سوريا تدخل مرحلة توطين صناعة السفن لأول مرة
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
في خطوة اقتصادية مهمة وغير مسبوقة في القطاع البحري السوري، وقعت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك اتفاقية استثمار استراتيجية مع الشركة التركية "كوزاي ستار" لبناء السفن والملاحة والصناعة والتجارة، وهي شركة مساهمة مسجلة في تركيا، وذلك يوم الخميس 15 كانون الثاني/يناير 2026.
وتهدف الاتفاقية إلى إدخال وتوطين صناعة السفن في سوريا لأول مرة، عبر إنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس غربي البلاد، يشمل عمليات البناء والإصلاح والصيانة والتحديث للسفن بمختلف الأحجام والأنواع، وفق أحدث المعايير الفنية والهندسية الدولية.
وتعتمد الاتفاقية نموذج "البناء والتشغيل ونقل الملكية" (BOT)، بحيث تتولى الشركة التركية مسؤولية البناء والتجهيز والتشغيل والإدارة لمدة 30 عاما، مع التزامها باستثمار لا يقل عن 190 مليون دولار أميركي خلال السنوات الخمس الأولى، لتطوير الأرصفة والمستودعات والمعدات والمنشآت التشغيلية، من دون أي التزام مالي مباشر على الجانب السوري.
أبعاد اقتصاديةوقال الدكتور يحيى السيد عمر، الباحث في الاقتصاد السياسي للجزيرة نت، إن توقيع الاتفاقية الاستثمارية مع الشركة التركية "كوزاي ستار لبناء السفن" يمثّل خطوة لافتة في مسار إعادة إحياء القطاع البحري السوري، بعد سنوات طويلة من التراجع والتحديات التي أصابت البنية التحتية والخدمات المرتبطة بالموانئ والصناعات البحرية.
وأضاف أن الاتفاقية تأتي في توقيت تسعى فيه سوريا إلى استقطاب استثمارات نوعية قادرة على تحريك قطاعات إنتاجية حقيقية، بعيدا عن المشروعات قصيرة الأثر أو ذات الطابع الخدمي المحدود.
وأوضح يحيى السيد عمر أن إنشاء حوض لبناء وصيانة السفن في مرفأ طرطوس، باستثمار يقدر بنحو 190 مليون دولار، مع توقع توفير أكثر من 5200 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، يمنح المشروع بعدا اقتصاديا يتجاوز كونه منشأة صناعية، ليصبح عنصرا مؤثرا في سوق العمل وتحريك سلاسل إنتاج مرتبطة بالصناعات المعدنية والخدمات الهندسية والنقل البحري.
وأشار إلى أن المشروع يفتح الباب أمام توطين صناعة السفن، وهي صناعة ذات قيمة مضافة مرتفعة وتتطلب خبرات تقنية وتراكما معرفيا طويل الأمد، مؤكدا أن وجود حوض متخصص في طرطوس يمكن أن يقلل تدريجيا من الاعتماد على الخارج في صيانة السفن التجارية وسفن الصيد، ويوفر خدمات إقليمية لدول مجاورة، ما يعزز الإيرادات بالقطع الأجنبي ويدعم ميزان المدفوعات.
تحديات أمام تنفيذ المشروعوأوضح الباحث يحيى السيد عمر أن اعتماد نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية لمدة 30 عاما، من دون التزام مالي مباشر على الجانب السوري، يعد نموذجا شائعا في مشاريع البنية التحتية الكبرى، خاصة في الدول التي تعاني من محدودية التمويل، إذ يخفف العبء عن الخزينة العامة ويتيح تنفيذ المشروع بسرعة أكبر.
إعلانلكنه شدد في المقابل على أن هذا النموذج يتطلب إدارة دقيقة لشروط العقد، لضمان نقل الخبرة، وحماية المصالح الوطنية، وتحديد واضح لآليات التشغيل والعوائد وإعادة الملكية في نهاية المدة، محذرا من مخاطر محتملة مثل الاعتماد المفرط على الجانب الخارجي في الإدارة أو التقنية، أو ضعف مشاركة الكوادر الوطنية في المراحل الأولى.
وأشار إلى أن هذه المخاطر يمكن الحد منها عبر اشتراط نسب واضحة لتشغيل العمالة السورية، وبرامج تدريب إلزامية، ونقل تدريجي للخبرات، إضافة إلى رقابة مؤسسية تضمن التزام المستثمر ببنود العقد.
وعلى المستوى الإقليمي، قال إن إنشاء حوض السفن في طرطوس يمنح سوريا فرصة لإعادة تثبيت موقعها على خريطة الصناعات البحرية في شرق المتوسط، مستفيدا من الموقع الجغرافي للمرفأ وقربه من خطوط الملاحة، ما يؤهله ليكون مركز خدمة للسفن التجارية، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الصيانة في بعض المرافئ الأخرى.
وفي المحصلة، يرى الباحث أن الاتفاقية لا تمثل حلا سحريا لجميع تحديات القطاع البحري، لكنها خطوة عملية واقعية في اتجاه إعادة بناء قطاع إنتاجي مهم، مشددا على أن نجاحها سيعتمد على حسن إدارة الشراكة، ووضوح الأهداف، وقدرة الدولة على تحويل الاستثمار من مشروع منفرد إلى رافعة تنموية متكاملة تخدم الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والطويل.
إعادة تشغيل القطاع البحريبدوره، قال الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل للجزيرة نت إن الاتفاقية تمثل خطوة قوية باتجاه إعادة تشغيل القطاع البحري بشكل فعلي، لأنها تُدخل استثمارات وخبرات تشغيلية مباشرة بدلا من بقاء المرافئ ضمن هامش الخدمات التقليدية.
وأضاف أنه في حال التركيز على نقل المعرفة وبناء قدرات محلية، يمكن أن تشكل الاتفاقية نقلة نوعية حقيقية بعد سنوات من التراجع.
وأوضح أن حجم الاستثمار والوظائف المتوقعة يمنح المشروع وزنا اقتصاديا واضحا، لأنه يخلق حركة تشغيل واسعة ويحرك قطاعات مساندة، مثل الصناعات المعدنية والخدمات الهندسية والنقل.
وأشار المغربل إلى أن الأثر الأكبر يتمثل في توطين جزء من صناعة السفن والصيانة بدلا من الاعتماد على الخارج، ما يوفر عملة صعبة على المدى المتوسط، ويفتح الباب أمام استثمارات لاحقة مرتبطة بسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية حول المرفأ.
وأكد المغربل أن وجود حوض سفن في طرطوس يمكن أن يعزز موقع سوريا إقليميا إذا نجح في تقديم خدمات سريعة وبجودة تنافسية للسوق القريب، مشيرا إلى أن ضمان النجاح يتطلب التركيز على 3 قضايا رئيسية:
تدريب الكوادر المحلية بشكل منهجي. ربط المشروع بصناعات مساندة داخل البلاد. وضع مؤشرات أداء واضحة تراقب الجودة والوقت والتكلفة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات القطاع البحری صناعة السفن إلى أن
إقرأ أيضاً:
مكالمات مشتعلة بين ترامب ونتنياهو ،،!!
ترامب ونتنياهو.. تحالف تحت ضغط المكالمات المتوترة وإعادة رسم حدود النفوذ تكشف ،، المعطيات المتداولة في الإعلام الإسرائيلي والأمريكي عن مرحلة أكثر توترًا في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، في ظل تصاعد الخلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية إدارة الحرب وتوسيع نطاقها الإقليمي.
وبحسب ما أوردته القناة 12 الإسرائيلية، فإن مكالمة هاتفية حديثة بين الجانبين اتسمت بحدة غير مسبوقة، وخرجت عن الإطار التقليدي للحوار بين الحليفين، لتعبّر عن خلاف سياسي عميق حول حدود التصعيد العسكري، خصوصًا في ما يتعلق بلبنان وإيران.
المعطيات التي تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية تشير إلى أن ترامب عبّر عن رفض واضح لتوسيع العمليات العسكرية باتجاه بيروت، محذرًا من أن الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد ينعكس سلبًا على إسرائيل نفسها، ويزيد من عزلتها الدولية، ويضع واشنطن في موقف سياسي ودبلوماسي بالغ التعقيد.
وتذهب بعض الروايات الإعلامية إلى أن أجواء المكالمة شهدت تبادلًا حادًا في اللغة السياسية، يعكس توترًا غير معتاد في مستوى التنسيق بين الطرفين، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على انتقال الخلاف من مستوى إدارة ملفات إلى مستوى إعادة تعريف أولويات كل طرف.
في المقابل، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن أوساط سياسية في تل أبيب أن بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية عبّروا عن استياء واضح من الموقف الأمريكي، خصوصًا فيما يتعلق بملف وقف إطلاق النار والقيود المفروضة على توسيع العمليات ضد إيران وحزب الله، معتبرين أن هذه المواقف تُضعف قدرة إسرائيل على فرض معادلات الردع في الميدان.
هذا التباين في الرؤى لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الجبهات العسكرية في غزة ولبنان، مع الملف الإيراني الذي يظل محورًا مركزيًا في حسابات الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن أكثر ميلًا إلى ضبط التصعيد ومنع انفجار شامل قد يخرج عن السيطرة، بينما تميل حكومة نتنياهو إلى خيار الحسم العسكري التدريجي.
وتكشف هذه التطورات عن حقيقة أعمق تتجاوز الخلافات الظرفية، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، رغم رسوخها الاستراتيجي، لم تعد محصنة من التباينات الحادة في التقدير السياسي، خصوصًا عندما تتقاطع الحسابات الميدانية مع الضغوط الدولية المتصاعدة على إسرائيل.
كما أن الحديث المتزايد عن “العزلة الدولية” لإسرائيل لم يعد مجرد خطاب إعلامي، بل بات جزءًا من الحسابات السياسية داخل واشنطن نفسها، التي تخشى من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى إضعاف موقعها في المنطقة وإعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية.
وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة التوتر الأخير باعتباره مؤشراً على مرحلة انتقالية في طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث لم يعد الدعم الأمريكي يُمنح دون شروط سياسية واضحة، ولم تعد إسرائيل تتحرك في فضاء مفتوح من الغطاء السياسي غير المحدود.
إن ما كشفته القناة 12 الإسرائيلية، إلى جانب التسريبات الأخرى، لا يعكس مجرد خلاف عابر، بل يشير إلى اختبار حقيقي لمعادلة استراتيجية ظلت لعقود من الزمن أحد ثوابت الشرق الأوسط، لكنها اليوم تواجه إعادة صياغة تحت ضغط الحرب، والرأي العام الدولي، وتغير أولويات القوى الكبرى.
وفي المحصلة، يبدو أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: إدارة الخلاف داخل التحالف، بدلًا من غياب الخلاف داخله.
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ...،!!