انسحاب الأقنعة لا المليشيات والسلاح .. ماذا تركت أبوظبي خلفها في الجنوب المحتل؟
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
الأسفلت الذي اختفى، ومشاريع لم تكتمل .. حقيقة المشاريع التي تغنت بها الإمارات مقابل نهب ثروات اليمن
حين بدأت الإمارات تقليص وجودها في المحافظات الجنوبية المحتلة، لم تكن المفاجأة في الانسحاب ذاته، بل في ما تبعه مباشرة من انسحاب الأقنعة وتعري الوجه المزيف، فالمشهد الذي تَكشّف لم يكن نهاية “دور إنساني” كما رُوِّج، بل نهاية مرحلة استُخدمت فيها الخدمات كديكور سياسي، سرعان ما جرى تفكيكه وسحبه بمجرد تغيّر الحسابات، عندها فقط، ظهر الفارق الصادم بين ما أُنفِق بسخاء على السلاح والمليشيات، وما قدم بخجل—وبشروط—للناس تحت مسمى “مشاريع تنموية”.
الثورة / مصطفى المنتصر
في شبوة، تلقت إدارة مستشفى شبوة العام بمدينة عتق، إخطارًا من الشركة الإماراتية المشغلة، يفيد بتوقفها الكامل عن العمل وبدء سحب الأجهزة والمعدات التي كانت أبوظبي قد أدخلتها سابقًا على أنها “مساعدات إنسانية”. خلال أيام، تحول المستشفى إلى مبنى شبه خاو، بعد سحب أجهزة محدودة العدد والإمكانات، بعضها كان يعمل جزئيًا منذ البداية مثل أجهزة أشعة قليلة القدرة، معدات مختبرية أساسية، عدد محدود من أجهزة التنفس والمراقبة، وسيارتي إسعاف، وضعت لالتقاط الصور أكثر مما وضعت لتأسيس منظومة صحية مستدامة.
هكذا انتهى “المشروع” لا تسليم رسمي، لا ملكية للدولة، ولا التزام تجاه المرضى.
نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً
المفارقة الفاضحة أن هذه “المعدات” التي جرى سحبها، لم تكن يومًا عند مستوى احتياجات محافظة كاملة، ولا توازي—من حيث القيمة أو الأثر—جزءًا يسيرًا مما أُنفق في الوقت ذاته على تسليح المليشيات، وتمويل المعسكرات، وبناء البنية العسكرية خارج أي إطار وطني، كانت مشاريع هزيلة، مؤقتة، مشروطة، تدار بعقلية الإيجار السياسي، بينما كان الدعم الحقيقي، السخي، والمتدفق، يذهب إلى السلاح.
في المخا، تكرر المشهد بصيغة أخرى، المدينة التي أجبرت على فتح ذراعيها للمحتل وصفق له المخدوعون من أبنائها كمنقذ لهم ذات يوم لم تدم فرحتها طويلا، حيث شهدت تراجعًا حادًا في الخدمات الصحية مع سحب الدعم عن أقسام الطوارئ وتوقف تزويد المستشفيات بالوقود والمستلزمات لم تستكمل أي بنية صحية حقيقية، ولم تبن قدرات محلية، بل جرى تشغيل مؤقت، ثم إطفاء مفاجئ، كأن صحة الناس مفتاح كهرباء بيد المشغل الخارجي.
فضيحة الطاقة الشمسية.. إطفاء المشاريع عن بعد
أما في عدن وشبوة، فقد كشفت فضيحة إطفاء محطات الطاقة الشمسية عن حقيقة أقذر، شركات إماراتية أطفأت محطات قيل إنها “حل استراتيجي” لأزمة الكهرباء، من دون إخطار ما يسمى وزارة الكهرباء في حكومة المرتزقة أو أي جهة أخرى، انقطعت الكهرباء عن أحياء ومرافق خدمية، وتبين أن تلك المشاريع لم تكن مسلمة للسلطات المكلفة بإدارة تلك المناطق المحتلة، ولا مملوكة لها، ولا خاضعة لسيادتها، كانت ببساطة أدوات تحكم يمكن تعطيلها عن بعد، متى ما اقتضت المصلحة.
وفي سقطرى، حيث جرى الاستثمار طويل الأمد في الصورة أكثر من الاستثمار في الإنسان، بدأت المعدات تسحب، والمولدات تنطفئ ومشاريع الطرق والسفلتة انقشعت مع غبار الهروب المفاجئ الذليل، شوارع لم تستكمل، مرافق تركت بلا صيانة، وخدمات اختفت فجأة. هناك، كما في غيرها، تبين أن “المشاريع” لم تكن إلا وسيلة لشراء الولاءات وفرض أمر واقع سياسي، لا لبناء تنمية حقيقية في أرخبيل فرغ من ثرواته النادرة إلى دويلة الإمارات ولم يحظ بتنمية بقدر ضئيل مما تعرض له من نهب ممنهج وتدمير عبثي .
السعودية اليوم.. في الطريق إلى الحفرة ذاتها
على امتداد المحافظات الجنوبية، اختفت شركات، توقفت أعمال، وبقيت الحفر شاهدة، لم تستكمل سفلتة، ولم تسلم مرافق، ولم تبن مؤسسات، كل ذلك أكد أن ما سميت مشاريع كانت في أحسن الأحوال ديكورًا مؤقتًا، وفي أسوأها خدعة مقصودة، فحين نقارن حجم هذه “الديكورات” بما ضخت من أموال في التسليح، وتجنيد المليشيات، وإدارة الصراع، يتضح الميزان الحقيقي للأولويات، سلاح بلا سقف، وخدمات بلا جذور.
هذا السلوك لا ينفصل عن طبيعة المشروع الإماراتي–السعودي في اليمن. فالدعم الإنساني، إن كان صادقًا، لا يسحب، ولا يطفأ، ولا يدار خارج إطار المؤسسات، أما حين يكون غطاءً لمشروع نفوذ، فإنه يسقط مع أول اختبار، اليوم، تحاول السعودية أن تتقدم بخطاب “المنقذ”، متغنية بمشاريع وخطط، لكنها تستخدم الأدوات ذاتها، وكلاء، إدارة خارج السيادة، وربط الخدمات بالحسابات السياسية، لأن المحتل—مهما بدل الشعارات—لا يبني وطنًا، بل ينهب ويفكك ويترك الخراب.
المحتل لا يبني وطنًا
الخلاصة التي يفرضها الواقع هي أن الجنوب المحتل لم يشهد انسحاب دعم، بل سقوط رواية. سقطت أسطورة ما حاول المحتل تلميعها تحت شعار “العمل الإنساني والمشاريع الخدمية” حين كشف أنها قابلة للسحب، وسقط ادعاء “التنمية” حين قورن بهزال المعدات الخدمية بزخم السلاح، وسقط الوهم حين تبين أن المشاريع التي لا تبنى على السيادة والمؤسسات ليست إلا قنابل موقوتة. ما جرى ليس خطأً إداريًا، بل فضيحة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان.
المصدر
المصدر: الثورة نت
كلمات دلالية: لم تکن
إقرأ أيضاً:
توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
أكدت الحقوقية مونا توكا، أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.
وترى توكا، في تصريحات صحفية، أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها.
وأضافت أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.
وتابعت أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.
وقالت توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.
وواصلت حديثها: “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.