استضافت قاعة المؤتمرات في معرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته السابعة والخمسين، ندوة فكرية بعنوان «شكري عياد: آفاق المشروع النقدي وقضايا الواقع»، تناولت تجربة أحد أبرز المفكرين والنقاد في الثقافة العربية الحديثة.

وأدار الندوة الدكتور سامي سليمان، الذي أكد في كلمته أن الكاتب والمفكر الكبير شكري عياد يُعد واحدًا من أهم العقول النقدية التي أنجبتها الثقافة العربية الحديثة، موضحًا أن تجربته الفكرية لم تكن اجتهادات متفرقة أو معالجات جزئية، بل مشروعًا فكريًا متكاملًا جمع بين الإبداع الفني، والبحث العلمي المنهجي، والرؤية النقدية العميقة.

وأوضح سليمان أن شكري عياد بدأ مسيرته الفكرية بالانشغال بكتاب «فن الشعر» لأرسطو، حيث لم يكتفِ بتفسيره وشرحه، بل قدّم ترجمة حديثة له إلى اللغة العربية، أعادت فتح باب الحوار بين التراث اليوناني والنقد العربي المعاصر، بلغة دقيقة وروح تحليلية واعية بسياق النص وتاريخه وأبعاده الفكرية.

وأشار إلى أن خصوصية شكري عياد تكمن في جمعه بين ثلاثة أبعاد فنية ومعرفية ونقدية في آنٍ واحد؛ فهو فنان يمتلك الحس الجمالي، وعالم منضبط بأدوات البحث العلمي، وناقد قادر على تفكيك النصوص وقراءة بنيتها الداخلية، دون عزلها عن سياقها الثقافي والحضاري.

وتوقف الدكتور سامي سليمان عند إسهامات شكري عياد في دراسة الثقافة العربية الموروثة، معتبرًا إياه صاحب إحدى الدراسات الرائدة في الأدب والأساطير، حيث انطلق من الأدب اليوناني، ثم وسّع دائرة البحث ليقدّم فهمًا جديدًا لبنية الشعر العربي ودلالاته، في إطار مقارن يربط بين الثقافات ولا يفصلها عن بعضها.

وأضاف أن شكري عياد كان من أوائل النقاد الذين ركزوا على البحث الأسلوبي في النقد العربي الحديث، وأسهم إسهامات بالغة الأهمية في هذا المجال، مؤكدًا أن اهتمامه بالأسلوب لم يكن شكليًا أو تقنيًا مجردًا، بل ارتبط برؤية عميقة لطبيعة النص الأدبي ووظيفته الجمالية والفكرية.

وأكد سليمان أن شكري عياد كان مثقفًا مشغولًا بقضايا الحداثة والتحديث، ولم ينظر إلى الحداثة بوصفها قطيعة مع التراث، بل تعامل معها باعتبارها حوارًا نقديًا واعيًا، وهو ما تجلّى بوضوح في تأسيسه لمجلة «النداء الجديد»، التي شكّلت منبرًا فكريًا مهمًا للدفاع عن التجديد والانفتاح الثقافي.

ومن جانبها، بدأت الدكتورة هدى شكري عياد حديثها بتوجيه الشكر إلى الهيئة المصرية العامة للكتاب ووزارة الثقافة، كما خصّت بالشكر الدكتور خالد أبو الليل، تقديرًا لجهودهم في إعادة نشر مؤلفات والدها المفكر الكبير شكري عياد، مؤكدة أن ما جرى يُعد تقديرًا مستحقًا وحقًا أصيلًا لواحد من أهم رموز الفكر والنقد في الثقافة العربية الحديثة.

وأضافت أن والدها اتخذ قرارًا حاسمًا في مسيرته الفكرية عند بلوغه سن الخمسين، حين قدّم استقالته من الجامعة وابتعد طوعًا عن أي منصب رسمي، مفضلًا أن يعيش مستقلًا ومتفرغًا بالكامل للكتابة والبحث العلمي، إيمانًا منه بأن الفكر الحقيقي لا يزدهر إلا في فضاء الحرية.

وأكدت أن المفكر، بمعناه الحقيقي، أصبح نادر الوجود في الوقت الراهن، مشيرة إلى أن إعادة نشر أعمال شكري عياد وتقديمها للأجيال الجديدة تمثل ضرورة ثقافية ملحّة، لا مجرد فعل تكريمي أو احتفائي.

واختتمت حديثها بتوجيه الشكر لكل من يقدّر القيمة الفكرية والإنسانية لشكري عياد، ولكل من يسهم في الحفاظ على إرثه الثقافي حيًا ومؤثرًا في الوعي العربي.

ومن جانبه، قال الدكتور جمال مقابلة، الأديب ونائب عميد كلية الآداب بجامعة الأردن، إنه سعيد بالمشاركة في هذا اللقاء الثقافي الذي يعيد الاعتبار لأحد أعمدة الفكر والنقد العربي، موجّهًا الشكر إلى الهيئة المصرية العامة للكتاب وإدارة معرض القاهرة الدولي للكتاب على جهودهم في إحياء تراث شكري عياد.

وأضاف مقابلة: «كان لي شرف كتابة رسالة الماجستير عن شكري عياد، وكانت تجربة علمية وإنسانية عميقة شكّلت وعيي النقدي، وفتحت أمامي آفاقًا جديدة لفهم العلاقة بين التراث والحداثة في الفكر العربي».

وأوضح أن الرسالة حظيت باهتمام خاص من شكري عياد نفسه، الذي تواصل مع الهيئة المصرية العامة للكتاب، وأسهم هذا التواصل في إتاحة الفرصة لتحويلها إلى كتاب منشور، ليخرج من الإطار الأكاديمي إلى فضاء القارئ العام، ويصبح جزءًا من مشروعه الثقافي الممتد.

وأكد أن شكري عياد لم يكن مجرد موضوع للبحث الأكاديمي، بل مفكرًا حيّ التأثير، يتابع ما يُكتب عنه، ويحرص على أن تتحول الدراسات الجادة إلى معرفة متاحة تخدم الثقافة العربية وتعمّق الحوار النقدي.

كما تحدث الدكتور مجدي توفيق، أستاذ البلاغة والنقد بجامعة الفيوم، مؤكدًا انتماءه علميًا إلى مدرسة الراحل الدكتور مصطفى نصر، التي أسهمت في تشكيل وعيه النقدي، وكانت دافعًا أساسيًا لقراءة أعمال أمين الخولي، وهو ما قاده في النهاية إلى الانشغال بالمشروع الفكري لشكري عياد وكتابة رسالة الدكتوراه عنه.

ووصف توفيق شكري عياد بأنه كاتب عظيم وناقد أعظم، معتبرًا إياه واحدًا من جيل الرواد الذين أسسوا لنقد عربي حديث يجمع بين العمق المنهجي والوعي الثقافي الواسع.

وتوقف عند موقف شكري عياد من الفكر الغربي، مشيرًا إلى أنه لم يتعامل مع الغرب بوصفه نموذجًا يُستنسخ، بل باعتباره مجالًا للحوار والفهم والمساءلة، وهو ما بدا واضحًا في تعامله مع النصوص الكلاسيكية، وعلى رأسها نصوص أرسطو.

وأكد أن ترجمة شكري عياد لكتاب «فن الشعر» مثّلت لحظة فارقة في الدرس النقدي العربي، موضحًا أنها لم تكن ترجمة حرفية أو جامدة، بل جاءت بأسلوب قوي وجذاب أعاد للنص حيويته، وجعله قريبًا من القارئ العربي المعاصر.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن مشروع شكري عياد، لا سيما في تعامله مع التراث الغربي، يظل نموذجًا للمثقف العربي القادر على الفهم والتأويل دون تبعية، وعلى الترجمة بوصفها فعلًا إبداعيًا لا مجرد نقل.

طباعة شارك قاعة المؤتمرات معرض القاهرة الدولي للكتاب «شكري عياد آفاق المشروع النقدي وقضايا الواقع الثقافة العربية الحديثة

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: قاعة المؤتمرات معرض القاهرة الدولي للكتاب شكري عياد

إقرأ أيضاً:

سلطة النقد تحذر من تداعيات خطيرة لقطع العلاقات المصرفية المراسلة

حذرت سلطة النقد الفلسطينية، مساء اليوم الخميس، 23 يوليو 2026، من التداعيات الخطيرة المترتبة على قطع العلاقات المصرفية المراسلة.

وقال محافظ سلطة النقد يحيى شنار خلال لقاء دولي رفيع المستوى عقدته سلطة النقد، في مقرها بمحافظة رام الله والبيرة، بمشاركة عدد من السفراء، وممثلي المؤسسات المالية والمصرفية الدولية والمنظمات الدولية، إن استمرار الإجراءات الإسرائيلية يقوض الاقتصاد الفلسطيني، ويهدد الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، داعيا إلى تحرك دولي عاجل ومنسق قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.

وعقدت سلطة النقد الجلسة تحت عنوان "نقطة الانهيار"، والتي هدفت إلى دق ناقوس الخطر قبل الانهيار التام للاقتصاد والذي يهدد الاستقرار في المنطقة، وقد تحدث في الجلسة كل من محافظ البنك المركزي الأردني عادل شركس، والمدير العام ورئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي فهد محمد التركي، عبر تقنية الاتصال المرئي، والممثل المقيم لصندوق النقد الدولي في الضفة الغربية وقطاع غزة توبياس روي، والمستشار الأول للمنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط (UNSCO) في القدس هانسيويرغ شترومير، ورئيس جمعية البنوك في فلسطين ماهر المصري، فيما شهدت الجلسة حضورا واسعا للسفراء وممثلي المؤسسات المالية والمصرفية الدولية.

ودعا شنار المجتمع الدولي والمؤسسات المالية الدولية إلى التحرك العاجل، وضرورة تدخل المجتمع الدولي للحفاظ على العلاقات المصرفية المراسلة مع البنوك الإسرائيلية، باعتبار ذلك الطريق الوحيد للوصول إلى السلع والخدمات عبر العالم.

وشدد المحافظ على أن أي اضطراب أو إنهاء للعلاقات المصرفية المراسلة سيتجاوز أثره القطاع المالي، وقد يتطور سريعا إلى أزمة اقتصادية وإنسانية واسعة النطاق، موضحا أن تعطل سلاسل التوريد قد يؤدي إلى نقص في الوقود والطاقة والمواد الغذائية الأساسية، إلى جانب ارتفاع الأسعار وتباطؤ حاد في النشاط الاقتصادي، وارتفاع غير مسبوق في مستويات البطالة والفقر، وذلك بالتزامن مع تفاقم الأزمة المالية العامة التي تواجهها الحكومة نتيجة استمرار إسرائيل في احتجاز إيرادات المقاصة، ما يزيد من صعوبة الوفاء بالتزاماتها المالية وتوفير الخدمات الأساسية.

وأوضح شنار أن 90% من الصادرات الفلسطينية تتجه إلى إسرائيل، فيما تأتي 100% من الواردات الفلسطينية من إسرائيل أو عبرها، ويأتي نحو 60% منها مباشرة من إسرائيل، بما يشمل قطاعات حيوية مثل الطاقة والوقود والمياه والدواء والغذاء، مضيفا أن العلاقات المصرفية المراسلة عالجت خلال عام 2025 معاملات بلغت قيمتها نحو 51 مليار شيقل، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على قنوات المدفوعات المصرفية في استمرار النشاط الاقتصادي وتدفق السلع والخدمات.

وقال إن الأزمة قد تدفع النشاط الاقتصادي نحو قنوات غير رسمية قائمة على التعاملات النقدية، ما يضعف ويقود الجهود المبذولة لمكافحة غسل الأموال، ويزيد من مخاطر العزلة عن شبكات المدفوعات العابرة للحدود، ويرفع تكلفة المعاملات، مؤكدا أن فلسطين تُعد من الدول المتقدمة في الالتزام بالمعايير والإجراءات الدولية في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وشدد على التزام القطاع المصرفي الفلسطيني بأعلى معايير الامتثال والشفافية، وبما يتوافق مع المتطلبات الدولية ذات الصلة، بما يعكس حرص دولة فلسطين على الحفاظ على سلامة ومتانة نظامها المالي وتعزيز الثقة به على المستويين الإقليمي والدولي.

ولفت شنار إلى أن تراكم السيولة النقدية بالشيقل يشكل تحديا إضافيا أمام القطاع المصرفي الفلسطيني، حيث بلغت السيولة النقدية المتراكمة بالشيقل في خزائن المصارف نحو 18 مليار شيقل، ما يقارب 6 مليارات دولار، الأمر الذي يحد من قدرة القطاع المصرفي على القيام بدوره في مجال تمويل التجارة من ناحية، وفي توفير التمويل للمشاريع الاقتصادية والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

من جانبهم، حذر ممثلو المؤسسات المالية الدولية والمنظمات الدولية المشاركة من أن أي انقطاع في العلاقات المصرفية المراسلة ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك حركة التجارة وسلاسل التوريد والأمن الغذائي والخدمات الأساسية.

وأكدوا أن هامش الوقت المتاح للتحرك يضيق، وأن تفادي سيناريو الانقطاع يتطلب تحركا دوليا عاجلا ومنسقا، والعمل على ضمان ترتيبات مستقرة ومستدامة تحول دون عزل القطاع المصرفي الفلسطيني عن النظام المالي العالمي، والحد من مخاطر انتقال الأزمة إلى الاقتصاد والمجتمع.

وجاء الاجتماع وسط تقارير أفادت بأن مصرفين إسرائيليين أبلغا مؤسسات مصرفية فلسطينية أنهما يعتزمان إنهاء خدمات مصرفية حيوية خلال أسابيع، وفق مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين، ما يثير مخاوف من حدوث أزمة اقتصادية في الضفة الغربية المحتلة.

وتُعد هذه العلاقات المصرفية ضرورية لتمويل واردات الضفة الغربية من إسرائيل، بما فيها الكهرباء والمياه والوقود والمواد الغذائية، وكذلك لتحويل الأجور التي يتقاضاها الفلسطينيون العاملون في إسرائيل.

وقالت وزارة المالية الإسرائيلية إن مصرفي "هبوعليم" و"ديسكونت" الإسرائيليين اقترحا قطع العلاقات مع المصارف الفلسطينية.

وقالت الوزارة، أول من أمس: "في ضوء بيئة المخاطر العامة والقلق المتزايد إزاء الدعاوى القضائية الخاصة ضد الكيانات المصرفية، أعلنت المصارف الإسرائيلية مؤخرا عن نيتها التوقف عن تقديم خدمات المراسلة".

المصدر : وكالة وفا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين تكليف أبو ماهر حلس مفوضا للتعبئة والتنظيم في غزة.. مركزية فتح تتخذ سلسلة إجراءات داخلية فلسطين: آلية الاستعلام عن نتائج الثانوية العامة "توجيهي" 2026 20 شهيدا فلسطينيا على يد المستوطنين منذ مطلع العام الجاري الأكثر قراءة إصابة عدد من المواطنين في اعتداء للمستوطنين والاحتلال يعتقل سبعة آخرين في يطا أحوال طقس فلسطين بدءاً من هذه الليلة وحتى يوم الأحد القادم فرنسا تبحث إمكانية شراء تطبيق "بيغاسوس" التجسسي الإسرائيلي زعيم الحوثيين يهدد السعودية باستهداف منشآتها النفطية ردا على أي هجمات عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026

مقالات مشابهة

  • جائزة الدكتور ساعد بن سعد العرابي الحارثي للتفوق العلمي تحتفي بالفائزين في دورتها الثانية والعشرين
  • هل المصريون فراعنة؟.. إجابة مفاجئة من الدكتور عماد الساعي
  • الناشرين العرب : معرض مكتبة الإسكندرية يعد موسمًا ثقافيًا متكاملًا
  • أبو العينين: خوارزميات الذكاء الاصطناعي ترسم ملامح القوة في العصر الحديث
  • هيئة الكتاب تصدر ديوان “مدن الجراح” للشاعر أحمد عباد
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
  • بعد تجربة مخيبة.. تشيلسي يعير غارناتشو إلى أستون فيلا
  • الدكتور طارق حنيش: مساندة متواصلة للجسم الإعلامي ومؤازرة ثابتة للصحفيين
  • سلطة النقد تحذر من تداعيات خطيرة لقطع العلاقات المصرفية المراسلة
  • الاتحاد العربي لكرة السلة يؤجل البطولة العربية المقرر إقامتها في شهر أغسطس إلى موعد لاحق