

وفي مستهل الندوة، تحدثت إنعام كجه جي عن أهمية دور الصحفي والكاتب في توثيق الشخصيات المغمورة والحِرف الشعبية، خاصة تلك المهددة بالاندثار، مؤكدة أن إهمال هذا التوثيق يعني ضياع تجارب إنسانية كاملة تُدفن مع أصحابها. وأعربت عن شغفها بتسجيل حكايات البشر البسطاء، معتبرة أن الكتابة مسؤولية أخلاقية تجاه الذاكرة الإنسانية.

وأوضحت أنها تختار شخصيات رواياتها بعناية شديدة، وتغوص في تفاصيل حياتهم، معتمدة في كثير من أعمالها على شخصيات حقيقية تعيد تشكيلها أدبيًا مع تغيير الأسماء، كاشفة من خلالها وقائع وأحداثًا تعود إلى أكثر من خمسين عامًا.
وخلال فتح باب الأسئلة، أعربت الروائية عن سعادتها الكبيرة بوجودها في مصر وبالتعاون مع الدار المصرية اللبنانية، مؤكدة أن القاهرة تظل حلمًا لكل كاتب عربي، لا سيما من جاء من خلفية صحفية.

من جانبه، أشار الكاتب الصحفي عمرو خفاجي إلى التجربة الصحفية الحقيقية التي خاضتها إنعام كجه جي في العراق، موضحًا أن الوقت قد حان لتوثيق تلك التجارب القاسية في كتب، خاصة أنها عايشت أحداثًا مفصلية في تاريخ العراق خلال فترات عصيبة، معتبرًا أن هذا النوع من الصحفيين بات نادرًا.

بدورها، شددت الروائية على أنها «ليست كاتبة فضائح»، موضحة أنه لو أرادت الخوض في دهاليز الصحافة العربية والعالمية لكشفت وقائع «لا تُصدّق»، مستشهدة بحكايات عايشتها بنفسها، من بينها قصة صحيفة كانت تجمع تبرعات بحجة إرسال عمال فقراء لأداء فريضة الحج، بينما استولى رئيس تحريرها على الأموال.

وكشفت إنعام كجه جي أنها عملت بالصحافة في العراق لمدة سبع سنوات، من عام 1970 حتى 1977، في جريدة ناطقة باسم حزب البعث آنذاك، وهي جريدة «الثورة»، حيث روت واقعة تعرضها لأزمة بسبب تغطية صحفية تضمنت أغنية ذات دلالة سياسية، ما تسبب في اتهامها بالانتماء إلى الحزب الشيوعي، قبل أن يتدخل مدير التحرير في ذلك الوقت ناجي صبري الحديدي لحل الأزمة.

وأكدت أن الأزمات الصحفية تتشابه في كل دول العالم، وأن الصحفي غالبًا ما يُنظر إليه باعتباره «مُسببًا للمشاكل»، متسائلة عن جدوى توثيق الخلافات والفضائح فقط، وواصفة هذا الجانب بأنه «مظلم». كما أعربت عن استيائها من تجارب صحافة المهجر، معتبرة إياها هشة لتغير توجهاتها بتغير الممولين.

وأكدت أن الصحافة التي تعلمتها كانت على أيدي مصريين، واصفة إياها بأنها «علمها وشرفها»، رغم إشارتها إلى أن صحافة المهجر أتاحت لها كتابة سلسة وأنيقة على المستوى اللغوي.

وفي مداخلة للصحفية مي فهمي، بجريدة الشروق، طُرح سؤال حول حدود الحرية للكاتب والصحفي، وردت كجه جي بأنها لا تؤمن بالحرية المطلقة في الكتابة، موضحة أن كشف كل شيء قد يؤدي إلى الإساءة ونبذ الكاتب، ومشبهة الأمر بالبيت الذي لا يجوز إخراج أسراره إلى العلن، مؤكدة أن كتاباتها عن الفقر والحرب وفقدان الزوج جاءت بنصوص مستترة تعكس الحقيقة دون فجاجة، كما في كتابها «نساء ضد صدام».

وخلال مداخلة للصحفية بديعة زيدان، بجريدة الأيام الفلسطينية، أكدت إنعام كجه جي أنها لا تدّعي العبقرية، بل تكتب بلغتها الخاصة، معتمدة على مفارقات بسيطة في بناء شخصياتها. واستعرضت أولى قصصها عن فلسطين، التي تناولت حكاية شاب شارك في حرب عام 1967، في إطار رمزي ووطني.

كما تساءلت الكاتبة نهى محمود عن غرابة بعض زوايا السرد في أعمالها، لتوضح الروائية أن الواقع العراقي وحده «ممل ومضجر»، وأن المزج بين الواقع والخيال، مع لغة ترفع النص، هو ما يمنح العمل بعده الأدبي، خاصة أن ما جرى في العراق يفوق الخيال ذاته.

وأكدت أن الوضوح والبساطة في الكتابة لا ينتقصان من قيمتها، بل على العكس، مشيرة إلى أن التعقيد الذي ساد في ستينيات القرن الماضي أفسد أجيالًا كاملة، مستشهدة بالأدب الفرنسي الذي يصل إلى العالمية بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد.

وفي سؤال حول عدم فوزها بجائزة البوكر رغم الوصول إلى القائمة القصيرة، أوضحت كجه جي أنها لم تشعر بالحزن، معتبرة أن الوصول إلى القائمة القصيرة في حد ذاته إنجاز، خاصة أن أعمالها تُرجمت إلى عدة لغات قبل ذلك، مؤكدة أن جائزة البوكر لم تكن سببًا في ترجمة أي من رواياتها.

وأعربت عن فرحتها الكبيرة بحصولها على جائزة سلطان بن علي العويس، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضًا لجانبها المادي، قائلة بطرافة: «قدرت أجدّد البانيو بحماس».

وفي ختام الندوة، روت موقفًا طريفًا حول سؤال طرحه طفل صغير يُدعى فؤاد لطفي نعمان، عن مصير العراق لو لم يدخل الرئيس الراحل صدام حسين الكويت، مشيرة إلى أنها بحثت السؤال عبر «شات جي بي تي» الذي قدم تصورًا لعراق أفضل، قبل أن تختتم بعبارة ساخرة عن الواقع قائلة: «نحن في العراق نذهب من سيئ إلى أسوأ».

واختتمت اللقاء بالإعلان، بروح مرحة، عن مشروع كتاب مشترك تعتزم تقديمه مع الكاتب الصحفي سيد محمود.

طباعة شارك «كتاب وجوائز» معرض القاهرة الدولي للكتاب جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية» الكاتب الصحفي سيد محمود العراقية إنعام كجه جي

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: كتاب وجوائز معرض القاهرة الدولي للكتاب جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية جائزة سلطان بن علی العویس الکاتب الصحفی فی العراق مؤکدة أن

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • «تنفيذى الشارقة» يعتمد استراتيجية الأمن السيبراني للإمارة
  • جائزة الشيخ خليفة للامتياز تنتهي من أعمال تقييم المشاركين بدورتها الـ 22
  • مدرسة العراقي الخاصة تحتفي بتخريج فوج جديد
  • طرح فيلم كولونيا 25 يونيو الجاري.. تفاصيل
  • غدا.. قصور الثقافة تحتفي بمسيرة الشاعر مدحت منير بالإسماعيلية
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • محمد الساعدي يحصد جائزة الروح الرياضية في بطولة BAL 2026
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • Vespa قطر تحتفي بمرور 80 عاماً من الأناقة والإرث وروح المجتمع