كشفت تحركات في أوساط "نادي القضاة" المصري إثر اجتماع طارئ الأربعاء، ودعوة لجمعية عمومية 6 شباط/ فبراير المقبل، عن حالة غضب بأروقة ودهاليز إحدى أعرق المنظومات القضائية، لما أثير عن سحب ملف تعيينات "النيابة" وترقيات "القضاة" من يد الهيئات القضائية وجعله بيد "الأكاديمية العسكرية" التي تقدم تدريبا أصبح إلزاميا لكل المعينين الحكوميين وبينهم القضاة.



وهذا هو الصدام الأول بين "نادي القضاة" والنظام الحالي بقيادة عبد الفتاح السيسي الذي قاد انقلابا عسكريا منتصف 2013، أطاح بأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا الرئيس الراحل محمد مرسي، وكان لـ"نادي القضاة" ولرئيسه حينها أحمد الزند دور مسبق فيه عبر الجمعية العمومية الشهيرة 24 نيسان/ أبريل 2013.


اجتماع عاجل وجمعية عمومية
والأربعاء، شهد مقر النادي بشارع عبد الخالق ثروت بقلب العاصمة القاهرة، اجتماعا حاشدا ملأ القاعة الرئيسية والحديقة الجانبية بشيوخ القضاة ورؤساء المحاكم بدعوة من رئيس النادي المستشار أبو الحسين قايد، لمناقشة أمر وصف بـ"الجسيم"، ويمس السلطة القضائية، دون إعلان رسمي عما يجري، أو رد من السلطات يكشف عن نوع الخلاف.

لكن، بيان للنادي أكد أنه "لن يتوانى قيد أنملة عن الدفاع عن استقلال القضاء وصون هيبته"، داعيا القضاة للالتفاف خلف ناديهم في مرحلة "دقيقة"، مؤكدا على اتخاذه "خطوات تصعيدية بينها الدعوة لعقد جمعية عمومية غير عادية"، مقررة يوم 6 شباط/ فبراير المقبل، ومنح الحلول التفاوضية مدة أسبوعين.

ووفقا لموقع "المنصة"، فإن أحد القضاة المجتمعين، أكد أن "الأزمة تتعلق بوجود توجه داخل الدولة لنقل ملف تعيينات الجهات والهيئات القضائية وترقياتها بالكامل إلى الأكاديمية العسكرية، لتصبح الجهة المسؤولة عن التقديم والمقابلات والاختيار، بدلا من الهيئات القضائية".

وكشف عن إبلاغ مدير مكتب رئيس الجمهورية عمر مروان، رؤساء الجهات والهيئات القضائية، بالقرار 15 كانون الثاني/ يناير الجاري، وتأكيده أنه "قرار سيادي من رئاسة الجمهورية، وأن الموضوع انتهى وأنهم بصدد تنفيذه"، مبينا أن رئيس محكمة النقض رئيس مجلس القضاء الأعلى المستشار عاصم الغايش، اعترض على الخطوة كونها تمس "استقلال القضاء".

"المادة 184" من الدستور المصري تؤكد استقلال السلطة القضائية، حيث تنص على أن "السلطة القضائية مستقلة،... ، ويبين القانون صلاحياتها، والتدخل في شؤون العدالة أو القضايا، جريمة لا تسقط بالتقادم"، وتمنح "المادة 185" الجهات القضائية سلطة إدارة شؤونها الخاصة، كما تضمن "المادة 186" استقلالية القضاة وعدم قابليتهم للعزل.

وأُنشئت الأكاديمية، كمؤسسة عسكرية بديلة عن الأكاديميات المدنية، تضم منشآت تعليمية وميادين تدريب ومجمعات رياضية وسكنية بمساحة 1500 فدان بالقيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، في تحول لأدوار "الكلية الحربية" و"أكاديمية ناصر العسكرية" بالقاهرة سابقا من الإعداد العسكري للضباط فقط إلى تدريب عسكري لجيل من المدنيين.

وتعاظم دور الأكاديمية مؤخرا ليمتد إلى القطاع المدني، حيث أصبحت وجهة إلزامية لتدريب وتأهيل الموظفين الجدد بوزارات التعليم، الأوقاف، النقل، الخارجية، والهيئات القضائية، بالإضافة إلى حاملي الدكتوراه من دعاة الأوقاف؛ وذلك بهدف غرس قيم الجمهورية الجديدة والوعي بالأمن القومي، وفق تصريحات المتحدث باسم القوات المسلحة.

إجراءات نزع الصلاحيات
ووفق صفحة "متصدقش"، فإن التعليمات الجديدة بحسب 4 قضاة، تبدأ من العام المقبل وتمثلت بـ"إلغاء مقابلات التفتيش القضائي الخاصة بتعيينات النيابة العامة، وإلغاء دور مجلس القضاء الأعلى بالتعيينات والترقيات بالجهات والهيئات القضائية، وقصر الترقيات على من يجتاز دورات الأكاديمية العسكرية، وإلغاء إدارة التعيينات بمكتب النائب العام".

وأكدت أن اجتماع الأربعاء، منح فرصة لتشاور نادي القضاة والمجلس الأعلى للقضاء، ومساحة للتفاوض بين الجهات المعنية وهي: مجلس القضاء، ووزير العدل عدنان فنجري، ومدير مكتب رئيس الجمهورية عمر مروان، ورئيس الأكاديمية العسكرية الفريق أشرف سالم، لتعقد الجمعية العمومية حال عدم التوافق.

ويجري تعيين أعضاء النيابة والقضاة وفقا للمادتين (38 و116) من قانون السلطة القضائية، حيث تبدأ بإعلان النيابة العامة، وهيئة النيابة الإدارية، وقضايا الدولة، قبول خريجي كليات الحقوق، والشريعة والقانون، والشرطة، ليخضع المتقدم وأسرته حتى الدرجة الرابعة للتحريات الأمنية.

ما يتبعه اختبارات تحريرية وإلكترونية ومقابلة شخصية أمام لجنة سباعية من المجلس الأعلى للقضاء أو رؤساء الهيئات القضائية، ليضاف بالسنوات الأخيرة، تدريب إلزامي 6 شهور بـ"الأكاديمية العسكرية" (أكاديمية ناصر العسكرية سابقا) لدراسة مقررات عن الأمن القومي كشرط أساسي للتعيين.

ويفرض المشهد طرح التساؤلات: حول حدود الصراع بين نادي القضاة والنظام الحالي، وأوراق الضغط بيد القضاة، واحتمالات تكراره تجربة النادي مع الرئيس مرسي مع السيسي، والتوقعات حول رد فعل النظام بين التراجع عن قراره أو ارتكاب مذبحة بحق القضاة المتصدرين للمشهد.

غضب واسع يمنع العقاب
الخبير القانوني الدكتور سعيد عفيفي: قال لـ"عربي21"، إن "الجسم القضائي بخير وأعتقد أن ٨٠ بالمئة من القضاة يعملون بشكل صحيح، ولم ينخرطوا بدهاليز الفساد السياسي".

وأضاف: "دأبت الأنظمة السياسية المتعاقبة السيطرة على النقابات والأندية المهنية بما فيها نادي القضاة، الذي كان يصدر بيانات خلال عام حكم الرئيس مرسي وكأننا في معركة عسكرية".

ويعتقد عفيفي، أن "أعضاء النادي أدركوا مدى خطورة القرارات التنفيذية على كيفية تسيير عمل السلطة القضائية والتي من المفترض أن تكون مستقلة تماما عن باقي السلطات وخصوصا التنفيذية التي تمثلها الحكومة، والتي بدورها ألعوبة في يد السيسي، ومن يشير عليه بقرارات لا تصدر إلا عن جاهل لا يعرف معنى استقرار السلطة القضائية وأثره على استقرار المجتمع".

وحول حدود هذا الصراع ألمح إلى احتمال حدوث "مذبحة جديدة لبعض قضاة يقودون هذا الصراع؛ وهذا مستبعد في تقديري لأن رقعة الغضب تغطي كل أندية القضاة بكافة المحافظات، ورفض القرارات التنفيذية نابع من جميع أفرع القضاء، وهذا يمنع السيسي من اللجوء لمذبحة بحقهم".

وفي نهاية حديثه يعتقد أن "الأمر الحتمي المفروض هو التفاهم مع هذه الفئة بإلغاء القرارات التي تخل بمبدأ الفصل بين السلطات المعمول به طبقا للدستور".

حالة شماتة لها خطورتها
وفي جانب الموقف الشعبي من الأزمة، أكد الباحث المصري مصطفى خصري، أن "رد الفعل الشعبي تجاه تغول السلطة التنفيذية على القضاء حالة معقدة من الشماتة -الطبيعية والمبررة- الناتجة عن سيكولوجية اليأس؛ فمنذ أحداث عام ٢٠١٣؛ تصاعد القمع، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية، وتشكلت قناعة لدى المواطن بأن القضاء تحول من حصن للعدالة إلى أداة للنظام".

وأضاف لـ"عربي21": "حدث ارتباط شرطي بين الظلم الواقع على المجتمع -والذي كان القضاء أحد أدواته- وبين تمتع القضاة في المقابل بامتيازات فئوية ومحسوبية في التعيينات؛ لذا، يرى المواطن المظلوم أن انكسار هيبة القضاة -وأي ضرر آخر يمكن أن ينالهم- هو نوع من العدالة القدرية، فالمجتمع هنا يستخدم -معنويًا- قوة النظام الذي كان الفاعل الرئيسي في ظلمه؛ كسوط ينتقم به ممن استعلى عليه، أو شارك في ظلم أحبائه بأحكام قاسية، أو صادر أموالهم وسكت عن التنكيل بهم".

وتابع: "رؤية القاضي خاضعا لنفس الظلم الذي عانى منه الشخص العادي؛ تكسر هالة القداسة، وتمنح المظلوم شعورا زائفا بالمساواة، إذ يتساوى القاضي صاحب المنصة مع المواطن المظلوم، في كونهما مجرد أدوات أمام إرادة سياسية واحدة، مما يقلل من حدة الشعور بالدونية النفسية تجاه النظام".

واستدرك: "لكن هذا التشفي يمثل انتحارا عقلانيا، فالمواطن في لحظة إحباطه؛ يفضل العدالة الانتقامية اللحظية على الأمان المستقبلي، فمنطق هدم المعبد فوق الجميع سيترك الدولة في عراء قانوني تام؛ حيث أن السيطرة المطلقة للسلطة التنفيذية على التعيينات القضائية؛ تعني تحول القضاء إلى سكرتارية قانونية، مما يقضي على أي هامش للمناورة عند بعض القضاة أصحاب الضمير، ويجعل الاستثناء قاعدة مؤسسية ثابتة".


سقوط مفهوم الدولة
ويرى خضري أن "الخسارة المستقبلية ستكمن في: فقدان صمام الأمان الأخير في النزاعات البينية، وهدم منظومة الحماية للملكية الخاصة، حيث سيصبح الخصم والحكم جهة واحدة؛ وبذلك يتحول المجتمع من دولة القانون إلى دولة التعليمات، حيث يكفي قرار إداري من موظف مدعوم؛ لسلب الحقوق، دون وجود أي جهة مستقلة يشتكي إليها المواطن".

ويعتقد أن "هذا لا يعني أن القضاة وحدهم من سيخسرون، بل الجميع خاسر حتى السلطة التنفيذية نفسها، والتي لو سقط أفرادها عن كراسي السلطة؛ سيعاملون نفس معاملة المواطن العادي وربما أسوأ"، مؤكدا أنها لحظة انهيار آخر جدار دفاعي حيث سيكتشف الجميع متأخرا أن سقوط استقلال القضاء -بعد أن أتم النظام هندسة السلطة التشريعية مطلع هذا الشهر- هو السقوط النهائي لمفهوم الدولة الحديثة ذات السلطة الثلاثية وإعلان  مصر دولة شمولية".

مذبحة القضاة.. من ناصر إلى السيسي
واجه القضاة أزمات عديدة مع السلطة عرضتهم لما يطلق عليه "مذبحة القضاة"، عام 1969، بعزل الرئيس جمال عبد الناصر، أكثر من 200 قاض تمسكوا باستقلال القضاء، ليقوم نادي القضاة في أيلول/ سبتمبر 2013، بفصل 75 قاضيا لتأييدهم "شرعية"، حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، ليعزل السيسي، 44 قاضيا ويحيلهم للتقاعد في 11 أيار/ مايو 2016، إثر بيانهم الرافض لفض "اعتصام رابعة" الدموي 14 آب/ أغسطس 2013.

وشهد عهد السيسي، تقديم الدعم المالي والمعنوي للقضاة برفع الرواتب والمعاشات والخدمات الصحية وتدشين الصناديق، فيما استخدم القضاء كأداة لتصفية المعارضين، وأسس دوائر "الإرهاب"، واختار لها قضاة أصدروا آلاف الأحكام المغلظة بالإعدام والمؤبد والسجن المشدد بحق أكثر من 60 ألف معتقل سياسي.

إلا أن السيسي أسس بالتعديلات الدستورية في نيسان/ أبريل 2019، مرحلة جديدة مع القضاة نزع خلالها الكثير من السلطات والصلاحيات، فيما يمكن وصفه بـ"مذبحة قانونية".

تعديلات السيسي، على الهيكل القضائي شمل تعديل آلية اختيار رؤساء الهيئات القضائية كرئيس محكمة النقض ورئيس مجلس الدولة، لتصبح بقرار مباشر من رئيس الجمهورية بدلا من نظام الأقدمية المطلقة المعمول به سابقا، وذلك إلى جانب سلطة الرئيس في اختيار النائب العام، ما اعتبره قضاة ومعارضون تفريغا للقضاء من سلطة حارب عليها "قضاة الاستقلال" مدة عقود.

لهذا خسر القضاة
وفي حين اشتكى قضاة من تعرضهم للغبن، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حملهم البعض نتيجة ما يجري لهم الآن لدعمهم السابق بلا حدود للسلطة الحالية.

وعبر قضاة عن غضبهم من القرار، وما سبقه من إجراءات تنتقص من حقوقهم وبينها: خضوع المعينين للدورة العسكرية، وإصدار القانون "رقم ١٣ لسنة ٢٠١٧"، و"التعديل الدستوري" نيسان/ إبريل ٢٠١٩، وعدم تنفيذ قرار جمهوري بالمساواة بين جميع الدرجات بمختلف الهيئات القضائية.


وعلى الجانب الآخر، قال الباحث في الشؤون القانونية عباس قباري: أصبحت السلطة القضائية في مصر سيف العسكر وأداة قمعه؛ فلا داعي لتمثيل دور الشرف في مسرحية استقلال العدالة، ولا داعي لدموع التماسيح التي لن تجدي هذه المرة".


وفي ذات السياق، أكد الكاتب والباحث محمد فخري، أن "حالة الرضا العام التي تصاحب تغول العسكر على القضاء، تشير إلى أن الأخير قد فقد -بمواقفه وانحيازاته- ظهيره الشعبي والحقوقي والسياسي".

وفي تعليقه قال الصحفي أحمد حسن: "وظيفة الأكاديمية العسكرية المزعومة هي لتعميق كراهية الشعب لجيشه؛ ومن قبل أهانت رجال وعلماء الأزهر حتى من حملة الدكتوراه، وتدخلت بتعيين أعضاء هيئات التدريس، والآن تتحرش بالقضاة لتسلبهم بعض سلطاتهم".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية القضاة المصري السيسي مصر السيسي القضاة المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الأکادیمیة العسکریة والهیئات القضائیة الهیئات القضائیة السلطة القضائیة استقلال القضاء نادی القضاة

إقرأ أيضاً:

كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟

ترجمة: نهى مصطفى

وصلت الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس، إلى منعطف جديد. فرغم الصعوبات التي تواجهها القوات الروسية ونجاح كييف في استنزاف قدراتها، فإن مستقبل الأمن الأوروبي لا يتوقف على نتيجة الحرب وحدها. فحتى في حال هزيمة موسكو، ستظل روسيا التهديد العسكري الرئيسي في أوروبا، وستسعى إلى إعادة بناء جيشها عاجلًا أم آجلًا.

يختلف المحللون حول سرعة استعادة روسيا لقدراتها العسكرية. فبينما يرى بعضهم أن خسائرها ستؤخر إعادة البناء لسنوات، يحذر آخرون من قدرتها على استئناف سياساتها العدوانية بعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب.

تشير الاتجاهات الحالية إلى أن روسيا قد تستعيد قدرات عسكرية كافية لتهديد أوكرانيا أو بعض دول الناتو خلال خمس إلى سبع سنوات. ومن المتوقع أن تعيد بناء جيش أكبر، مزودًا بمزيد من الطائرات المسيرة وقدرات الضرب بعيدة المدى، مع استمرار الإنفاق العسكري المرتفع. غير أن هذه العملية ستواجه تحديات مألوفة، أبرزها نقص الموارد، والطموحات المفرطة، وضعف التنفيذ، وهي عوامل دائما ما تعوق تطوير القوات الروسية.

بينما تركز الولايات المتحدة والدول الأوروبية على دعم أوكرانيا، يتعين عليها أيضًا الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب. فحتى بعد انتهائها، سيظل الجيش الروسي قادرًا على تهديد دول الناتو، خاصة إذا تراجع الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا.

ومن المرجح أن تسعى موسكو إلى إعادة بناء قدرتها على تنفيذ مناورات هجومية واسعة النطاق، مع الحفاظ على اعتمادها على المدفعية والضربات الدقيقة، وإدماج أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة في قواتها. ورغم استمرار تفوق الناتو، فإن الحلف لم يتكيف بعد بالكامل مع هذه التحولات، ما قد يزيد خسائره في أي مواجهة مستقبلية.

يشهد الجيش الروسي مرحلة تحول تجمع بين إرثه التقليدي ومتطلبات الحرب الحديثة. ورغم أن أي صراع مستقبلي مع الناتو سيختلف عن الحرب في أوكرانيا، فإن ضعف الأداء الروسي الحالي لا ينبغي أن يقود إلى التقليل من حجم التهديد. لذلك، تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى وضع رؤية مشتركة أكثر جدية لكيفية مواجهة روسيا في السنوات المقبلة.

لا تقتصر إعادة بناء الجيوش على تعويض خسائر الأفراد والمعدات، بل تشمل استعادة الكفاءة القتالية والقدرة على تنفيذ العمليات العسكرية. كما أن تقييم قوة أي جيش يعتمد على طبيعة السيناريو المطروح، فالمتطلبات اللازمة لعملية محدودة تختلف عن تلك المطلوبة لخوض حرب واسعة النطاق.

وفي حالة روسيا، ينبغي أن يستند التقييم إلى قدرتها على استعادة إمكانات تنفيذ العمليات الكبرى، بما يشمل إعادة بناء التشكيلات الكبيرة، وتحسين القيادة والسيطرة، ودمج مختلف صنوف القوات، وهي جوانب كشفت الحرب في أوكرانيا عن أوجه قصور فيها. وفي المقابل، يتعين على الناتو الاستعداد أيضًا لسيناريوهات أقل اتساعًا، مثل هجمات برية محدودة مدعومة بصواريخ وطائرات مسيرة.

ومن غير المرجح أن يعود الجيش الروسي إلى هيكله السابق، وانما سيتجه إلى إعادة تنظيم قواته لتصبح أكبر وأكثر اعتمادًا على المدفعية، ووحدات البنادق الآلية، والدبابات، والطائرات المسيرة، مع زيادة أعداد المشاة. سيواصل الاعتماد على مزيج من الجنود المتعاقدين والمجندين والاحتياط، مع الاحتفاظ بجزء من قواته على الحدود مع أوكرانيا، وهو ما سيؤثر في حجم القوات المتاحة للانتشار في جبهات أخرى.

يعود جانب من الغموض بشأن مستقبل الجيش الروسي إلى أن إعادة بنائه لا تزال تدار إلى حد كبير من قبل قادة ينتمون إلى الجيل السابق، يتقدمهم رئيس الأركان فاليري جيراسيموف، الذي خلص إلى أن إخفاقات الحرب تعود إلى ابتعاد الجيش عن النموذج السوفييتي، فسعى إلى توسيع القوات وإحياء بعض الهياكل القديمة. لكن مع صعود ضباط اكتسبوا خبرتهم من الحرب الأوكرانية، فقد تتغير رؤية الجيش وهيكله في السنوات المقبلة.

رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة، لا تشير المؤشرات إلى جيش منهار. توسعت القوات الروسية خلال الحرب، وارتفع عدد أفرادها، وأضيفت إلى تشكيلاتها وحدات للطائرات المسيرة والاستطلاع والحرب الإلكترونية، كما أُنشئ فرع جديد مخصص للأنظمة غير المأهولة. ومن المرجح أن يتراجع حجم بعض هذه التشكيلات بعد الحرب، لكن الجيش لن يعود إلى حجمه السابق.

في المقابل، تكبدت روسيا خسائر في المعدات، شملت آلاف المركبات المدرعة وقطع المدفعية وأنظمة الدفاع الجوي، وهي خسائر يصعب تعويض بعضها، ولا سيما الأنظمة المتطورة. وسيؤدي ذلك، على المدى القريب، إلى إضعاف قدرة الجيش الروسي على مواجهة التفوق الجوي للناتو وقدراته على تنفيذ الضربات الدقيقة بعيدة المدى.

رغم خسائرها الكبيرة، سحب الجيش الروسي خلال السنوات الأربع الماضية آلاف المركبات وقطع المدفعية من مخزوناته، وجدد أو أنتج آلاف المركبات الجديدة، فيما زودته كوريا الشمالية بأكثر من 300 قطعة مدفعية. ونتيجة لذلك، يرجح أن يمتلك اليوم العدد نفسه، أو أكثر قليلًا، من المركبات القتالية المدرعة مقارنة بما كان لديه عند بدء الحرب، مع استمرار إنتاج أكثر من200 دبابة T-90M سنويًا، ما يعني أن هذا الطراز قد يشكل نصف أسطول الدبابات الروسي خلال سبع إلى ثماني سنوات. كما تواصل روسيا إنتاج أنظمة الدفاع الجوي بأعداد كبيرة، مع تطويرها استنادًا إلى دروس الحرب.

في الوقت نفسه، تنتج روسيا ملايين الطائرات المسيرة التكتيكية سنويًا، إلى جانب أعداد أكبر من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية. كما ارتفع إنتاج الطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه، إذ صنعت أكثر من 70 ألف طائرة عام 2025، وتعاقدت على إنتاج 100 ألف أخرى على الأقل في عام 2026، بينما يطلق الجيش نحو6500 طائرة شهريًا في أوكرانيا. كذلك حسنت روسيا قدراتها على تنفيذ الضربات مع تقليص الزمن بين رصد الأهداف واستهدافها.

لا يكفي قياس قوة الجيش الروسي بعدد أفراده ومعداته، بل يجب أيضًا تقييم كفاءته القتالية وكيفية استخدامه لقواته. فالجيش الروسي، رغم تفاوت مستوى وحداته، حسن أداءه خلال الحرب في مجالات تحديد الأهداف، والضربات الدقيقة، ودمج الطائرات المسيرة، وربط أنظمة الاستطلاع بالمدفعية والأسلحة الموجهة، مستفيدًا من الخبرة القتالية وإعادة تنظيم قواته.

ورغم الصعوبات التي واجهها، أثبت الجيش الروسي قدرة على التكيف، إذ تستغرق دورة استيعاب التكتيكات والتقنيات الجديدة نحو ثلاثة إلى أربعة أشهر. كما شرعت موسكو منذ أوائل عام 2023 في بناء منظومة متكاملة للتعلم العسكري، تربط بين القوات المسلحة، وقاعدة الصناعات الدفاعية، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والشركات التكنولوجية، بهدف ترسيخ الدروس المستفادة ودعم احتياجات الحرب.

رغم التطور الذي شهدته بعض القدرات الروسية، ظل الجيش يعاني ضعفًا مزمنًا في الاستثمار في العنصر البشري، إذ اتجه إلى تفضيل التكنولوجيا على التدريب والجاهزية. وكثيرًا ما كانت التدريبات واختبارات الجاهزية شكلية، فيما بالغت القيادة في تقدير أثر الخبرات القتالية، ومنها تجربة التدخل في سوريا.

كما استخلص الجيش في بعض الأحيان دروسًا خاطئة من الحرب. فبدلًا من معالجة أوجه القصور في القيادة المشتركة، ألغى بعض هياكلها، ما أضعف التكامل بين أفرع القوات المسلحة وزاد اعتماده على ترتيبات قيادة مؤقتة في زمن الحرب.

فقد الجيش الروسي جزءًا من قدرته على تنفيذ المناورات المشتركة واسعة النطاق بعد مقتل أعداد من ذوي الخبرة. واعتمد بدلًا منهم على متعاقدين يتلقون تدريبًا محدودًا، بينما اتجه منذ عام 2024 إلى القتال بوحدات صغيرة للغاية، وأحيانًا بجندي أو جنديين فقط، في عمليات بطيئة ومكلفة. ورغم نجاحه في دمج الطائرات المسيرة مع تكتيكات المشاة الصغيرة، فإن ذلك لا يعوض خسارة القادة ذوي الخبرة في إدارة العمليات الهجومية الكبرى، وهو ما سيحد من قدرته على استثمار توسعه في الطائرات المسيرة والقدرات الهجومية خلال السنوات المقبلة.

تواجه إعادة بناء الجيش الروسي تحديات كبيرة، أبرزها نقص الكوادر البشرية. فرغم رفع الحد الأقصى لسن الخدمة إلى 30 عامًا وزيادة العدد المستهدف للقوات إلى نحو 1.5 مليون عسكري، فإن التراجع الديموغرافي، والخسائر البشرية في الحرب، ونقص العمالة الماهرة يجعل بلوغ هذا الهدف أمرًا غير مرجح. كما يحتدم التنافس بين الجيش وقطاع الصناعات الدفاعية على استقطاب العمال في ظل معدل بطالة لا يتجاوز 2.2%.

زادت روسيا إنفاقها العسكري إلى نحو 40 % من الموازنة، أي ما يعادل 8 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ضعف مستوى ما قبل الحرب، لكنه لا يزال أقل من الإنفاق السوفييتي في ذروة الحرب الباردة. دخل الاقتصاد الروسي مرحلة ركود منذ عام 2025، مع اتساع العجز المالي وتزايد الاقتراض، ما يجعل الحفاظ على مستويات الإنفاق العسكري الحالية أكثر صعوبة.

ينبغي لحلف الناتو أن يأخذ في الحسبان الاستثمارات الكبيرة التي ضختها روسيا في إعادة بناء قدراتها العسكرية. أنفقت موسكو مبالغ ضخمة على توسيع الإنتاج الدفاعي واستقطاب مئات الآلاف من العمال إلى قطاع الصناعات العسكرية، ومن المتوقع أن يبلغ إنفاقها الدفاعي نحو 180 مليار دولار في عام 2026، أي ما يعادل 400 إلى 500 مليار دولار وفقًا لتعادل القوة الشرائية. مكنها ذلك من مواصلة الحرب، وتوسيع إنتاجها العسكري، وتجنيد أكثر من 400 ألف جندي سنويًا منذ عام 2023.

ومع ذلك، ظلت المشكلة التقليدية للجيش الروسي تتمثل في صعوبة تحويل الطموحات العسكرية إلى قدرات فعلية. فغالبًا ما تصطدم خطط تطوير القوات بنقص الموارد، وضعف التدريب، والقيود التنظيمية، رغم استمرار تركيز العقيدة العسكرية على الجاهزية العالية، والضربات الدقيقة، والاستعداد لخوض حرب واسعة النطاق ضد الناتو. كما دفعت الحرب في أوكرانيا الجيش إلى التركيز بصورة أكبر على الحرب الموضعية بدلًا من المناورة.

لكن أوجه القصور والأداء الضعيف في أوكرانيا لا يبرران التقليل من شأن الجيش الروسي، وهو ما يدركه القادة الأوكرانيون جيدًا. كما أن تقييم قدرة أي جيش استنادًا إلى آخر حرب خاضها قد يقود إلى استنتاجات مضللة. فقد أخطأ المحللون بعد حرب جورجيا عام 2008 في تقدير وتيرة تطور الجيش الروسي، ثم بالغوا في تقدير قدراته بعد تدخله في سوريا، قبل أن تكشف حرب أوكرانيا عن نقاط ضعف. فكل حرب تفرض ظروفها الخاصة، ولا يمكن افتراض أن أي مواجهة مستقبلية بين روسيا والناتو ستسير على النهج نفسه.

رغم أن أسلوب قتال الناتو يختلف عن الأسلوب الأوكراني، فإن الحلف يواجه تحدياته الخاصة، إذ تعتمد قدراته إلى حد كبير على الدور الأمريكي في توفير القوات والدعم اللوجستي والتقني والقيادة العسكرية. وقد بنيت خططه الدفاعية على هذا الأساس، في وقت تشير فيه الولايات المتحدة إلى رغبتها في تقليص دورها في أمن أوروبا، وهو ما يفرض على الحلف إعادة النظر في استعداداته المستقبلية.

تتمتع الولايات المتحدة وحلف الناتو بتفوق في القوة الجوية والبحرية، والضربات الدقيقة، والاستخبارات، وكفاءة القوات، لكنهما يفتقران إلى الخبرة التي اكتسبتها أوكرانيا في مواجهة ساحة قتال تهيمن عليها الطائرات المسيرة والمراقبة المستمرة. وفي المقابل، أعادت روسيا تنظيم قواتها وطورت تكتيكاتها وتقنياتها للاستفادة من هذه القدرات على نطاق واسع، مع احتفاظها بترسانة نووية استراتيجية وتكتيكية تشكل عنصر ردع رئيسيًا، خاصة بعد انتهاء العمل بمعاهدة ستارت الجديدة.

لذلك، ينبغي أن يستند التخطيط الدفاعي إلى طبيعة الحروب المقبلة، التي قد تلعب فيها الطائرات المسيرة والتقنيات الناشئة دورًا أكبر من الأسلحة التقليدية. ورغم استمرار أهمية التفوق الجوي، فإن الناتو قد يواجه صعوبة في التعامل مع أسراب الطائرات المسيرة الروسية والأنظمة الهجومية منخفضة التكلفة، كما أن قواته البرية لا تزال بحاجة إلى تعزيز دفاعاتها الجوية وقدراتها على مواجهة الطائرات المسيرة. ويبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة مفاهيم الناتو الحالية على مواجهة جيش روسي اكتسب خبرة واسعة في استخدام هذه التقنيات.

نتيجة لذلك، قد تتكبد جيوش الناتو خسائر أكبر في أي مواجهة مستقبلية، خاصة أن كثيرًا منها محدود الحجم ولا يستطيع تحمل خسائر كبيرة في المراحل الأولى من الحرب. وقد أظهرت المناورات المشتركة مع وحدات الطائرات المسيرة الأوكرانية أن قوات الحلف لا تزال تفتقر إلى الخبرة في القتال داخل ساحة معركة تهيمن عليها الطائرات المسيرة وأنظمة الاستطلاع والضربات الدقيقة، كما أنها لم تتكيف بعد مع دور هذه الأنظمة في دعم المناورة أو تعطيلها. ولذلك، يمثل الجيش الروسي اليوم تهديدًا مختلفًا عن ذلك الذي بدأ الحرب في عام 2022.

لمواجهة هذا التحدي، يحتاج مخططو الدفاع في الولايات المتحدة وأوروبا إلى استيعاب دروس الحرب الأوكرانية بصورة أفضل، وعدم الاكتفاء بالتركيز على التكنولوجيا، بل إعادة هيكلة القوات بما يضمن دمجها بفاعلية في العمليات القتالية. ويتطلب ذلك اتخاذ قرارات صعبة بشأن توزيع الموارد، وتوسيع قدرات الطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي، وبناء منظومة دفاعية متكاملة قادرة على مواجهة أسراب الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة. وبينما تتحدث دول الناتو عن تعزيز الجاهزية، فإن تنفيذ الإصلاحات والاستثمارات اللازمة لا يزال أبطأ من وتيرة التحديات التي تواجهها.

• مايكل كوفمان زميل أول في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.

• الترجمة عن Foreign Affairs

مقالات مشابهة

  • بعد اقتحام غير مسبوق للأقصى.. هل بدأت خطة التصفية الشاملة؟
  • تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
  • حماد والفريق صدام حفتر يدشنان المنطقة الصناعية بالمقرون
  • الخارجية الأمريكية : الجيش السوداني استخدم الكيماوي في العام 2024
  • الاحتلال يقتحم طوباس ويشدد إجراءاته العسكرية شرق جنين
  • كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟
  • محكمة الانقلاب الدستورية: بقايا الإنقاذ و”قضاة الدفاع الشعبي”..!
  • OpenAI يواجه القضاء بسبب "نصيحة طبية خطيرة"
  • محمد القضاة رئيسا لجامعة المملكة للعلوم الطبية
  • وزارة التعليم العالي تتفاعل مع مزاعم تسريب أجوبة مباراة الطب وتحيل الملف على القضاء