تسريحات واسعة في Vimeo بعد الاستحواذ… مستقبل المنصة على المحك
تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT
بعد أشهر قليلة فقط من استحواذ شركة الاستثمار الخاصة Bending Spoons على منصة Vimeo، فوجئ العاملون والمتابعون بسلسلة تسريحات وُصفت بأنها من الأكبر في تاريخ الشركة، وسط تقارير تشير إلى أن معظم الموظفين، وربما الفريق المسؤول بالكامل عن الفيديو، قد شملهم القرار. التطور السريع أعاد فتح النقاش حول دور شركات الاستثمار الخاصة في إعادة تشكيل شركات التكنولوجيا، وتأثير ذلك على المنتجات الإبداعية التي بنت سمعتها عبر سنوات طويلة.
بحسب تقارير صحفية نقلًا عن مصادر داخل الشركة ومنشورات لموظفين سابقين على منصات التواصل الاجتماعي، بدأت موجة التسريحات خلال الأيام الماضية، وطالت أقسامًا واسعة داخل Vimeo. بعض الموظفين أكدوا أن القرار لم يكن محدودًا أو تدريجيًا، بل جاء على شكل صدمة مفاجئة شملت نسبة كبيرة من القوة العاملة. اللافت أن هذه التسريحات جاءت بعد فترة قصيرة من إعلان استحواذ Bending Spoons على Vimeo مقابل نحو 1.38 مليار دولار في صفقة نقدية أُبرمت في النصف الثاني من عام 2025.
أحد أبرز التصريحات المتداولة كان لدايف براون، نائب الرئيس السابق للعلامة التجارية والإبداع العالمي في Vimeo، الذي كتب عبر حسابه أن التسريحات جاءت مباشرة بعد إتمام الاستحواذ، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من زملائه فقدوا وظائفهم في التوقيت نفسه. هذه الشهادة عززت ما تردد عن أن القرار لم يكن فرديًا أو محدود التأثير، بل خطوة واسعة ضمن خطة إعادة هيكلة جذرية.
من جانبها، امتنعت الشركة المالكة الجديدة عن الكشف عن العدد الدقيق للموظفين الذين تم الاستغناء عنهم، مكتفية ببيان مقتضب أكدت فيه أن عملية تسريح حدثت بالفعل في يناير 2026، وأنها لا تستطيع تقديم تفاصيل إضافية احترامًا لخصوصية المغادرين. وأضافت الشركة أنها “ملتزمة بنمو Vimeo مستقبلًا وتلبية احتياجات قاعدة مستخدميها المتنوعة”، وهي عبارة أثارت تساؤلات وانتقادات في آن واحد، نظرًا لتزامنها مع تقليص حاد في عدد العاملين.
المتابعون لتاريخ Bending Spoons لم يُفاجأوا كثيرًا بالخطوة. فالشركة معروفة باستراتيجية الاستحواذ على شركات تقنية قائمة، ثم تنفيذ خطط صارمة لخفض التكاليف، غالبًا عبر تسريحات واسعة. سبق أن طبقت النهج ذاته مع Evernote في عام 2023، ثم مع WeTransfer في 2024، حيث رافقت صفقات الاستحواذ إعادة هيكلة قاسية وتقليصًا كبيرًا للموارد البشرية. في هذا السياق، يرى محللون أن ما حدث في Vimeo يأتي ضمن نمط متكرر، وليس قرارًا استثنائيًا.
لكن حالة Vimeo تحمل خصوصية مختلفة. فالمنصة تُعد واحدة من أقدم منصات الفيديو على الإنترنت، إذ تأسست قبل YouTube بعام كامل، وبنت على مدار سنوات صورة ذهنية باعتبارها بديلًا احترافيًا ومتميزًا، يستهدف صناع المحتوى والشركات والمبدعين الباحثين عن بيئة أقل ازدحامًا وأكثر تركيزًا على الجودة. ولهذا، فإن الحديث عن الاستغناء عن الفريق المسؤول عن الفيديو نفسه يثير تساؤلات جوهرية حول هوية المنصة ومستقبلها.
ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي عكست حالة من الإحباط والغضب، ليس فقط من الموظفين السابقين، بل أيضًا من مستخدمين ومتابعين اعتبروا أن ما يحدث يمثل نموذجًا صارخًا لتأثير رأس المال الاستثماري على الشركات الإبداعية. أحد الموظفين السابقين كتب أن “ما بُني عبر سنوات يتم تفكيكه في أشهر قليلة”، في تعبير يلخص شعورًا عامًا بأن القرارات المالية باتت تطغى على الرؤية الإبداعية.
حتى الآن، لا تزال الصورة غير مكتملة بشأن ما ستؤول إليه Vimeo في شكلها الجديد. فغياب فريق فيديو متكامل، أو تقليصه بشكل كبير، يطرح علامات استفهام حول قدرة المنصة على تطوير خدماتها، والحفاظ على مكانتها في سوق يشهد منافسة شرسة من منصات كبرى. كما أن فقدان الخبرات المتراكمة قد ينعكس على جودة المنتج وتجربة المستخدم على المدى المتوسط والطويل.
في المحصلة، تكشف أزمة Vimeo الأخيرة عن جانب مظلم في عالم الاستحواذات التقنية، حيث لا تعني الصفقات الضخمة دائمًا الاستقرار أو النمو الوظيفي. وبين وعود “النمو المستقبلي” وواقع التسريحات الجماعية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح Vimeo في إعادة تعريف نفسها بموارد أقل، أم أن هذه الخطوة ستكون بداية تراجع منصة لطالما مثّلت خيارًا مميزًا في عالم الفيديو الرقمي؟
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
إقرأ أيضاً:
لماذا تعرض دور الأزياء العالمية ملابس لا يستطيع أحد ارتداءها؟
في كل موسم أزياء، يتكرر المشهد نفسه: عارضات وعارضون يسيرون على المنصة بقبعات ضخمة تحجب الرؤية، وأحذية يصعب المشي بها، وفساتين تعيق الحركة، وقطع تبدو أقرب إلى الأعمال الفنية أو الأزياء المسرحية منها إلى ملابس يمكن ارتداؤها في الحياة اليومية. ومع كل عرض، يتجدد السؤال: لماذا تنفق دور الأزياء العالمية ملايين الدولارات على تصميم وعرض ملابس لا تبدو مخصصة للبيع؟
منصة العرض ليست متجرايرى متخصصون في صناعة الأزياء أن المنصة ليست مكاناً لبيع الملابس، بل مساحة تجمع بين الفن والتسويق. بحسب مجلة "تايم"، فالقطعة الغريبة تستخدم لإثارة الدهشة، وجذب اهتمام وسائل الإعلام، وترسيخ هوية العلامة التجارية، قبل أن تتحول فكرتها لاحقا إلى تصاميم أكثر بساطة وقابلية للارتداء تطرح في المتاجر.
وفي السياق نفسه، توضح مجلة تايم أن كثيرا من التصاميم التي تظهر على منصات العروض تقدم باعتبارها شكلا من أشكال "الفن القابل للارتداء"، حيث تتقدم الرسالة الإبداعية والابتكار على الوظيفة العملية. لذلك، لا تصل معظم هذه القطع إلى الأسواق بصورتها الأصلية، بل تعاد صياغتها في نسخ تجارية تحافظ على الفكرة الأساسية للمجموعة.
قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، كانت عروض الأزياء تستهدف في المقام الأول المشترين والصحفيين والمتخصصين. أما اليوم، فقد أصبحت حدثاً عالمياً يُستهلك عبر ملايين الصور ومقاطع الفيديو على إنستغرام وتيك توك ويوتيوب.
وتوضح دراسة أجرتها جامعة أوريغون أن عروض الأزياء تحولت إلى تجربة بصرية صممت لتصور وتشارك على نطاق واسع، لذلك لم يعد نجاح العرض يقاس بجودة التصاميم وحدها، بل أيضا بقدرته على إثارة النقاش، وجذب التغطية الإعلامية، وتحقيق الانتشار الرقمي. وفي هذا السياق، تصبح القطعة الصادمة أكثر قدرة على لفت الانتباه من التصميم الجميل التقليدي.
الصدمة لغة تسويقيةلا تعتمد دور الأزياء الفاخرة على الإعلان التقليدي وحده، بل تستخدم عنصر المفاجأة والجدل كأداة تسويقية. فكلما أثارت إحدى القطع دهشة الجمهور أو انقسمت الآراء حولها، ازدادت فرص انتشارها في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وهو ما يمنح العلامة التجارية دعاية مجانية يصعب شراؤها بالإعلانات.
إعلانوتوضح مجلة فوغ أن كثيرا من دور الأزياء تعرض على المنصة أفكارا قد لا تكون قابلة للبيع مباشرة، لكنها ترسخ صورة الدار باعتبارها مبتكرة وجريئة. فالهدف ليس بيع الفستان نفسه، بل ترسيخ الانطباع بأن هذه العلامة هي التي تقود الموضة وتعيد تعريفها.
كل دار أزياء تروي حكايتها الخاصةلا تستخدم التصاميم الغريبة للفت الأنظار فقط، بل للتعبير عن هوية كل دار أزياء. فدار سكياباريلي تستلهم عالمها من السريالية والفنون، وتستحضر إرث مؤسستها إلسا سكياباريلي وعلاقتها التاريخية بالفنان سلفادور دالي. أما بالنسياغا فتعتمد على الصدمة وإعادة طرح مفهوم الفخامة بطرق غير تقليدية، بينما تحافظ شانيل على هويتها الكلاسيكية حتى في أكثر مجموعاتها تجريبا، في حين تواصل كوم دي غارسون إعادة تشكيل صورة الجسد الإنساني عبر تصاميم تتحدى شكله التقليدي.
وهكذا، تصبح القطعة وسيلة لسرد قصة العلامة التجارية أكثر من كونها منتجا للاستخدام اليومي.
يرى الصحفي الفرنسي رونو بوتي أن التصاميم الغريبة ليست هدراً للمال، بل استثمارا تسويقيا يخدم العلامة التجارية على أكثر من مستوى.
فهي أولا تجذب الانتباه والتغطية الإعلامية، وترسخ هوية الدار في أذهان الجمهور، وتدعم مبيعات منتجات أخرى أكثر رواجاً مثل الحقائب والعطور والأحذية والنظارات والإكسسوارات. فالمستهلك قد لا يشتري الفستان الذي شاهده على المنصة، لكنه يشتري جزءاً من الصورة الذهنية التي صنعتها العلامة التجارية.
ويشير بوتي أيضاً إلى أن هذا الأسلوب لا تمارسه جميع دور الأزياء؛ فالكثير من المصممين يكتفون بعروض خاصة للمشترين، بينما تقدم علامات مثل كالفن كلاين ومايكل كورس مجموعات "جاهزة للارتداء" تستهدف البيع المباشر أكثر من إثارة الجدل.
من الفن إلى السوقتوضح المدرسة الإيطالية لتعليم الأزياء (IELFS) أن الموضة المفاهيمية – نوع من تصميم الأزياء تكون فيه الفكرة أو الرسالة أهم من قابلية الملابس للارتداء – لا تهدف إلى إنتاج ملابس ترتدى كما هي، بل إلى تقديم أفكار جديدة تدفع حدود التصميم. وكثير من الاتجاهات التي أصبحت مألوفة اليوم بدأت على المنصة بوصفها تصاميم بدت غريبة أو غير عملية في وقتها.
ويشير الصحفي الفرنسي رونو بوتي، المتخصص في القضايا الاجتماعية والبيئية لصناعة الأزياء، إلى أن رحلة القطعة لا تنتهي بانتهاء العرض، بل تبدأ بعدها مرحلة تحويل الأفكار الأكثر جرأة إلى منتجات قابلة للبيع. فقد تختزل الفكرة التي ظهرت على المنصة في معطف أكثر بساطة، أو حقيبة، أو نقشة مميزة، أو حتى لون يصبح السمة البصرية للمجموعة. لذلك، فإن ما يقتنيه المستهلك في النهاية لا يكون غالبا القطعة الاستعراضية نفسها، بل نسخة مبسطة مستوحاة منها، تحتفظ بروح التصميم الأصلي وتناسب الاستخدام اليومي.