الموت خلف القضبان يتواصل مع تعطيل الحوثيين لتنفيذ اتفاق تبادل الأسرى
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
في الوقت الذي تعيش فيه مئات الأسر اليمنية على أمل انفراجة إنسانية تنهي سنوات من القلق والانتظار، تتواصل المآسي داخل سجون ميليشيا الحوثي الإيرانية، حيث لا تزال وفيات المختطفين تتكرر تحت وطأة التعذيب والإهمال الطبي، بالتزامن مع استمرار الجماعة في تعطيل تنفيذ اتفاقات الإفراج، بذريعة مبررات يصفها حقوقيون بالواهية، وسط تحذيرات من تقويض أحد أكثر الملفات الإنسانية حساسية في النزاع اليمني.
وفي أحدث هذه الوقائع، أعلنت منظمة حقوقية عن وفاة شاب مختطف داخل سجون الحوثيين، متأثراً بإصابات خطيرة تعرض لها أثناء احتجازه، في حادثة أعادت إلى الواجهة ملف الانتهاكات الواسعة التي يتعرض لها المعتقلون والمخفيون قسراً في مناطق سيطرة الجماعة.
وقالت منظمة عين لحقوق الإنسان، في بيان لها، إن الشاب عيسى محمد المسعودي (19 عاماً)، من أبناء منطقة حنكة آل مسعود بمديرية القريشية في محافظة البيضاء، توفي مساء الخميس، بعد أيام من بقائه في العناية المركزة، متأثراً بإصابات بالغة ناتجة عن التعذيب الذي تعرض له داخل أحد السجون الخاضعة لسلطة صنعاء.
وأوضحت المنظمة أن المسعودي نُقل إلى المستشفى في حالة حرجة للغاية، عقب تعرضه لتعذيب شديد أثناء فترة احتجازه، مشيرة إلى أن الجهة المشرفة على السجن حاولت منعه من استكمال العلاج، قبل أن تتدهور حالته الصحية ويفارق الحياة.
ونقلت المنظمة عن أسرة الضحية نفيها القاطع للرواية التي تروجها جماعة الحوثيين، والتي تزعم أن الشاب حاول الانتحار، مؤكدة تحميل سلطة الأمر الواقع في صنعاء المسؤولية القانونية والإنسانية الكاملة عن وفاته، باعتبارها الجهة المسيطرة على مكان الاحتجاز وما جرى داخله.
وتأتي هذه الوفاة في وقت تواصل فيه جماعة الحوثيين تعطيل تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى والمختطفين الموقع في مسقط برعاية الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وهو ما أقرّ به صراحة القيادي الحوثي عبدالقادر المرتضى، رئيس ما تُسمى اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى، والمشمول بالعقوبات الأمريكية.
وقال المرتضى، في منشور على منصة "إكس"، إن موعد تنفيذ الاتفاق، الذي كان مقرراً في 27 يناير/كانون الثاني الجاري، "لم يُحسم بعد"، مبرراً ذلك بعدم الانتهاء من كشوفات الأسرى والمعتقلين، ومضيفاً أن «الموضوع يحتاج إلى وقت أطول»، في تصريحات اعتبرها مراقبون إقراراً واضحاً بإعاقة تنفيذ الاتفاق.
ويرى حقوقيون أن هذا التبرير ينسجم مع نمط متكرر من المماطلة التي تلجأ إليها الجماعة لإجهاض أي تفاهمات إنسانية، خصوصاً في ظل اتهامات متكررة لها بالتلاعب بكشوف الأسرى، وإدراج أسماء قتلى أو مفقودين ضمن القوائم، واستخدام ملف المحتجزين كورقة ضغط سياسية.
وتوصلت الحكومة اليمنية أواخر ديسمبر الماضي إلى اتفاق مع ميليشيا الحوثي يقضي بالإفراج عن نحو 2900 محتجز من الطرفين، في إطار الجولة العاشرة من المشاورات الإنسانية التي استضافتها العاصمة العُمانية مسقط، بحضور المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، وبمشاركة فاعلة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ويواجه اتفاق تبادل الأسرى في اليمن مخاطر جدية، في ظل تصعيد خطير شمل إعلان جماعة الحوثيين، في 10 يناير/كانون الثاني الجاري، نيتها تنفيذ أحكام إعدام بحق مدنيين ومختطفين، في خطوة أثارت موجة إدانات رسمية وحقوقية واسعة.
وأكدت وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في الحكومة اليمنية أن هذا التصعيد يقوّض الثقة ويفرغ التفاهمات الإنسانية من مضمونها، مطالبة المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ بالتحرك العاجل لوقف ما وصفته بـ"العبث بأرواح الأبرياء"، وممارسة ضغط فاعل لوقف سياسات الاختطاف والإخفاء القسري.
المصدر
المصدر: نيوزيمن
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.