من يرفع اللافتة.. ومن يغيّر القواعد؟.. قراءة في خطاب مارك كارني ونقد عمر الدقير
تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT
الواثق كمير
أثار مقال الأستاذ عمر الدقير حول خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس نقاشاً يتجاوز حدود الخطاب ذاته، ليطال أسئلة أعمق تتصل بطبيعة النظام الدولي وحدود النقد الصادر من داخل المركز الغربي، وبإشكالية الانتقال من التشخيص إلى التغيير. وقد تميّزت قراءة الدقير بدقة التحليل ووضوح المعيار الأخلاقي، خاصة في تفكيكه لمفهوم “الواقعية القائمة على القيم”، وفي كشفه لالتباسها السياسي، وكذلك لحدود ما وصفه كارني بـ”المسار الثالث” للقوى المتوسطة.
ينطلق الدقير من سؤال جوهري لا يمكن القفز فوقه: ماذا يحدث عندما تتعارض القيم مع المصالح؟ ويرى أن صمت خطاب كارني عن هذا السؤال يعيد إنتاج الإشكال ذاته الذي يعترف به، إذ تظل القيم، في المحصلة، رهينة ميزان القوة لا حَكَماً عليه. كما ينتقد الاكتفاء بالدعوة إلى تحسين شروط التفاوض داخل النظام القائم، بدلاً من السعي إلى إعادة تعريف قواعده وتصحيح اختلالاته، لا سيما تلك المتصلة بالعدالة العالمية والإرث الاستعماري.
وهو نقد مشروع، أخلاقياً وفكرياً، ويعبّر عن تطلع مفهوم إلى نظام دولي أكثر اتساقاً وإنصافاً. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتصل فقط بما كان ينبغي على كارني أن يقوله، بل بما يمكن فعلاً لخطاب يصدر من داخل المركز الغربي أن يقوله ويفعله دون أن يصطدم بحدوده البنيوية. فكارني لا يتحدث كمفكر مستقل أو كناشط أممي، بل كرئيس وزراء دولة غربية شكّلت، تاريخياً وواقعياً، أحد أعمدة النظام الذي ينتقد بعض مظاهره. وفي هذا السياق، تبدو أقصى مساحة متاحة له هي كسر الإنكار، والاعتراف بانتقائية القواعد، والإقرار بأن ما قُدِّم طويلاً بوصفه نظاماً عالمياً ومحايداً لم يكن كذلك. وهذه، في حد ذاتها، خطوة نادرة في الخطاب الغربي الرسمي.
أما الذهاب إلى حد مساءلة منطق الهيمنة ذاته، أو ربط اختلال النظام الدولي بتاريخ الاستعمار ومسؤولياته البنيوية، فليس مجرد انتقال لغوي أو أخلاقي، بل قفزة سياسية تتطلب استعداداً لدفع كلفة لا يستطيع مسؤول من داخل المركز دفعها منفرداً دون أن يعرّض موقعه ووظيفته للاهتزاز. ومن هذا المنظور، فإن صمت كارني عن سؤال تعارض القيم مع المصالح لا يعكس بالضرورة عجزاً تحليلياً، بقدر ما يكشف عن حدٍّ سياسي واعٍ. فالإجابة الضمنية داخل النظام الغربي معروفة: حين تتعارض القيم مع المصالح، تُعاد صياغة القيم أو تأويلها. ولو قال كارني ذلك صراحة، لكان قد نسف الأساس الذي تقوم عليه فكرة “الواقعية القائمة على القيم” نفسها.
وفي ما يخص دعوته للقوى المتوسطة إلى تشكيل “مسار ثالث”، فإن توصيف الدقير لحدود هذا الطموح يبدو توصيفاً دقيقاً. فهذا المسار لا يخرج فعلياً عن الفضاء الاستراتيجي الغربي، بقدر ما يسعى إلى إعادة تنظيمه ليكون أقل هشاشة وأعلى قدرة على الاحتمال. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن كارني أخفق في طرح مسار تحرري، بقدر ما يعني أن المسارات التصحيحية الجذرية، تاريخياً، لم تنشأ من داخل المركز، بل فُرضت عليه من خارجه أو عبر ضغوط تراكميّة طويلة. ومن ثمّ، يصبح من غير الواقعي توقّع أن يتحول خطاب في منتدى مثل دافوس إلى منصة لإعادة تعريف قواعد النظام الدولي، بدلاً من كونه محاولة لإدارة مرحلة انتقالية داخل هذا النظام.
هذا لا يقلل من وجاهة تساؤلات الدقير حول العدالة العالمية، ولا من أهمية نقده لصورة دول الجنوب في الخطاب الغربي بوصفها مجالاً لإدارة الاستقرار لا شريكاً في صياغة القواعد. لكنه يفتح، في المقابل، سؤالاً مكملاً لا يقل أهمية: إذا كان خطاب من داخل المركز قد وصل إلى حد الاعتراف بزيف السرديات القديمة، فمن تقع عليه مسؤولية تحويل هذا الاعتراف إلى مشروع بديل؟
لعل الإشكال الحقيقي لا يكمن في أن كارني توقّف عند تحسين شروط التفاوض، بل في أن قوى الجنوب – السياسية والفكرية – لم تنجح بعد في تحويل لحظات التصدّع في الخطاب الغربي إلى نقاط ارتكاز لمبادرة ذاتية. فإعادة تعريف القواعد لا تبدأ بخطاب مضاد فحسب، بل بالانتقال من موقع ردّ الفعل إلى موقع صياغة الموقف، وببناء سردية بديلة للشرعية الدولية، لا تكتفي بكشف ازدواجيتها، بل تطرح معايير مختلفة للعدالة والتمثيل وتقاسم الكلفة. كما تتطلب هذه المهمة تنسيقاً أوسع خارج الاستقطاب الحاد بين القوى الكبرى، وعملاً تراكميّاً طويل النفس، لا انتظار لحظة إعلان أخلاقي قادمة من المركز.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى خطاب كارني لا بوصفه إجابة مكتملة، ولا حتى وعداً واضحاً، بل بوصفه مؤشراً على تآكل القدرة على الاستمرار في “العيش داخل الكذبة”. لكن يبقى السؤال مفتوحاً: هل يكفي أن تتصدّع السرديات القديمة من داخل المركز، أم أن تجاوزها يتطلب فاعلين آخرين يملكون القدرة والإرادة لصياغة بديل فعلي؟ وهل تستطيع قوى الجنوب تحويل هذا الاعتراف المحدود إلى مشروع سياسي أوسع، يتجاوز إدارة واقع غير عادل إلى العمل المنهجي على تغييره؟
هذه أسئلة لا يجيب عنها خطاب دافوس، لكنها ربما تحدد ملامح المرحلة المقبلة.
[email protected]
تورونتو، 24 يناير 2026
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الواثق كمير من داخل المرکز
إقرأ أيضاً:
لماذا الغدير؟ قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
في كل عام، ومع حلول الثامن عشر من ذي الحجة، يتجدد حضور مناسبة الغدير في الوجدان الشعبي والإيماني لقطاع واسع من أبناء اليمن، بوصفها مناسبة ذات امتدادات دينية وتاريخية وثقافية عميقة. ومع كل موسم احتفاء، يبرز سؤال يتكرر على ألسنة البعض: لماذا الاحتفال بالغدير بعد مرور قرون طويلة على وقوعه؟ وما الذي يجعل هذه المناسبة حاضرة بقوة في الواقع المعاصر؟
هذا السؤال لا يقتصر على كونه استفساراً تاريخياً، بل يتجاوز ذلك إلى مناقشة طبيعة العلاقة بين الأمة وذاكرتها الدينية، وبين الحاضر والجذور الفكرية التي تشكل هويتها الحضارية والإيمانية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الغدير.. استحضار للهوية وليس استدعاءً للماضي
تنطلق الرؤية المطروحة من اعتبار أن الاحتفاء بالغدير ليس حدثاً طارئاً أو ممارسة مستحدثة، وإنما يمثل امتداداً لتراث اجتماعي وثقافي متجذر في اليمن منذ أجيال طويلة، حيث عرف اليمنيون هذه المناسبة وأحيوا ذكراها تحت مسميات شعبية مختلفة، من أبرزها “يوم النشور”، في دلالة على عمق حضورها في الوعي الجمعي، ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بالغدير لا يُنظر إليه باعتباره استدعاءً لحدث تاريخي منقطع الصلة بالواقع، بل باعتباره استحضاراً لمعانٍ وقيم ومبادئ ما تزال حاضرة ومؤثرة في حياة الأمة، تماماً كما تستحضر الشعوب محطات تاريخها الكبرى وأحداثها المؤسسة لهويتها.
إشكالية الانتقائية في قراءة التاريخ
تثير الرؤية تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التعاطي مع التاريخ الإسلامي، إذ تشير إلى وجود حالة من الانتقائية في قبول بعض الأحداث ورفض أخرى، فإذا كان الحديث عن الغزوات الإسلامية الكبرى، أو عن مراحل الدول الأموية والعباسية والعثمانية، أمراً طبيعياً ومقبولاً في المجال الثقافي والفكري، فلماذا يصبح الحديث عن واقعة الغدير أو فضائل أهل البيت محل اعتراض أو تشكيك؟، هذا التساؤل يكشف عن جدل أعمق يتعلق بمعايير قراءة التاريخ الإسلامي، وما إذا كانت تخضع لموازين علمية موضوعية أم لتأثيرات مذهبية وسياسية تراكمت عبر القرون.
الغدير امتداد طبيعي لسيرة حجة الوداع
من أبرز الأفكار التي تطرحها هذه الرؤية أن حادثة الغدير لا يمكن فصلها عن سياق حجة الوداع نفسها، فالمسلمون يتحدثون باستفاضة عن مناسك الحج وخطبة عرفات وأحداث الرحلة النبوية الأخيرة، باعتبارها جزءاً من السيرة النبوية الشريفة، وبالتالي فإن تناول ما جرى في غدير خم يُعد امتداداً طبيعياً لذلك التسلسل التاريخي، وليس حدثاً منفصلاً أو طارئاً على السردية الإسلامية، وبحسب هذا المنظور، فإن واقعة الغدير تمثل محطة من محطات الرسالة المحمدية التي تستحق الدراسة والبحث والفهم شأنها شأن بقية الأحداث الكبرى المرتبطة بالسيرة النبوية.
البعد القرآني لمفهوم الولاية
تؤكد الرؤية أن أهمية الغدير لا تنبع من الحدث التاريخي فحسب، بل من ارتباطه بجملة من الآيات القرآنية التي تستدعي التأمل في مفاهيم الإمامة والولاية والطاعة والاقتداء، وتطرح تساؤلات فكرية حول دلالات عدد من الآيات التي تتناول مفهوم الولاية وأولي الأمر والإمامة والقيادة الإيمانية، معتبرة أن فهم هذه النصوص يشكل جزءاً من مسؤولية المسلم في تدبر القرآن الكريم واستيعاب معانيه، وفي هذا السياق، يُقدَّم الغدير بوصفه مناسبة لإعادة قراءة تلك المفاهيم القرآنية واستحضار مضامينها في الواقع العملي للأمة.
الولاية كمنظومة قيم لا كشعار عاطفي
من أهم الدلالات التي يبرزها الخطاب المرتبط بالغدير أن الولاية ليست مجرد شعار يُرفع أو مناسبة تُحتفل بها، بل منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة، فالاقتداء بالإمام علي عليه السلام، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على إعلان المحبة أو إحياء الذكرى، وإنما يتمثل في استلهام قيم العدالة والزهد والعلم والشجاعة والنزاهة والتضحية التي جسدها في حياته،
ومن هنا تتحول المناسبة من حدث احتفالي إلى محطة تربوية وأخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان المؤمن الواعي والقادر على حمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية.
الغدير وتصحيح مفاهيم الولاء والانتماء
في ظل واقع تتداخل فيه الانتماءات الحزبية والمذهبية والمصالح الضيقة، تطرح مناسبة الغدير رؤية مختلفة لمفهوم الولاء، فالموالاة، بحسب هذا الفهم، لا ينبغي أن تقوم على العصبيات أو الانتماءات الضيقة، وإنما على معيار الحق والعدل والقيم الإيمانية، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن تتسع فيه الانقسامات وتتصاعد فيه النزاعات الفكرية والسياسية، حيث يُقدَّم نموذج الإمام علي عليه السلام باعتباره نموذجاً للقيادة المرتبطة بالمبادئ لا بالمصالح.
البعد الثقافي والاجتماعي للغدير في اليمن
لا يمكن فصل الاحتفاء بالغدير عن خصوصيته اليمنية، إذ تمثل المناسبة جزءاً من الموروث الثقافي والديني لشرائح واسعة من المجتمع اليمني، وتتحول فعاليات الغدير في كثير من المناطق إلى مساحة لتعزيز الروابط الاجتماعية، وإحياء قيم التكافل والتراحم وصلة الأرحام، إلى جانب دورها في ترسيخ الوعي الديني والثقافي، كما تعكس المشاركة الشعبية الواسعة في هذه المناسبة حالة من الارتباط الوجداني بالرموز الإسلامية الجامعة التي تمثل جزءاً من الهوية التاريخية للمجتمع اليمني.
بين الذاكرة والواقع
تكشف الرؤية المطروحة أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحتفل بالغدير؟، بل ربما يكون السؤال الأعمق: كيف يمكن للأمة أن تحافظ على ذاكرتها الدينية والتاريخية وأن تستفيد من دروسها في بناء حاضرها ومستقبلها؟، فالأمم لا تعيش بلا ذاكرة، والمجتمعات التي تفقد صلتها برموزها وقيمها المؤسسة تصبح أكثر عرضة للتيه الفكري والتشظي الثقافي، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار معاني القيادة الصالحة والارتباط بالقرآن الكريم والاقتداء بالقيم التي جسدها الإمام علي عليه السلام، بما يسهم في تعزيز الوعي والبصيرة وترسيخ الهوية الإيمانية للأمة.
ختاما ..
يبقى الغدير أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ فهو محطة لاستحضار معاني الولاء للحق والاقتداء بالنموذج الإسلامي الأصيل، وفرصة لتجديد الصلة بالقيم القرآنية والنبوية التي شكلت أساس الرسالة الإسلامية، وبغض النظر عن اختلاف القراءات والاجتهادات حول بعض تفاصيله التاريخية أو العقدية، فإن المناسبة تظل حاضرة في الوعي الشعبي والثقافي بوصفها جزءاً من التراث الإسلامي الذي يستدعي الدراسة والفهم والحوار الهادئ، بعيداً عن التعصب والانغلاق، وصولاً إلى ترسيخ ثقافة المعرفة والبصيرة والوعي.