عربي21:
2026-07-24@22:40:53 GMT

غزة في مواجهة صامتة مع أمراض جديدة تتفشى بعد الإبادة

تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT

غزة في مواجهة صامتة مع أمراض جديدة تتفشى بعد الإبادة

لا تنتهي الحروب عند آخر قذيفة، ولا تُطوى فصولها بتوقيع اتفاق وقف إطلاق نار، ففي غزة، ما بعد الإبادة ليس استراحة محارب، بل بداية معركة أخرى أشد قسوة، معركة الأجساد المنهكة في مواجهة أمراض لا تحمل أسماء واضحة، ولا تملك تشخيصا دقيقا، لكنها تحصد أرواحا بصمت.

بعد أكثر من مئة يوم على توقف حرب الإبادة، تتكشف آثارها الصحية تباعا، في قطاعٍ صحيّ بالكاد يقف على قدميه، محاصرا بنقص الأدوية، وانهيار البنية التحتية، ومنع الاحتلال إدخال المستلزمات الطبية، في وقت تتزايد فيه أعداد المصابين بأمراض غامضة ذات أعراض حادة وطويلة الأمد.



غرف الطوارئ

في قسم الاستقبال بمجمع الشفاء الطبي غرب مدينة غزة، يستلقي المواطن أبو محمد إلى جانب أبنائه الخمسة على أسرَّة المرضى.



بدأ المرض كما يروي الأطباء بالأب، ثم انتقل إلى أفراد أسرته واحدا تلو الآخر، بأعراض متشابهة لكنها متفاوتة الشدة: إرهاق حاد، سعال مستمر، ارتفاع حرارة، وتقيؤ متكرر. "كأنه وباء جديد"، يقول أحد العاملين في القسم، "ينتشر أسرع مما نقدر على فهمه".

وفي زاوية أخرى من القسم نفسه، يرقد شاب في العشرينات من عمره، تبدو عليه أعراض أمراض مزمنة لا تتناسب مع سنه، جسده النحيل، وأنفاسه المتقطعة، يوحيان بأن الحرب لم تترك أثرها على الحجر فقط، بل على خلايا الأجساد أيضا.

"عربي21" رصدت خلال جولة ميدانية في عدد من المستشفيات والنقاط الطبية المنتشرة في محافظات قطاع غزة ارتفاعا لافتا في أعداد المراجعين، لا سيما المصابين بأعراض تشبه الإنفلونزا، لكن بشدة أكبر وفترة أطول.

طبيب يعمل في أحد المشافي الميدانية فضل عدم الكشف عن اسمه يقول إن عدد الحالات اليومية المصابة بما يصفه بـ"وباء غير مفهوم" يتراوح بين 350 و400 حالة يوميا، بعدما كان عدد مراجعي الإنفلونزا لا يتجاوز عشر حالات في اليوم قبل الحرب.

مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، لا يتحدث بلغة مطمئنة، بل يضع الإصبع مباشرة على الجرح، يقول لـ"عربي21" إن الوضع الصحي في غزة بعد أكثر من 100 يوم على وقف الحرب أسوأ مما كان عليه أثناء القصف، موضحا أن القطاع يعاني نقصا حادا في المعدات الطبية، وأجهزة الفحص المخبري، وحتى المستلزمات الأساسية.

وأضاف: "الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها أكثر من مليون ونصف المليون نازح في الخيام شكّلت بيئة مثالية لانتشار الفيروسات والأوبئة"، مشيرا إلى "رصد متحورات جديدة من فيروس كورونا، إلى جانب فيروسات أخرى تستمر أعراضها لأكثر من أسبوعين، وتترافق مع إعياء شديد، وقيء، وسعال، وارتفاع حاد في درجات الحرارة، إضافة إلى التهابات رئوية حادة أودت بحياة مرضى من مختلف الفئات العمرية، بما في ذلك شباب لم يكن لديهم أي تاريخ مرضي سابق".

وتابع أبو سلمية: "في السابق، كانت الإصابة بكورونا لا تتجاوز خمسة أيام، اليوم نحن نتحدث عن إصابات تمتد لأكثر من 14 يوما"، يقول أبو سلمية، محذرا من أن هذا التطور يشكل مؤشرا خطيرا على تحور الفيروسات في ظل غياب الرعاية الصحية المناسبة.

وأكد أن أقسام الطوارئ تشهد ضغطا غير مسبوق، خاصة من مرضى الأمراض المزمنة، الذين باتوا الأكثر عرضة للمضاعفات، نتيجة الاكتظاظ في مراكز الإيواء، وانعدام النظافة، وتلوث المياه واختلاطها بمياه الصرف الصحي.

أخطر ما يواجه الأطباء بحسب مدير الشفاء هو غياب الفحوصات المخبرية اللازمة، وقلة أجهزة الأشعة، ما يضطر الطواقم الطبية للاعتماد على الفحص الإكلينيكي فقط. "هذا يضع الطبيب أمام خيارات صعبة، وقد يؤدي إلى أخطاء في التشخيص لا نملك رفاهية ارتكابها"، يقول أبو سلمية.

ولا يقف الخطر عند حدود الفيروسات، إذ يشير إلى أن نقص المناعة الناتج عن سوء التغذية، وانتشار الأوبئة في مخيمات النزوح، والتلوث البيئي الناتج عن الركام، والمواد المنبعثة من الأسمنت أثناء إزالة الأنقاض، كلها عوامل فاقمت أمراض الجهاز التنفسي، خصوصا لدى مرضى الربو.

وحذر أبو سلمية بلهجة صريحة عبر "عربي21": "إذا استمر هذا الواقع دون إدخال تطعيمات وأدوية لازمة، فإن مزيدا من الأوبئة سيجتاح قطاع غزة، وسنكون أمام أعداد جديدة من الوفيات أو مضاعفات صحية خطيرة".

من جانبه، قدم الأستاذ الدكتور عبدالرؤوف علي المناعمة، عميد كلية العلوم الصحية في الجامعة الإسلامية بغزة، قراءة علمية أكثر، لكنها لا تقل خطورة.

وقال لـ"عربي21" إن ظهور أمراض غير مألوفة في مناطق تتعرض لصدمات بيئية وصحية حادة كالحرب أمر ممكن علميا، "لكن ذلك لا يعني بالضرورة ظهور فيروسات جديدة لم تُعرف من قبل".



وأوضح أن هناك عوامل متعددة تسهم في ظهور أنماط مرضية غير معتادة، أبرزها انهيار أنظمة المياه والصرف الصحي، وانتقال الأمراض الحيوانية المنشأ إلى البشر، وتفشي أمراض معدية معروفة نتيجة ظروف النزوح والاكتظاظ وسوء النظافة، مثل الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي (أ)، التي لوحظ ارتفاعها في مناطق النزاع.
طفرات
ورأى المناعمة أن الحرب لا تخلق فيروسات جديدة بشكل مباشر، لكنها تسرّع انتشار مسببات الأمراض، وتزيد فرص الطفرات الفيروسية، خاصة مع ضعف المناعة المجتمعية الناتج عن المجاعة والإجهاد المزمن ونقص الخدمات الصحية. مضيفا "الطفرات تحدث دائما، لكنها تصبح أكثر احتمالا في بيئات كهذه".

كما أشار الخبير في علم الأوبئة إلى أن "التعرض للمواد الكيميائية الناتجة عن الانفجارات واحتراق المواد لا يسبب فيروسات، لكنه يؤدي إلى اضطرابات صحية خطيرة، قد يُساء تفسيرها على أنها أمراض غامضة، خاصة في ظل غياب أدوات التشخيص".

وتابع بتحذير واضح: "غياب التشخيص لا يعني غياب المرض؛ نقص المختبرات، وغياب تقنيات مثل PCR والتسلسل الجيني، وضعف أنظمة المراقبة الوبائية، كلها تجعل الأمراض تنتشر في الظل.  معتبرا "السيناريو الأسوأ ليس ظهور أمراض جديدة، بل توسع أوبئة موجودة أصلا، في مجتمع منهك صحيا".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية غزة أمراض الاحتلال المستشفيات غزة الاحتلال أمراض مستشفيات المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة أبو سلمیة أکثر من

إقرأ أيضاً:

بالأرقام.. حكومة غزة لـعربي21: الاحتلال يمارس الخداع ويواصل الإبادة وتجويع سكان غزة

كشف مسؤول حكومي فلسطيني في قطاع غزة عن بالأرقام عن عودة شبح المجاعة الممنهجة في ظل الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 19 عاما على قطاع غزة، بالتزامن مع استمرار جريمة الإبادة الجماعية التي تجاوزت يومها الألف.

وأكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، أنه "في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو جهود التهدئة، يُمعن الاحتلال الإسرائيلي في ممارسة أبشع سياسات الخداع الاستراتيجي والتضليل، ضاربا بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية والإنسانية".

آلة القتل مستمرة
وعبر معطيات رقمية وإحصائيات كارثية وموثقة، كشف الثوابتة في تصريح خاص لـ"عربي21"، عن "الوجه الحقيقي للاحتلال الذي ينتهك اتفاق وقف إطلاق النار بشكل ممنهج، ويستخدم التجويع كسلاح دمار شامل لتركيع أكثر من 2.4 مليون إنسان في قطاع غزة، بالتزامن مع استمرار جريمة الإبادة الجماعية التي تجاوزت يومها الألف".

ونبه أن جيش الاحتلال مستمر في خروقاته الدموية لاتفاق وقف إطلاق النار لليوم 284، مؤكدا أن "ما يجري على الأرض هو قرار سياسي وعسكري مبيت باستمرار آلة القتل، حيث سجلت طواقمنا إحصائيات فادحة شملت أكثر من 3 الاف و795 خرقا عسكريا موثقا لاتفاق وقف إطلاق النار، أدت إلى ارتقاء 1,185 شهيداً نتيجة هذه الانتهاكات والاستهدافات المتواصلة، في خرق صارخ للحق في الحياة، إضافة إلى 3 الاف و816 جريحاً ومصاباً سقطوا جراء القصف المستمر خلال فترة الاتفاق، وتسجيل 149 حالة اعتقال تعسفي نُفذت بحق المواطنين خلال ذات الفترة".



وعن شبح المجاعة، أوضح أن "الاحتلال يواصل جريمة التجويع الممنهج ومنع الإمدادات الإنسانية، حيث يحكم جيش الاحتلال خناقه على قطاع غزة، مغلقا المعابر لأكثر من 650 يوما، ومؤسسا لمجاعة حقيقية تفتك بالمدنيين، وتتجسد بالأرقام؛ فلم يسمح الاحتلال بدخول سوى 59,613 شاحنة فقط من أصل 168,000 شاحنة كان يُفترض دخولها، بنسبة التزام متدنية جداً لم تتجاوز 35 في المئة".

وأفاد مدير عام المكتب الإعلامي، أن "الاحتلال منع أكثر 390 ألف شاحنة مساعدات ووقود من الدخول منذ بدء الإبادة، كما استهدف جيش الاحتلال بشكل منهجي وواضح قوافل المساعدات 128 مرة، ومراكز التوزيع 64 مرة، ما أسفر عن ارتقاء 2,605 شهداء و19 ألف و124 جريحا فيما بات يُعرف بـ"مصائد الموت" لطالبي المساعدات".

وكشف أن "460 شهيدا ارتقوا بشكل مباشر بسبب الجوع وسوء التغذية، بينهم 164 طفلا"، منوها أن 650 ألف طفل يواجهون خطر الموت المحدق بسبب سوء التغذية، بينهم 40 ألف طفل رضيع (أقل من عام) مهددون بالموت جوعا لنقص حليب الأطفال".

غزة سجن كبير
وعن سياسية "الخنق الإنساني" ومنع حرية الحركة والعلاج التي يعتمدها الاحتلال في التعامل مع سكان القطاع، أكد الثوابتة أن "المأساة تتضاعف مع تحويل القطاع إلى سجن كبير، وحرمان آلاف المرضى والجرحى من حقهم الأساسي في تلقي العلاج في الخارج"، كاشفا أن الاحتلال سمح بسفر 9 الاف و268 مسافرا فقط من أصل 24 ألف و600 مسافر كان يفترض تمكينهم من السفر عبر معبر رفح البري، بنسبة التزام بلغت 37% فقط".

وتابع: "أما بالنسبة للمرضى والجرحى؛ هناك أكثر من 22 ألف مريض بينهم 12 ألف و500 مريض سرطان، بحاجة ماسة للعلاج في الخارج ويُمنعون من السفر، إلى جانب 5 الاف و200 طفل يحتاجون إجلاء طبيا عاجلا لإنقاذ حياتهم".



وأمام هذا "التردي الكارثي"، والانتهاك الفاضح للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف من قبل دولة الاحتلال، أدان مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بـ"أشد العبارات سياسة الاحتلال المنهجية في استهداف وإبادة شعبنا الفلسطيني، وتحويل ملف المساعدات الإنسانية إلى أداة للابتزاز والتطهير العرقي" وحمل "الاحتلال والإدارة الأمريكية المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية الكاملة عن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية، وتفشي المجاعة، وسقوط هذا العدد المهول من الضحايا الذي تجاوز 73 ألف و311 شهيدا وصلوا المستشفيات المتبقية في القطاع.

كما طالب الثوابتة، الوسطاء، والمجتمع الدولي، والجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار، بـ"الخروج من مربع الصمت، والتدخل الفوري والعاجل لإلزام الاحتلال بتنفيذ جميع بنود الاتفاق، وفتح المعابر، وتدفق الشاحنات والمواد الأساسية ووقف سياسة التجويع الممنهجة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان".

وشرع جيش الاحتلال الإسرائيلي في حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 استمرت نحو عامين، ويسيطر جيش الاحتلال عسكريا على مختلف مناطق القطاع وينفذ بشكل مستمر عمليات تدمير ونسف واسعة، إضافة إلى تحليق مستمر لطائرات الاحتلال وشن غارات بشكل شبه يومي تستهدف المواطنين الفلسطينيين في المناطق التي أعلن أنها مناطق آمنة.

مقالات مشابهة

  • تقرير أمريكي: غياب واشنطن عن بنغازي يضعف فاعلية دبلوماسيتها في ليبيا
  • إشكالية العودة للحرب
  • تهديد الحوثيين للملاحة السعودية.. هل يتجه البحر الأحمر إلى مواجهة عسكرية جديدة؟
  • مرض القلب وألم الكلى.. متلازمة صامتة تهدد معظم البالغين
  • بالأرقام.. حكومة غزة لـعربي21: الاحتلال يمارس الخداع ويواصل الإبادة وتجويع سكان غزة
  • 5 وظائف حيوية للكبد.. علامات مبكرة لا تتجاهلها لحماية صحتك
  • عراقجي يرد على قرار ترامب بخصوص الأموال المجمدة.. الفوضى لن تكون سلمية
  • مستشفى الرنتيسي يحذّر: أمراض معدية وسوء تغذية تهدد أطفال غزة
  • مسيرة في غزة تطالب بوقف الإبادة وانسحاب الاحتلال
  • ترامب: إيران تريد التفاوض لكنها غير مستعدة لاتفاق في الوقت الحالي