شكري عياد.. مشروع نقدي متكامل بين التراث والحداثة في ندوة معرض القاهرة الدولي للكتاب
تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT
استضافت قاعة المؤتمرات بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته الـ57، اليوم، ندوة لمناقشة "شكري عياد.. آفاق المشروع النقدي وقضايا الواقع".
وقال الناقد حسين حمودة، خلال إدارة الندوة، إن الكاتب شكري عياد يُعد واحدًا من أبرز المفكرين العرب الذين جمعوا بين الإبداع الفني والبحث النقدي العميق، مؤكدًا أن أعماله تمثل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يسعى لفهم التراث وإعادة قراءته بروح معاصرة.
وأضاف حمودة أن عياد كان دائمًا ملتزمًا بـالحرية الفكرية والاستقلالية في مساره الإبداعي، ما جعله نموذجًا للمثقف العربي الذي يجمع بين الرؤية النقدية والذائقة الجمالية.
ومن جانبه، قال الدكتور أيمن تعيلب، الناقد الكبير، إننا حين نتوقف أمام تجربة شكري عياد فإننا نقف أمام نموذج فريد يجمع بين الناقد والمفكر والفيلسوف، مشيرًا إلى أن كتب شكري عياد لا تقدم إجابات جاهزة، بقدر ما تطرح أسئلة معرفية واسعة تظل مفتوحة على التأمل والحوار.
وأوضح تعيلب أن شكري عياد كان يرفض الانفصال بين الشكل والمضمون، أو بين الجمالي والفكري، إذ كان يرى أن القيمة الجمالية للعمل الأدبي لا تتحقق إلا داخل سياق ثقافي وإنساني شامل، وهو ما انعكس بوضوح في قراءاته النقدية التي اتسمت بالعمق والاتزان.
وأضاف أن أحكام شكري عياد النقدية كانت تتحرك دائمًا بين الإشفاق والإنصاف؛ إشفاق على التجارب الإبداعية في لحظات تعثرها، وإنصاف لما تحققه من قيمة فنية حقيقية، بعيدًا عن القسوة أو المجاملة، وهو ما منح كتاباته طابعًا أخلاقيًا ومعرفيًا في آن واحد.
وأشار إلى أن المناهج النقدية عند شكري عياد لم تكن جهدًا فلسفيًا مجردًا أو استعراضًا نظريًا، بل أدوات تحليلية حية، يوظفها لفهم النص الأدبي والكشف عن بنيته الجمالية ودلالاته الفكرية، دون أن يفقد النص خصوصيته أو يحاصره في قوالب جامدة.
وأكد تعيلب أن كتابات شكري عياد، سواء في النقد أو الترجمة أو التأصيل النظري، تمثل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يسعى إلى بناء وعي نقدي عربي قادر على الحوار مع التراث والحداثة معًا، وهو ما يجعل العودة إلى أعماله اليوم ضرورة ثقافية، لا مجرد استعادة لاسم كبير من أسماء النقد العربي.
ومن جانبه قال الدكتور خيري دومة، الناقد والأكاديمي المعروف، إنه أحب كل ما كتبه المفكر الكبير شكري عياد في مجالات الإبداع والنقد، مشيرًا إلى أن عياد يمتلك صياغات دقيقة تجعل كل عمل يقدمه غنيًا بالفكر والتحليل.
وأضاف أن فكرة النوع الأدبي كانت بالنسبة له فكرة جوهرية، وهو ما دفعه إلى البحث المعمق في القصة القصيرة في مصر، حيث اكتشف في إحدى مقالاته أن هذا النوع الأدبي يمثل تأصيل الفن.
وأوضح دومة أن شكري عياد كتب عن الأديب أمين الخولي بعد وفاته عام 1966، مشيرًا إلى أن عياد قدّم عام 1944 دراسة عن القصة القصيرة، لكنه وُوجه بالرفض، وطلب منه أن يمسك بخيط الثقافة العربية التي لم تستقبل القصة القصيرة بعد. ومع ذلك، واصل عياد بحثه في الماجستير والدكتوراه، حيث درس نصوص أرسطو وترجم كتابه من اليونانية إلى العربية، مما عزز فهمه للشعر الأدبي وأثره على الأدب العربي.
وأضاف دومة أن تأثير شكري عياد على النوع الأدبي بدا واضحًا في مقالته الشهيرة «مشكلة التصنيف في الأدب» عام 1993، حيث تتبّع الدراسة من أفلاطون وصولًا إلى فهمه العميق للأدب. كما أشار إلى أن كتابه عن الأساطير يُعد مرجعًا في الترسيخ لفكرة العمل الأدبي، إذ كان يرى أن فكرة العمل الأدبي تراوده منذ البداية وحتى نهايته، وظل يبحث في جميع النواحي، لكن فكرة النوع الأدبي ظلت تراوده باستمرار.
وتابع دومة أن شكري عياد، في دراسته للقصة القصيرة، اعتمد منهجًا تفصيليًا منظمًا، حيث بدأ بتقسيم عمله إلى فصول وهي الفصل الأول: منابع القصة القصيرة والفصل الثاني: ألوان القصة القصيرة والفصل الثالث: فن القصة القصيرة، الذي بني عليه كل ما كتب لاحقًا عن القصة القصيرة في العالم والفصل الرابع: تمثل الشكل الجديد للقصة القصيرة.
وأشار دومة إلى أن في كل فصل كان شكري عياد يوضح كيف ترسخ هذا النوع الأدبي وأصبح له وجوده المستقل، معتمدًا على دراسة واسعة لمصادر ثقافية متنوعة، ما جعله قادرًا على بناء رؤية نقدية متكاملة حول القصة القصيرة في الأدب المصري والعربي.
ومن جانبه تحدث الدكتور محمد عبد الباسط عيد عن تجربة النقد عند المفكر الكبير شكري عياد، مشيرًا إلى أن مرحلة عام 1952 شهدت تحررًا ثقافيًا واضحًا، حيث لم يكن النشاط الثقافي معزولًا عن السياق السياسي والاجتماعي، بل كان مرتبطًا بالقضايا الوطنية والفكرية والاجتماعية.
وأضاف أن المنهج النقدي عند عياد لم يكن مجرد أسلوب تقني، بل كان قضية تفكير علمي وفلسفي، يعكس انشغال جيل كامل بالنقد العربي وتحديثه، وهو ما يشبه ما تحدث عنه الدكتور طه حسين حول الروح الثقافية في مصر وعالم العرب.
وأوضح عيد أن مسار النقد الأدبي قد شهد تحولًا كبيرًا في تلك الفترة، من التركيز على الأسلوب التقليدي والموضوعي إلى مناهج أكثر حداثة، شملت البنيوية والتحديث النقدي، وهو ما جعله قادرًا على تطوير فهم النص الأدبي من منظور شامل.
وأكد أن الكتابة والقراءة في منظور شكري عياد لم تكن مجرد ممارسة فنية، بل كانت فعلًا معرفيًا متكاملًا، يجمع بين التحليل النقدي العميق والقدرة على استيعاب الأبعاد الجمالية والثقافية للنصوص. وأضاف أن عياد لم ينظر إلى الأدب بمعزل عن الواقع، بل اعتبره مرآة للتجربة الإنسانية والفكرية، مؤكدًا على أهمية ربط النقد بالقيم الثقافية والفكرية التي تصنع الوعي.
وختم عيد حديثه بالإشارة إلى أن إرث شكري عياد النقدي يظل نموذجًا حيًا للمثقف العربي المعاصر، القادر على الحوار مع التراث والتفاعل مع الحداثة، وأن فهمه للنقد الأدبي لم يكن مجرد دراسة نصوص، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يسعى إلى تطوير الوعي النقدي في المجتمع العربي.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: قاعة المؤتمرات معرض القاهرة الدولي للكتاب شكري عياد القصة القصیرة مشیر ا إلى أن ا متکامل ا ا ثقافی ا وأضاف أن أن عیاد مشروع ا عیاد لم وهو ما
إقرأ أيضاً:
تحترق المكتبات وترحل المرويات!
كنت أستمع إلى خبر أوردته وكالة الأنباء العُمانية يشير إلى أن فريقاً مختصاً من التاريخ الشفوي يواصل زياراته الميدانية لمختلف المحافظات ضمن جهود وطنية تهدف إلى توثيق الروايات الشفوية، وصون الموروث الثقافي.
وفي اليوم نفسه شاهدت على شاشة قناة عُمان الفضائية مقابلات ولقاءات تجرى مع كبار السن. وقبل ذلك أحرص على متابعة برنامج (مناشدة) الذي يقدم عددا من اللقاءات مع كبار السن يستجدي أخبارهم عن الماضي وحوادثه.
أستعيد ذلك الخبر الآن وتلك المشاهد، وتحضر في بالي مقولة سيدنا الجاحظ «إن المعاني ملقاة على قوارع الطريق»، فأقول: إذا كانت المعاني والكلمات ملقاة على قوارع الطرقات، فيحق لنا أن نقول كذلك: إن المرويات والحكايات ملقاة على شفاه آبائنا وأجدادنا كبار السن والشيوخ، تنتظر من يحررها وينتشلها، وينزلها من علوها قبل أن تطير وترحل.
أن يروي لك كبير في السن حكاية أو قصة أو حكمة فتلك هي عصارة الحياة ورحيقها، فكلامه ليس كلاماً يومياً عابراً، بل كلام يستند إلى أساس ومنهج وبناء وحبكة، ويخضع لمعان ثابتة وخالدة.
لكبار السن قيمة معرفية تتجلى في درايتهم، وقدرتهم على استحضار الماضي وحيويتهم وخبرتهم فيه، لماض عايشوه أو شاركوا فيه أو شاهدوه، أو حتى سمعوا شيئا عنه، وكانوا قريبا منه. هؤلاء هم الذخيرة والكنز الذي لا ينضب معينه. وبوجودهم يتلألأ الحكي وتزدهر الحكاية، وبفقدانهم ورحيلهم تنكفي الحكاية، وتتلاشى إلى أن ترحل.
وصف ذلك الفيلسوف والمفكر المالي (أمادو همباتي با) بعبارة أطلقها عام ١٩٦٠ في مؤتمر اليونسكو قائلا: (عندما يموت شيخ مسن في أفريقيا فإن موته يكون بمثابة احتراق مكتبة)، وفي مراكش يموت حكاؤو ساحة جامع الفنا فتموت مكتبة.
نقول بكل حسرة: كم من كبار السن والحكائين الذين رحلوا ورحلت معهم حكاياتهم وقصصهم! ولم تدرك أهميتهم في حينه، لكنهم يرحلون بصمت، وتحترق في دواخلهم مكتبات زاخرة من المرويات الشفهية وتندثر، ولم يجدوا في زمنهم من يستنطق صمتهم، وينبش حضورهم ويستجدي تلك الدرر من الحكايات منهم. يموتوا يوميا دون أن نفكر تسجيل ذاكرتهم التي ترحل معهم، لا نفعل لهم إلا ثلاثة أيام حزناً، وتمضي، ثم تعود الحياة إلى مجرها ونهرها المتسارع. كل ذلك دون أن ندرك مدى الخسارة التي لحقتنا بموت ذلك الشيخ الكبير.
إنها بالأحرى موت ذاكرة ورحيل مكتبة ذات رفرف من الحكايات والقصص التي لم ترو أو التي رويت وتناثرت في الفضاء. بكلمة أخرى تكمن فلسفة الرحيل في الفقد من فقد عزيز إلى فقدان ذاكرة، لكن الفرق بينهما هو أن الذاكرة قد لا ترحل إذا لقيت من يحافظ عليها، ونعيدها للحياة من جديد، حتى لو رحل الجسد وصعدت الروح. نقول: من منا لم تعلق في ذاكرته رواية أو قصة قصيرة أو مثلاً أو حكمة سمعها وهو صغير من جد أو جدة، أو من شخص كبير في السن في الحارة؟ تلك المرويات التي غادرت أجساد راويها، ولم تغادرنا نحن، حكايات بقيت في ذاكرتنا، لكنها ذات يوم ربما تغادر وتسبقنا إلى دار الخلود. الحكاية المعلقة على شفاه كبار السن تظل حية تؤرق أخضرا، لكنها قد تذبل وتسقط وتتوارى عندما لا يوجد من يرويها ويعتني بها ليعيدها إلى تألقها الأول.
ليس الموت وحده من يهدد ذاكرة هؤلاء الحكائين كبار السن، أو الرواة، بل النسيان وفقدان الذاكرة، وطغيان وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع أدوارهم في المجتمع. وقد تكون بعض العادات والتقاليد تشكل عائقاً تمنع الراوي من الإدلاء بما لديه، ويفضل كتمها وعدم الإفصاح بها لمحاذير دينية أو مجتمعية، أو لأسباب قد يراها تخدش الحياة، أو تمس مجموعة أو فرداً معيناً.
لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله.
تاريخنا العُماني زاخر بالتراث الشفوي؛ مرويات قصص، والشعر، الحكم، أمثال، الرقصات، والأناشيد، والأهازيج، والفولكلور الشعبي، الملابس، والطبخ، والأساطير، النكت والألغاز، والغناء، ومجموعة من العادات والتقاليد، ومن الأحداث والمعارف والآراء وعادات، وممارسات سلوكية دينية وأخلاقية، وأخبار السحرة والمغيبين والأساطير الخارقة. ولا يزال بعض سارديها على قيد الحياة. ولا تزال ذاكرتهم متقدة تنتظر من يشعلها.
إن التراث بمجمله المدون منه والشفوي هو هوية ثقافية مختومة في حياة الشعوب وذاكرتها، والعلاقة بينهما، علاقة تكاملية تعادلية. (قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر) هكذا ينبغي أن تكون. وما من شيء يحفظ هذه الذاكرة أكثر من الاهتمام بها وتوثيقها وحفظها من الاندثار، وبالرغم من تزاحم التقانة ووسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها لجأت بعض الدول إلى انتشال ذلك الموروث.
يتحسر المرء، ويقول: لو فكرنا في ذلك منذ سنوات طويلة لكانت الحصيلة كبيرة جداً، ولكانت لدينا الآن مكتبات ومجلدات من الكتب والمراجع.
لكن دون ريب خطوة تدوين التراث الشفوي هي خطوة رائدة متسقة مع أهمية هذا التراث، وضرورة استنهاضه وبث الروح فيه من جديدة، وذلك ما يجب أن يكون لحمايته من الاندثار والانهزام وتدوينه وتصنيفه وتدريسه.
التراث الشفوي ذو أهمية قصوى في إبراز جزء مهم وأصيل من الثقافة العُمانية ورافد مهم ومكون في المحافظة على الهوية الوطنية.
وتتعدد أشكال المحافظة على ذلك التراث الشفوي كالاستفادة من المرويات والأساطير وحكايات السحرة والمغيبين في الإنتاج الأدبي في الشعر والإنتاج القصصي والروائي كتلك الحكايات التي تضمنتها الكثير من الكتب، خصوصا التراثية منها، وحكاية مسحورة نزوى التي دُوِّنَت لاحقا على شكل شعر، واسْتُفِيد منها في السرد والروايات، وكذلك ما تقدمه قناة عمان الثقافية كجزء من هذه المهمة. وفي المستقبل ربما يأتي يوما نشاهد فيه قناة تلفزيونية وثائقية خاصة بالتراث العُماني.
في مراكش مثلاً تجوب الحكاية ساحة جامع الفنا حيث الحكاؤون الذين يجدون ضالتهم في الساحة يطرحون فيها حكاياتهم، وينسجون أساطيرهم على إيقاعات ممسرحة مطرزة بالأغاني والأهازيج، يتمايلون في رقصات تطاول الفضاءات. وفي فلسطين أطلقت الجهات المختصة (مشروع الأرشيف الشفوي للتاريخ الفلسطيني) توثق فيه الشهادات التي يدلي بها الأجيال، والحكايات والمرويات، ويسعى إلى رقمنة هذه الشهادات وحفظها وتأمين الوصول إليها.
وفي جنوب أفريقيا عمدت لجنة الحقيقة والمصالحة التي تشكلت بعد مرحلة الفصل العنصري في عام ١٩٩٥ إلى اعتبار تلك الفترة ضمن التراث الشفوي، فعمدت إلى توثيق شهادات ضحايا العنف ومرتكبيه، وسمحت لهم أن يعبروا عن شهاداتهم.
هل علينا أن نعيد قراءة التراث الشفوي وتشذيبه؟
هناك رأيان في المحافظة على التراث الشفهيّ؛ الأول: أن نأخذ هذا التراث غير المادي كما هو، وننقله بحذافيره دون تدخل بينما يقول الرأي الآخر بضرورة تشذيب هذا الموروث وغربلته وتنقيته من الشوائب، وإخراجه بشكل مع الاحتفاظ بأركانه الرئيسية، وهذا ما أيده بعض المؤرخين والباحثين الذين يرون أهمية التراث الشفوي مع ضرورة تنقية الروايات الشفوية وتصفيتها من الكثير من المغالطات مثل ابن خلدون والطبري وغيرهم. وذكر ابن خلدون أن الرواية الشفوية جزء من التاريخ ومكمل له رغم أنه يضع شروطا لنقلها وصحتها.
الشيء الآخر الذي يهدد التراث المادي منه وغير المادي الشفوي بالخصوص هو السطو عليه وتبنيه من قبل دول ونسبه لها، فتعمل على توثيقه وتسجيله وكأنه تراث ملك لها. دول تجد نفسها بلا تاريخ ولا موروث، فتلجأ للسرقة والاستحواذ على تراث الدول الأخرى، كما فعلته وتفعله إسرائيل وبعض الدول التي تنسب بعض المأثورات الشعبية لها، وتسارع إلى تسجيلها في المنظمات الدولية. ولتجنب ذلك تقوم الدول والجماعات المضطهدة، أو التي تتعرض للاستعمار بحفظ تراثها الشفوي عن طريق تدوينه وترحيله لحفظه في مراجع دولية موثوقة خوفا من الطمس والضياع.
وهناك رواية المستعمر أو القوي، وهي غالبا ما يتم ترويجها وبثها عكس رواية المستضعف أو الضعيف المضطهد التي تتوارى، ولا يستطيع تدوينها نتيجة للاضطهاد والقهر الذي يتعرض له.