رواتب منهوبة ومعاناة بلا نهاية.. سياسة التجويع الحوثية تحاصر اليمنيين
تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT
منذ ما يقارب عشر سنوات، تواصل ميليشيا الحوثي تجاهلها الكامل لملف صرف مرتبات مئات الآلاف من الموظفين المدنيين في مناطق سيطرتها، في واحدة من أطول حالات الحرمان الممنهج للأجور في العصر الحديث.
هذا التجاهل لم يعد مجرد إخفاق إداري أو أزمة عابرة، بل تحول إلى سياسة ممنهجة تُستخدم كأداة ضغط وسيطرة، رغم الإيرادات الضخمة التي تجنيها الجماعة من الضرائب والجمارك والزكاة والاتصالات والمؤسسات الخدمية، في المحافظات الخاضعة لنفوذها.
وبينما تتذرع القيادات الحوثية بحجج واهية لتبرير وقف المرتبات، تتسع دائرة الفقر والبطالة، ويواجه الموظفون صعوبة متزايدة في تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم، وسط غياب أي أفق للحل، وانعدام شبكات الحماية الاجتماعية.
وتكشف الوقائع الميدانية عن سياسة تمييز صارخة، حيث لجأت الميليشيا إلى تقسيم الموظفين إلى فئات (أ، ب، ج)، تُمنح الفئة الأولى – التي تضم قياداتها وعناصرها والمؤسسات الإيرادية – المرتبات والمكافآت بانتظام، فيما يُقصى بقية الموظفين وفق معايير الولاء والطاعة، في ممارسة تعكس نزعة عنصرية طبقية غير مسبوقة.
صرخات مستمرة
تصاعدت خلال الفترة الماضية أصوات الغضب من داخل مناطق سيطرة الحوثيين، كان أبرزها هجوم الفنان اليمني علي الكوكباني، الذي وصف سلطة صنعاء بـ"الحكومة العنصرية"، مؤكداً أنها قسّمت المجتمع الوظيفي إلى طبقات غير متساوية في الحقوق والامتيازات.
وأوضح الكوكباني أن الفئة الأولى، التي أطلق عليها وصف "البشوات وأولياء الله"، تضم قيادات المجلس السياسي الأعلى ومجلسي النواب والشورى، إلى جانب وزراء وقضاة محسوبين على سلالة واحدة، يحصلون على رواتب كاملة ومكافآت سخية، في حين تُركت الفئة الثالثة من الكادحين والفقراء لمواجهة مصيرهم دون أي دخل.
وتساءل الكوكباني بمرارة عن مصير المليارات التي تُجمع سنوياً من الزكاة والجمارك والضرائب، في وقت تُدفع فيه آلاف الأسر إلى التسول، وتتراجع الكرامة المعيشية للمواطن إلى مستويات غير مسبوقة. كما أشار إلى عجز كثير من الأسر عن تحمّل نفقات العلاج أو تعليم أبنائها، في مخالفة صريحة لنصوص الدستور المتعلقة بمجانية التعليم والرعاية الصحية.
اليأس يدفع إلى حافة الموت
في ظل هذا الانهيار المعيشي، تشهد المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين ارتفاعاً مقلقاً في حالات الانتحار، خصوصاً بين الموظفين والمواطنين الذين فقدوا مصادر دخلهم. ولم تعد هذه الحوادث حالات فردية معزولة، بل تحولت إلى مؤشر خطير على تدهور الصحة النفسية والاجتماعية، نتيجة الضغوط الاقتصادية الخانقة، وفقدان الأمل، وغياب أي شبكات دعم.
وربطت منظمات حقوقية محلية هذه الظاهرة بتفاقم الفقر، وتدهور الخدمات الصحية، وانعدام فرص العمل والتعليم، إلى جانب البيئة الأمنية المغلقة التي تُقيد الحريات، وتمنع أي تعبير سلمي عن المطالب الحقوقية.
تزامناً مع أزمة المرتبات، حذّرت ست منظمات دولية كبرى – بينها برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، واليونيسيف – من تفاقم غير مسبوق في أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، مؤكدة أن البلاد باتت رابع أكثر دولة في العالم معاناة من الجوع.
وبحسب تقارير هذه المنظمات، يواجه أكثر من 18.3 مليون يمني مستويات "الأزمة" أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، فيما يتهدد نحو 41 ألف شخص في مناطق سيطرة الحوثيين خطر المجاعة الكارثية (المرحلة الخامسة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC).
وأظهرت البيانات أن 61% من الأسر اليمنية لم تتمكن من تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، بينما يعاني 35% من حرمان غذائي حاد، وسط تراجع حاد في المساعدات الإنسانية. كما صنّف تقرير "بؤر الجوع العالمية" الصادر عن منظمة العمل ضد الجوع اليمن ضمن أخطر عشر بؤر للجوع في العالم، محتلاً المرتبة السادسة، مع معاناة 16.7 مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي.
بدورها، حذرت لجنة الإنقاذ الدولية من دخول اليمن مرحلة شديدة الخطورة، مع احتمال حدوث مجاعة في أربع مناطق خلال فترة وجيزة. وأكدت أن أكثر من نصف السكان قد يواجهون مستويات متفاقمة من الجوع بحلول أوائل 2026، في ظل تمويل إنساني لم يتجاوز 25% من المطلوب، وهو الأدنى منذ عقد.
وأشارت اللجنة إلى أن بعض الأسر اضطرت لجمع النباتات البرية لإطعام أطفالها، في مشهد يعكس عمق الكارثة الإنسانية، محذّرة من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح ما لم يحدث تدخل دولي عاجل.
أولوية القيادات لا الموظفين
في مقابل هذه الكارثة، تواصل سلطة الحوثيين تقديم مبررات وُصفت بالواهية لعدم صرف المرتبات. وكشف مسؤول في وزارة الصحة بصنعاء عن توقف الرواتب منذ أشهر، بذريعة أن القطاع الصحي "ليس أولوية"، في وقت تُصرف فيه مخصصات قيادات الميليشيا ومشرفيها دون انقطاع. وأكد أن هذا الإهمال دفع آلاف العاملين الصحيين إلى ما دون خط الفقر، مهدداً بانهيار المنظومة الصحية في مناطق سيطرة الجماعة.
السفير اليمني السابق نايف القانص وصف تعاطي سلطة صنعاء مع ملف المرتبات بأنه "ابتزاز جماعي"، مؤكداً أن الجماعة تميّع القضية باستخدام شماعة "نقل البنك المركزي"، متسائلاً عن مصير الإيرادات الهائلة التي تُجبى بالقوة.
وأشار القانص إلى أن تحميل الموظف تبعات صراع سياسي لا يد له فيه يمثل جريمة أخلاقية وإنسانية، رافضاً استخدام فشل الحكومة الشرعية ذريعة لتجويع الناس، ومؤكداً أن ما يحدث هو عقاب جماعي ممنهج.
من جانبه، انتقد الناشط السياسي نايف المشرع السياسات المالية لسلطة الحوثيين، معتبراً أنها حوّلت مؤسسات الدولة إلى "حصالات جبائية"، تُقيَّم بمدى ما تجبيه لا بما تقدمه من خدمات.
وأوضح أن الإيرادات تضاعفت خمس مرات مقارنة بما قبل الحرب، دون أن ينعكس ذلك على صرف المرتبات أو تحسين الخدمات، محذّراً من أن هذا النهج يوسّع فجوة السخط الشعبي، ويقوض ما تبقى من ثقة بين المواطن والسلطة.
وتكشف هذه الوقائع المتداخلة أن أزمة المرتبات في مناطق سيطرة الحوثيين لم تعد مجرد ملف اقتصادي، بل باتت محوراً لانهيار اجتماعي وإنساني شامل، تتقاطع فيه سياسات التمييز، والجباية القسرية، وغياب العدالة، مع أخطر موجات الجوع التي يشهدها اليمن منذ عقود. وبين تجاهل داخلي وتحذيرات دولية متصاعدة، يبقى الموظف اليمني الحلقة الأضعف في معادلة سلطة تدير الموارد كغنائم، وتترك المجتمع يواجه مصيره وحيداً.
المصدر
المصدر: نيوزيمن
كلمات دلالية: سیطرة الحوثیین مناطق سیطرة فی مناطق التی ت
إقرأ أيضاً:
فقدان الصحة..نهاية كل شيء!
أميمة بنت علي الراشدية
كنت سأبدأ المقال بطرح الأسئلة، ولكن تراجعت في اللحظة الأخيرة، وآثرت أن أدخل مباشرة نحو الحديث عن قيمة الصحة التي لا يدرك قيمتها إلا المرضى، وتذكرت حديثًا طويلًا قيل لي عن الثمن الباهظ الذي ندفعه عندما نهمل صحتنا، ونعتقد بأننا بخير في كل الأحوال.
ثم سمعت من أقرب الناس عن قصص الحياة والموت والأنين والوجع الذي لا يحتمل بحكم عمله بين أقسام المستشفى، قال لي: إذا أردتِ أن تعرفي قيمة الصحة، فعليكِ بزيارة أقسام التنويم، ستعلمين كيف يعيش المرضى ساعات يومهم في انتظار الفرج والخروج من الغرف الباردة!
قال بأن الحياة حجمها يصغر كثيرًا عند نوبات الألم القصوى، فلا الترياق، في بعض الحالات، يكتم الألم، ولا الأنين يسمعه من بالخارج، قصص ومشاهد لا يعرفها الكثير من الناس؛ لأنهم لم يدخلوا في هذه الدوامة من الصبر وتحمل أقسى الظروف.
لم أُصب بالصدمة، لكن زادت مخاوفي من المرض وفقدان الصحة، منذ فترة لم أكن منتظمة على أخذ أدوية السكر في الوقت المحدد، أحيانًا أنسى وسط زحمة العمل اليومي، ومسؤوليات الأسرة، ومتطلبات العمل الإداري.
لكن ما إن اتضحت أمامي الصورة، عاهدت نفسي على الانتظام والانضباط على أخذ العلاج بكل ترحاب، بيني وبين نفسي صراع نفسي وخوف من المجهول، قد يكون طبيعيًا، فما نراه من فقد يجعلنا نطرق أبواب النقاش لنؤكد بأن الصحة، كما قيل منذ زمن: "تاج على رؤوس الأصحاء"، لا يشعر بقيمتها الحقيقية إلا من ابتلي بالمرض.
في الإذاعة المدرسية قدمت حكمة الصباح، لم أكن أعرف مغزاها الحقيقي إلا عندما كبرت وتعلمت، فالحكمة تقول: "إذا فقدت المال لم تفقد شيئًا، وإذا فقدت الصحة فقدت بعض الشيء، وإذا فقدت الأخلاق فقدت كل شيء".
غياب الصحة ليس من السهولة استرجاعها، وإن رجعت فأحيانًا لا تعود إلى أصلها الماضي، ضياع الصحة ثمنه باهظ، فكم من مريض أعياه المرض، فعندما تحيط بك العاهات لن تلتفت إلى ما جمعته من مال بقدر ما تتمنى أن يخلصك الله من شكواك.
المرض هو الزائر الذي لا يطرق أبواب الجسد، لكنه يتغلغل بين ثناياه، فيحول الوقت إلى عالم لا محدود من الدقائق والثواني والأيام، المرض مخيف بدرجة لا يمكن الوثوق في موعد خروجه، بعض الأمراض تعيش في أجساد الناس منذ الإصابة وحتى الموت، يُدفن الإنسان في قبره والمرض هو الرفيق الذي لازمه، رحلة طويلة وصراع من أجل البقاء بخير.
لماذا يخاف الإنسان من الإصابة بالمرض؟ من الواقع نستشف كيف يصنع رهاب المرض بالإنسان، خاصة عندما تكون الإصابة قاتلة، ففي أيام "كوفيد-19"، وفي ذروة نشاط الفيروس وسرعة انتشاره، وسقوط المصابين بالداء في الشوارع والممرات وفي كل مكان، كان الخوف يتوحش أكثر، ليس لأنه مجرد حالة عارضة سرعان ما تنتهي، لكنه الفناء الذي من أجله تُحبس الأنفاس، لهذا كان الخوف ليس مجرد فطرة غرائزية عند البشر، ولكن حالة طبيعية من أجل البقاء، فالإصابة قد تكون عنوانًا لبداية الموت!
كل الذين خرجوا من أزمتهم الصحية في زمن كورونا يدركون معنى الصحة، يعرفون معنى أنك معافى من المرض، سبروا خفايا الإحساس بالخوف عن قرب، لذا عليك أن تصغي لما سيقولونه عن المرض، وكيف وجدوا الحياة أثناء الإصابة، والخروج من عنق الزجاجة.
لذا نقول: "اهتموا بصحتكم، وحافظوا على قواكم، ولا تحملوا أنفسكم طاقة لا تحتمل، فالحياة قبل المرض شيء، وأثناء المرض شيء آخر، والمرض يعد أكبر الأزمات التي يمر بها الإنسان في حياته، لذا ضعوا: "الوقاية خير من العلاج" نصب أعينكم.