ليته ما كان وليته كان.. لماذا لا يجب أن تتكرر 25 يناير؟
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
ليته ما كان…وليته كان كما ينبغي أن يكون. بهذه المفارقة القاسية وحدها يمكن الاقتراب من ذكرى 25 يناير، لا بوصفها حدثًا يُحتفى به أو خطأً يُلعن بالكامل، بل باعتبارها زلزالًا سياسيًا كاشفًا ما زالت توابعه تضرب الوعي والدولة والمجتمع حتى اليوم. ذكرى لا يجوز التعامل معها بالعاطفة أو الحنين أو الشعارات، بل بالعقل البارد الذي لا يخشى الحقيقة مهما كانت موجعة.
والحقيقة التي لا تحتمل الالتفاف هي أن تكرار 25 يناير ليس فعل شجاعة، بل مقامرة خطرة بمصير دولة.
ليس لأن الغضب لم يكن مبررًا، ولا لأن الناس لم تكن مظلومة، بل لأن ما تلا الغضب كان أثقل من أي مطلب، وأقسى من أي شعار، وأعلى كلفة من قدرة مجتمع على الاحتمال.
نحن لا نملك رفاهية الخطأ مرتين.25 يناير لم تكن مجرد يوم احتجاج، بل كانت انفجارًا تاريخيًا لغضب تراكم لعقود من الانسداد السياسي والاجتماعي. غير أن المأساة لم تكن في الانفجار ذاته، بل في الفراغ الذي تلاه. فكل انفجار بلا قيادة يتحول إلى فوضى، وكل تغيير بلا مشروع يتحول إلى صراع، وكل شارع بلا بوصلة يصبح ساحة مفتوحة لكل من يملك القوة لا الرؤية، وهذا ما حدث بالضبط.
فُتح باب التغيير، لكن من دخلوا لم يعرفوا إلى أين يمضون، ولا اتفقوا على شكل الدولة، ولا امتلكوا تصورًا للسلطة، ولا أدركوا حجم القوى التي كانت تنتظر السقوط لا الإصلاح، في الداخل والخارج معًا.
ما جرى في مصر لم يكن استثناءً، بل كان فصلًا في كتاب عربي واحد كُتب بالدم.
فخلال أكثر من سبعين عامًا من الصراع العربي- الإسرائيلي، وفي كل الحروب والانتفاضات والمعارك، سقط ما يُقدَّر بنحو 250 ألف شهيد عربي. رقم فادح، لكنه كان يحمل — رغم المآسي — معنى سياسيًا واضحًا، حتى في لحظات الهزيمة.
لكن بعد ما سُمّي بـ«الثورات العربية»، وخلال أقل من خمسة عشر عامًا فقط، سقط في العالم العربي ما بين 12 إلى 15 مليون قتيل، إضافة إلى عشرات الملايين من اللاجئين والمشردين. لم يسقطوا في معارك تحرير، ولا في مواجهة عدو خارجي، بل في حروب أهلية وصراعات داخلية وانفجارات بلا مشروع ولا أفق.
انتقلنا من شهداء لقضايا واضحة، إلى ضحايا للفوضى. ومن صراع مع عدو خارجي، إلى اقتتال مع الذات.
خريطة الانهيار العربي لا تحتاج إلى كثير شرح:
سوريا دُمّرت، ليبيا تفتّتت، اليمن انهار، السودان انزلق إلى حرب أهلية بلا دولة، العراق لم ينهض من دوامة الاحتلال والطائفية، لبنان يختنق اقتصاديًا وأمنيًا، وغزة تنزف اليوم في إقليم مشلول يُحيي ذكريات ثورات لم تحمِ أصحابها، ولم تُنقذ دولها، ولم تُنتج مستقبلًا.
الأخطر من كل ذلك أن الموت نفسه فقد قيمته السياسية.
لم يعد القتيل شهيد قضية، بل رقمًا زائدًا في تقرير دولي، وضحية فوضى لا تعرف حتى لماذا بدأت.
في هذا المشهد، تتقابل سلطات تُلوّح بالمؤامرة، ومعارضات ترفع شعارات الحرية بلا خطة ولا تصور، وقوى دولية تُدير المنطقة كما تُدار الملفات الأمنية: ضغط هنا، تفجير هناك، ولا مكان للإنسان إلا كرقم. لذلك فإن أي حديث عن تكرار 25 يناير، بالعقلية نفسها، وبالأدوات نفسها، وبالغموض السياسي نفسه، ليس دعوة للتغيير، بل وصفة جاهزة للخراب.
ومع ذلك، فإن تحميل الشارع وحده المسؤولية هو هروب من الحقيقة.
فالمسؤولية السياسية لا تسقط عن الدولة.
الدولة التي تريد الاستقرار لا تكتفي بالتحذير من الفوضى، بل تعمل يوميًا على إزالة أسبابها. فالقمع لا يمنع الانفجار، وتخويف الناس لا يصنع دولة قوية، وتجاهل المعاناة لا يُنتج استقرارًا. الاستقرار الحقيقي يبدأ بتخفيف الأعباء، وفتح أفق سياسي واقتصادي واجتماعي واقعي، يجعل المواطن يشعر أن البقاء داخل الدولة أكثر أمانًا من القفز في المجهول.
وهنا يفرض السؤال نفسه، بلا دبلوماسية ولا مواربة:
إذا كانت الفوضى مرفوضة، فماذا يُفعل اليوم لمنعها؟
ما السياسات التي تُخفف الغضب؟
وما الأفق الذي يُقنع الناس بأن الإصلاح ممكن من الداخل، لا عبر الانفجار؟
لأن الدول لا تُحمى بالخوف، ولا بالشعارات، بل بسياسات ذكية تقلل الألم، وتعيد الثقة، وتمنع اليأس قبل أن يتحول إلى غضب أعمى.
ما ينبغي قوله بوضوح
25 يناير كانت لحظة كاشفة في تاريخ مصر، لكنها ليست نموذجًا يُستنسخ، ولا تجربة تُكرر. تكرارها ليس حلًا، بل خطرًا. ومن لا يتعلم من الدم، سيكتبه مرة أخرى. ومن لا يحتمل كلفة الفوضى، عليه ألّا يفتح بابها، ولا يتركها تتراكم في الصدور.
ليته ما كان…وليته كان بعقل دولة، لا بانفجار شارع.
اقرأ أيضاً«الناصريين المرابطين»: نهج عبد الناصر «الحامي الوحيد» للأمة في مواجهة الاحتلال والإملاءات الخارجية
عام على حكم «الجولاني».. وإخوانه
كيف يقاتل العليمي لاستعادة ما تهدم ويمنع اليمن من الانهيار
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: 25 يناير اليمن ثورات الربيع العربي سوريا مصر مقالات ما کان
إقرأ أيضاً:
حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
صادرت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أكثر من 445 ألف قطعة مقلدة مرتبطة بكأس العالم 2026، بينها قمصان كرة قدم، خلال عمليات أمنية نُفذت في أنحاء البلاد بالتزامن مع البطولة، فيما قدرت الخسائر التي تكبدتها الصناعة بسبب هذه التجارة غير المشروعة بنحو 32 مليون دولار.
وقبيل المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي، أطلقت السلطات الأميركية عملية حملت اسم "صافرة النهاية"، استهدفت بيع وتوزيع المنتجات المقلدة بصورة غير قانونية.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الفيفا يبرئ الجزائر والنمسا في تقرير الـ 104 مبارياتlist 2 of 2لامين جمال وهالاند يتصدران قائمة أغلى لاعبي العالم بعد مونديال 2026end of listوكان قميص النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الأكثر حضورًا بين المضبوطات.
وقال فرانك روسو، مدير العمليات الميدانية في مكتب الجمارك وحماية الحدود الأميركي بنيويورك، في تصريحات لصحيفة "ذا أتلتيك": "إنه ميسي. لقد شاهدنا الكثير من قمصان ميسي، خصوصًا مع المستوى الرائع الذي قدمه. نضبط قمصان مختلف اللاعبين، لكن الأكثر شعبية هم الأكثر حضورًا".
وفي الأكشاك المؤقتة المنتشرة قرب المناطق السياحية المحيطة بميدان "تايمز سكوير"، كانت قمصان الأرجنتين تُباع مقابل 30 إلى 40 دولارًا، مقارنة بنحو 110 دولارات للنسخ الرسمية من شركة أديداس. ومع تجمع المشجعين الأرجنتينيين في المنطقة قبل النهائي وبعد خسارة منتخب بلادهم، كان قميص ميسي رقم 10 الأكثر رواجًا.
وأقر العديد من المشجعين، عندما سألتهم الصحيفة عن قمصانهم، بأنها نسخ مقلدة منخفضة السعر، اشتروها داخل الولايات المتحدة أو عبر الإنترنت.
وفي نيويورك وحدها، أسفرت عمليات ضبط 2000 طرد وتفتيش 1400 رحلة جوية وشحنة بضائع عن مصادرة 65 ألف قطعة.
وفي المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة لمباريات البطولة، نفذت جهات إنفاذ قانون أخرى، بينها المركز الوطني لتنسيق حقوق الملكية الفكرية، مداهمات استهدفت الأكشاك المحيطة بالملاعب ومراكز المدن، ضمن عملية حملت اسم "اللاعب الجماعي".
إعلانوأسفرت العمليات عن ضبط كميات كبيرة، من بينها 16 ألف قطعة في ميامي و12 ألفًا في هيوستن، إضافة إلى 16 ألف قطعة أخرى في تورونتو الكندية، إحدى المدن المستضيفة للبطولة.
وقال روسو: "كما يحدث مع سوبر بول، نشهد دائمًا زيادة هائلة في عدد هذه الشحنات ليس فقط قبل المباراة النهائية، بل حتى بعد نهايتها".
حيلة "المناشف"وفي إحدى الشحنات التي أثارت انتباه المحققين، أظهرت بيانات الحمولة أن محتوياتها لا تتجاوز المناشف، لكن عملية التفتيش كشفت عن حقيقة مختلفة تمامًا، إذ عثر المحققون على أكثر من 2000 قطعة من المنتجات المقلدة، بينها قمصان كرة قدم مرتبطة بالبطولة.
وتكشف هذه الواقعة عن الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب المنتجات المقلدة لإخفاء طبيعة بضائعها وتضليل عمليات التفتيش الجمركي، من خلال تسجيل محتويات الشحنات على أنها سلع عادية لا تثير الشبهات.
وتزداد صعوبة التصدي لهذه التجارة بالنظر إلى حجم تدفق هذه المنتجات إلى السوق الأميركية، إذ تشير البيانات إلى أن ما بين 60 و70% من السلع المقلدة التي تصل إلى الولايات المتحدة عبر الشحن الجوي والبحري مصدرها الصين وهونغ كونغ، اللتان تُعدان من أبرز مراكز تصنيع قمصان كرة القدم المقلدة في العالم.
وتستغل هذه الشبكات الطلب الكبير على قمصان المنتخبات والنجوم، خصوصًا خلال البطولات الكبرى، لطرح نسخ أرخص من القمصان الرسمية، مستفيدة من فارق الأسعار لجذب المشجعين، قبل إدخال هذه المنتجات إلى الأسواق عبر شحنات قد تُسجل أحيانًا تحت أوصاف لا تعكس محتوياتها الحقيقية.
وأكدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أن هدفها لا يقتصر على حماية حقوق الملكية الفكرية، بل يشمل أيضًا حماية الأمن الاقتصادي ومنع وصول عائدات هذه التجارة إلى "أيدي المنظمات الإجرامية" أو الجهات المستفيدة من العمل القسري.
وأقر روسو بصعوبة إقناع المشجعين الذين يرون أن أسعار القمصان الرسمية مرتفعة، قائلاً إن السلطات بحاجة إلى بذل جهد أكبر لتوعية الجمهور بالمخاطر، ومنها إمكانية استخدام عائدات تجارة المنتجات المقلدة في تمويل أنشطة تتراوح بين الإرهاب وغسل الأموال وغيرها من الجرائم.