إعلان دونالد ترامب في دافوس عما سمّاه «مجلس السلام» لم يأتِ بوصفه مبادرة عابرة أو لفتة خطابية في منتدى اقتصادي عالمي، بل كجزء من محاولة واعية لإعادة صياغة دور الولايات المتحدة في النظام الدولي، لا باعتبارها راعية للقواعد، بل باعتبارها صاحبة اليد العليا في فرض «السلام» بشروطها. فدافوس، بما يمثله من رمزية للنخب الاقتصادية والسياسية العابرة للحدود، كان المنصة المثالية لتوجيه رسالة مزدوجة: طمأنة رأس المال العالمي من جهة، وتأكيد أن واشنطن لا تزال قادرة على هندسة التوازنات الدولية من جهة أخرى.
في جوهره، يعكس «مجلس السلام» رؤية ترامب البراغماتية للعلاقات الدولية؛ سلامٌ لا يقوم على العدالة أو معالجة جذور الصراعات، بل على إدارة الأزمات بأقل كلفة مباشرة على الولايات المتحدة، وبأعلى عائد سياسي واقتصادي. هو سلام أقرب إلى صفقات مؤقتة، تُدار بعقلية التاجر لا بعقلية رجل الدولة.
يثير طرح دونالد ترامب لـ«مجلس السلام» سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام محاولة فعلية لمنافسة الأمم المتحدة، أم أمام أداة ضغط سياسية واقتصادية جديدة تُقدَّم في ثوب مؤسسي؟ القراءة المتأنية تشير إلى أن الهدف ليس استبدال الأمم المتحدة مباشرة، بل تقويض دورها العملي وإعادة تعريف مفهوم الشرعية الدولية خارج أطرها التقليدية.
ترامب لطالما نظر إلى الأمم المتحدة باعتبارها مؤسسة مُكلفة، بطيئة، وتحدّ من حرية الحركة الأميركية. ومن هذا المنطلق، يأتي «مجلس السلام» كبديل مرن، لا يخضع لتعقيدات الإجماع الدولي ولا لآليات الفيتو أو القانون الدولي. هو إطار انتقائي، يُدار بمنطق «من يدفع يشارك، ومن يشارك يقرّر»، على عكس الأمم المتحدة التي تقوم نظرياً على مبدأ المساواة السيادية بين الدول. بهذا المعنى، لا ينافس ترامب المنظمة الأممية شكلياً، بل يسحب منها جوهر التأثير: القدرة على أن تكون المرجعية الأولى لإدارة النزاعات.
أما اقتراحه بأن تدفع الدول مليار دولار للعضوية، فلا يمكن فهمه كشرط مالي فقط، بل كآلية سياسية متعددة الوظائف. أولاً، هو اختبار ولاء والتزام؛ فالدولة التي تدفع هذا الرقم الباهظ تُعلن عملياً قبولها بقواعد اللعبة الجديدة، وتضع نفسها داخل دائرة النفوذ الأميركي المباشر. ثانياً، هو أداة إقصاء ناعمة، تستبعد تلقائياً الدول الفقيرة أو تلك غير القادرة أو غير الراغبة في دفع هذا الثمن، ما يحوّل المجلس إلى نادٍ مغلق للقوى القادرة مالياً، لا إلى مؤسسة جامعة.
في النهاية، يعكس التوجّه عقلية ترامب التجارية الصريحة: السلام ليس قيمة أخلاقية مجانية، بل «خدمة» لها تكلفة، ومن يريد الاستفادة من المظلة السياسية أو الأمنية عليه أن يدفع. هذا الطرح ينسجم مع رؤيته السابقة لحلف الناتو وللعلاقات الدولية عموماً، حيث تتحول التحالفات إلى عقود، والالتزامات إلى مستحقّات واجبة.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: مجلس سلام ترامب د سراج الدين ياسين سراج الدين دونالد ترامب دافوس مجلس السلام الولايات المتحدة الأمم المتحدة مجلس السلام
إقرأ أيضاً:
مصر تقود التنسيق الإفريقي لمكافحة التصحر استعدادًا لـ COP17
استضافت جمهورية مصر العربية، ممثلة في وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، فعاليات الاجتماع التحضيري للمجموعة الإفريقية للمفاوضين التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وذلك في إطار الاستعدادات للدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف (COP17).
وشهد الاجتماع، الذي نظمه مركز بحوث الصحراء تحت رعاية السيد علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، مشاركة ممثلين عن مفوضية الاتحاد الإفريقي وأمانة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، إلى جانب خبراء ومفاوضين من مختلف الدول الإفريقية.
الجلسة الافتتاحية
وخلال الجلسة الافتتاحية، ألقت الدكتورة غادة حجازي، نائب رئيس مركز بحوث الصحراء للبحوث والدراسات، كلمة نيابةً عن الدكتور حسام شوقي، رئيس المركز والمنسق الوطني لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، حيث نقلت تحيات وزير الزراعة، ورئيس المركز، إلى جميع المشاركين، مرحبةً بالوفود الإفريقية في مصر، ومؤكدةً التزام الدولة المصرية بدعم العمل الإفريقي المشترك وتعزيز التنسيق بين دول القارة لمواجهة تحديات التصحر والجفاف وتدهور الأراضي.
وأشارت نائب رئيس المركز، إلى أن قضايا الأراضي والمياه والأمن الغذائي أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه القارة الإفريقية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، مؤكدةً أن مكافحة التصحر لا تمثل قضية بيئية فحسب، بل تُعد أيضًا أولوية تنموية واقتصادية ترتبط بشكل مباشر بتحقيق الاستقرار وتحسين سبل معيشة المجتمعات المحلية. كما أكدت على أهمية تنمية المراعي وتعزيز الإدارة المستدامة لها، ودعم المجتمعات الرعوية، لا سيما في المناطق الجافة وشبه الجافة، بما يسهم في تعزيز القدرة على الصمود والتكيف مع آثار الجفاف والتغيرات المناخية. وشددت كذلك على ضرورة تعزيز أوجه التكامل والتنسيق بين اتفاقيات ريو الثلاث، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من الموارد والتمويلات الدولية المخصصة لمواجهة التحديات البيئية والتنموية.
وأوضحت حجازي أن الاجتماع يأتي في توقيت بالغ الأهمية بالتزامن مع الاستعدادات الجارية لمؤتمر الأطراف السابع عشر، واستمرار المناقشات المتعلقة بالاستراتيجية المستقبلية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر لما بعد عام 2030. وأشارت إلى أن ذلك يتطلب بلورة موقف إفريقي موحد يعكس أولويات القارة واحتياجاتها التنموية، خاصة فيما يتعلق باستعادة الأراضي، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف، وتحقيق الأمن الغذائي، وتوفير التمويل، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات.
وأعربت عن تقديرها لمفوضية الاتحاد الإفريقي وأمانة الاتفاقية وجميع الشركاء والمنظمين على جهودهم في الإعداد لهذا الاجتماع، معربةً عن أملها في أن تسهم مخرجاته في تعزيز الموقف الإفريقي خلال المفاوضات الدولية المقبلة، ودعم جهود التنمية المستدامة في مختلف أنحاء القارة الإفريقية.