قالت الدكتورة روحية مصطفى، أستاذ ورئيس قسم الفقه الأسبق بجامعة الأزهر، إن مسألة نقل الميت من بلد إلى آخر قبل دفنه، وكذلك مسألة صرف الزكاة في تكاليف نقله، من القضايا التي يكثر السؤال عنها، وتحتاج إلى بيان فقهي دقيق يراعي مقاصد الشريعة وحرمة الإنسان حيًّا وميتًا.

جاء ذلك ردًا على سؤال ورد إليها يقول: «يوجد شخص متوفى في دولة أخرى، ويرغب أهله في نقله إلى مصر، ويستلزم ذلك مصاريف وتكاليف مالية، فهل يجوز لمن عليه زكاة مال أن يُسهم في نفقات نقل المتوفى من مال الزكاة؟ وهل تبرأ ذمته وتسقط عنه الزكاة بذلك؟».

أولًا: حكم نقل الميت من بلد إلى آخر قبل دفنه

أكدت أستاذة الفقه بجامعة الأزهر أن الفقهاء متفقون على أن نقل الميت قبل دفنه من البلد الذي تُوفي فيه إلى بلد آخر، إذا لم تدعُ إليه ضرورة، وكان يترتب عليه انتهاك لحرمة الميت، أو تغيّر جسده، أو تعريضه للتلف أو الامتهان، فإنه يحرم شرعًا، ويجب دفنه في الموضع الذي مات فيه.

أما إذا لم تكن هناك ضرورة، وكان الدافع مجرد رغبة الأهل في دفنه بين ذويه، دون أن يترتب على ذلك أذى أو انتهاك لحرمة الميت، فقد اختلف الفقهاء في الحكم على أقوال:

رأي الحنفية

يرى الحنفية كراهة نقل الميت إلى مسافة تزيد على مسافة القصر، معتبرين أن ذلك اشتغال بما لا فائدة فيه، وأن الأرض كلها صالحة لدفن الإنسان، مستدلين بقوله تعالى:
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ۝ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25–26].

رأي المالكية

أجاز المالكية نقل الميت قبل دفنه إذا لم يخلّ ذلك بحرمته ولم يؤده إلى أذى جسده، بل واعتبروا النقل مستحبًّا إذا كان إلى موضع تُرجى بركته أو ليُدفن بين أقاربه، بشرط سلامة الجثمان.

رأي الشافعية

للشافعية قولان:

أحدهما التحريم، والآخر الكراهة، وعلة ذلك عندهم تأخير الدفن المأمور بتعجيله شرعًا، وتعريض الميت لهتك حرمته.

رأي الحنابلة

يرى الحنابلة أن نقل الميت لغير حاجة مكروه كراهة تنزيهية، ولا يجوز إلا لغرض صحيح، كأن يُدفن في بقعة فاضلة أو لاعتبار معتبر شرعًا.

 

الرأي الراجح في المسألة

ورجّحت الدكتورة روحية مصطفى أن أقوال الفقهاء متقاربة في الجملة، ويتفقون جميعًا على أمرين أساسيين:

عدم جواز نقل الميت بلا حاجة أو ضرورة معتبرة.

وجوب صيانة حرمة الميت وتعجيل دفنه.

وبناءً عليه، فإن القول بكراهة نقل الميت دون حاجة كراهة تنزيهية هو الأقرب للاعتبار، فيُثاب أهل الميت إن تركوا النقل، ولا يأثمون إن اختاروه، ما لم يترتب عليه أذى أو انتهاك لحرمة الجثمان.

 

ثانيًا: هل يجوز صرف الزكاة في نفقات نقل المتوفى؟

أما عن الشق الثاني، فأكدت أستاذة الفقه أن الأصل الشرعي أن الزكاة لا تُصرف إلا في المصارف التي حدّدها الله تعالى بنصٍ صريح، في قوله عز وجل:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60].

 

الزكاة لا تُصرف للميت مباشرة

وشددت على أنه لا يجوز شرعًا دفع الزكاة مباشرة في مصاريف نقل المتوفى أو دفنه؛ لأن:

الميت ليس من أهل الزكاة.

الزكاة تقوم على التمليك للأحياء المستحقين لها.

 

متى يجوز إعطاء الزكاة لأهل المتوفى؟

أوضحت الدكتورة روحية مصطفى أنه يجوز إعطاء أهل المتوفى من مال الزكاة في حالتين:

إذا كانوا فقراء أو مساكين.

إذا ترتب على نفقات النقل ديون أثقلت كاهلهم، فيُعطَون بوصفهم غارمين.

لكن يكون ذلك على سبيل التمليك، لا على أن المال مخصص لنقل الميت، ويكون لهم حرية التصرف فيه، سواء أنفقوه في نفقات النقل أو غيرها من حاجاتهم.

أما إذا كان أهل المتوفى غير محتاجين أو قادرين على تحمّل النفقات، فلا يجوز صرف الزكاة لهم، ولا تبرأ ذمة المزكّي، وتظل الزكاة واجبة في ذمته.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الزكاة صرف الزكاة نقل الميت الميت جامعة الأزهر صرف الزکاة الزکاة فی نقل المیت فی نفقات قبل دفنه

إقرأ أيضاً:

من هم الرجال الذين يجوز للمرأة عدم ارتداء الحجاب أمامهم؟.. أمين الفتوى يجيب

أجاب الشيخ محمد كمال، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، على سؤال ورد حول الفئات التي يجوز للمرأة شرعًا أن تكشف أمامها دون ارتداء الحجاب.

وأوضح الشيخ محمد كمال، خلال فتوى له، أن الضابط في ذلك هو “المحارم” الذين يحرم على المرأة الزواج منهم تحريمًا مؤبدًا، سواء كان ذلك بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع.

متى تكون المعاملة بفيزا المشتريات ربا محرم ؟.. أزهري يحسم الجدلأمينة الإفتاء: التحـ.ـرش من الأفعال المحرمة شرعًا ومن كبائر الذنوبالمحارم من الرجال

وأشار إلى أن المحارم من جهة النسب يشملون الأب والجد وإن علوا، وكذلك الأبناء وأبناء الأبناء، والإخوة الأشقاء أو لأب أو لأم، إضافة إلى أبناء الإخوة وأبناء الأخوات، والأعمام.

وأضاف أن هناك محارم بسبب المصاهرة، مثل والد الزوج، وجد الزوج، وابن الزوج من زواج سابق، وكذلك زوج الابنة، وكل ذلك بشرط أمن الفتنة.

كما لفت إلى أن الرضاع يُنشئ حرمة مماثلة للنسب، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، موضحًا أن من ثبتت له علاقة رضاع يصبح من المحارم.

وأكد أن المرأة لا يجب عليها ارتداء الحجاب أمام النساء أو الأطفال الصغار، مشيرًا إلى أن هذه الأحكام جاءت مفصلة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31]، حيث بيّنت الآية الكريمة الفئات التي يجوز للمرأة أن تظهر أمامها دون حرج.

طباعة شارك دار الإفتاء الرجال المحارم المحرمات النساء الحجاب

مقالات مشابهة

  • هل يجوز تأخير صلاة الظهر عند شدة الحر؟.. داعية إسلامي يجيب
  • من هم الرجال الذين يجوز للمرأة عدم ارتداء الحجاب أمامهم؟.. أمين الفتوى يجيب
  • وصول جثمان الشاب السعودي المتوفى بطرابزون إلى إسطنبول