صدى البلد:
2026-06-03@07:41:38 GMT

هند عصام تكتب: الملك شيشنق الرابع

تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT

فى مواصلة الحديث عن ملوك وملكات مصر الفرعونية القديمة من خلال الأسرة الثاني والعشرون حان الآن موعد الحديث عن الفرعون «شيشنق الرابع» أو عا خبر رع  شيشنق.
وهذا الملك شيشنق الرابع هو ابن الملك «بامي»، وخَلَفَهُ على عرش الملك.
وهو أحد ملوك الأسرة المصرية الثانية والعشرون. في أواخر المرحلة الانتقالية الثالثة، 798-785 ق.

م.
و حكم الملك شيشنق الرابع في عصر الأسرة المصرية الثانية والعشرون عشر سنوات، بين عهدي شيشنق الثالث وبامي. في عام 1986 اقترح ديفيد روهل ان هناك ملكان يحملان أسم شيشنق مؤسس الأسرة الثانية والعشرون
وتدل الآثار التي عُثر عليها حتى الآن على أن هذا الفرعون وأسلافه الثلاثة الذين سبقوه كانوا يحكمون في الوجه البحري فقط، وأن سلطانهم في الوجه القبلي قد انتقل إلى غيرهم كما سنرى بعد، وآخر سنة عُرِفَت له على الآثار هي السنة السابعة والثلاثون، والظاهر أن حكمه كان معاصرًا لحكمي الفرعونين: «أوسركون الثالث»، و«تاكيلوت الثالث» من الأسرة الثالثة والعشرين في مصر العليا كما تدل على ذلك الآثار التي كُشِفَت لهما في «الكرنك».

كما أن آثاره ومنها لوحة «حورواز»: وقد عُثر على لوحة في مدفن العجل الخامس من عجول الأسرة الثانية والعشرين، وهي محفوظة بمتحف اللوفر ، وقد مثِّل في أعلاها العجل أبيس مضطجعًا ومحنطًا على سرير.
وقد نُقِشَ تحت هذا المنظر صيغة القربان المعتادة: «قربان يقدمه الملك: ألف من الخبز والنبيذ والبقر والإوز، وألف من البخور والعطور، وألف من كل شيء طيب جميل طاهر، لروح «أوزير حابي» أول أهل الغرب، و«حورواز» بن أوزير المسمى «نخت» السنة الرابعة.» ويلاحَظ أن اسم الملك هنا لم يُذكَر، ولكن ليس لدينا ما يثبت أن هذا العجل قد توفي في السنة الرابعة من حكم «شيشنق الرابع». حيث نجد أن «مسبرو» يقول: إن هذا العجل قد مات في السنة الرابعة من عهد هذا الملك، ولكن بدون سند.
كما أن لوحة «حور»: وكذلك وُجِدَ اسم هذا الفرعون على لوحة مؤرخة بالسنة الحادية عشرة، أقامها شخص يدعى «حور»، وهي العجل السادس من عهد الأسرة الثانية والعشرين ومحفوظة بمتحف اللوفر.
ويلاحَظ أن هذا الفرعون قد اتخذ لنفسه لقب الفرعون «أمنحتب الثاني»، كما اتخذ «أوسركون الثالث» لقب «رعمسيس الثاني».

و لوحة «حور باسن»: عُثِرَ على هذه اللوحة في مقبرة العجل «أبيس» السابع من عهد الأسرة الثانية والعشرين، وقد أقامها «حور باسن» أحد أعضاء الأسرة المالكة، وقد تحدثنا عن أهمية هذه اللوحة بإسهاب فيما سبق ، ويمكن تلخيصها هنا في أن «حور باسن» أقامها في السنة السابعة والثلاثين من حكم الملك «شيشنق الرابع»، وهذه اللوحة تمدنا أولًا بسلسلة نسب للأسرة الثانية والعشرين تشمل الملوك اللوبيين من أول «شيشنق الأول» حتى «أوسركون الثاني»، وترجع إلى ستة أجيال قبل «شيشنق الأول» حتى الرئيس اللوبي «بويا واوا»، هذا إلى أننا نعرف من هذه اللوحة أنه في هذه السنة؛ (أي ٣٧ من عهد «شيشنق الرابع») مات العجل «أبيس» السابع وكان قد بلغ من العمر عند وفاته السادسة والعشرين؛ لأنه ولد في السنة الحادية عشرة من عهد «شيشنق الرابع».
وأيضاً لوحة «واشاتيهاتا»من أهم اللوحات الخاص التي تُنْسَبُ إلى هذا العهد لوحة لرئيس القوافل الفرعونية الذي يدعى «واشاتيهاتا»، واللوحة تحدثنا عن هبة قطعة أرض لمعبد الإلهة «حتحور» في مكان يدعى «باسبك» يحتمل أنه في غربي الدلتا، وأهمية اللوحة تنحصر في وظيفة صاحبها؛ إذ كان على ما يظهر المراقب على طرق المواصلات بين واحات الصحراء اللوبية، وكذلك في أهمية رئيسه المباشر الذي كان يلقب الرئيس الأعظم لقوم مي (أي لوبيا) المسمى «حاتيحنكر» وكان الحاكم من قبل الفرعون على جزء من الدلتا الغربية، ويحتمل كذلك الحاكم على جزء غير معين من بلاد لوبيا يشمل الواحات، ولا نزاع في أن هذا النظام كان استمرارًا للنظام الذي وضعه «شيشنق الأول» الذي تحدثنا عنه فيما سبق. ولا نزاع في أن الأسماء الغريبة التي يحملها هؤلاء الموظفون هي بطبيعة الحال أسماء لوبيَّة؛ غير أن اسم أم رئيس القوافل مصري التركيب، وقد وَهَبَ ابنها هبة من الأرض للإلهة «حتحور» التي كانت تُعبَد في بلدته، ولا بد أنها كانت عند نهاية طريق القوافل المؤدية للواحات.
والجزء الأعلى من اللوحة يحتوي على منظرين؛ فعلى اليسار نشاهد رجلًا يتعبد أمام «حتحور» ويصحبه المتن التالي: ليتها تمنح الحياة والسعادة والصحة للرئيس العظيم لبلاد «ربو.» (لوبيا). وعلى اليمين نشاهد منظرًا مماثلًا ومعه المتن التالي: «ليتها تمنح الحياة والسعادة والصحة لرئيس القافلة الفرعونية.» هذان الرجلان هما صاحب هبة الأرض ورئيسه، كما يدل على ذلك النقش التالي:
السنة التاسعة عشرة في عهد جلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «عاخبررع» «شيشنق الرابع» معطي الحياة.

أما عن الهبة فقد قدم رئيس قوافل الفرعون «واشاتيهاتا» بن «نوا-سا-تيروكا-نا-يو» خمسة أرورات من الأرض لمعبد «حتحور» ربة الفيروز الذي تحت إدارة رئيس البوابين «باساكا» بن «بكنو»، وأمه هي المتعبدة الإلهية للإله «سبد» (وتدعى) «هرنفر» راجية له بذلك الحياة والسعادة والصحة والحياة الطويلة والعمر المديد السعيد في حظوة سيده الرئيس العظيم لبلاد «لوبيا» والرئيس العظيم لقوم «مي» «حاتيحنكر» في معبد «حتحور» ربة الفيروز باقيًا ودائمًا سرمديًّا.»
وإن كل رجل أو كاتب يرسل في بعث لإقليم بلدة «باسبك» ويلحق ضررًا بهذه اللوحة سيقع تحت سلاح «حتحور»، ولكن اسم من يمكنها سيبقى.

ومن هذه اللوحة نفهم الصلة الدائمة التي كانت بين ملوك مصر وبين الواحات، وكذلك يتضح لنا استمرار سيطرة أعضاء أسرة «شيشنق» على هذه الجهات وتنصيبهم في الوظائف العالية بها.

و لوحة «باشري بتاح»: وتوجد في متحف اللوفر لوحة أقامها كاهن «بتاح» للعجل «أبيس» مؤرخة بالسنة السابعة والثلاثين من عهد الملك «شيشنق الرابع»، وهذه اللوحة عُثر عليها في السرابيوم بمنف .
وهاك النص الذي يدل على ذلك وهو أن السنة السابعة والثلاثون من عهد ملك الوجه القبلي والوجه البحري رب الأرضين «شيشنق» معطي الحياة مثل رع أبديًّا، يا «أوزير حابي» الذي يسمع جيدًا، امنح شيخوخة جميلة كبيرة لكاهن «بتاح»، والكاهن مثبت العدالة «باشري بتاح» ابن مثيله «عنخ سماتوي» الذي وضعته أمه «تس-باستت-برت»، يا «أوزير حابي»، إن الرئيس العظيم لبلاد لوبيا حظيك ومحبوبك وابنه هو «حرسبا».

ويلاحَظ هنا أن الرئيس العظيم لبلاد «لوبيا» يقابل الرئيس العظيم لقوم المشوش أو «مي».

أنا بالنسبة للوحة «نمروت»: لوحة خاصة بالعجل «أبيس» السابع من عهد الأسرة الثانية والعشرين، أقامها الكاهن والد الإله «نمروت» في السنة السابعة والثلاثين من عهد الملك «شيشنق الرابع» .
وتوجد عدة لوحات مؤرخة بالسنة السابعة والثلاثين من «السرابيوم» ومحفوظة بمتحف اللوفر، ويلاحظ على هذه اللوحات أن بعضها قد جاء عليه طغراء اسم الملك، وبعضها طغراء لقبه.
أما بالنسبة لآثاره في تانيس فقد عُثِرَ حديثًا في الجهة الشمالية من المعبد الكبير في الجزء الشرقي على بقايا مبنى للملك «شيشنق الرابع»، وقد بلغ عدد الأحجار التي نقشها هذا الفرعون واستعملت في جدران البحيرة المقدسة فيما بعد لهذا المعبد حوالي مائة وعشرين حجرًا، بعضها نقوش إهداء، وبعضها قطع أفاريز وطغراءات الفرعون وتيجان عمد وأجزاء ونقوش وأجزاء عليها من مناظر، حيث نشاهد الفرعون يتعبد للآلهة: «آمون»، و«موت»، و«خنسو»، و«مين»، و«بتاح»، و«سخمت»، والسفينة المقدسة، وغير ذلك.

وكذلك عُثر على الجزء الأعلى من لوحة هبة وجزء من لوحة أخرى. وبعض هذه النقوش يعد من النقوش الممتازة، ويمكن قرنها بأحسن النقوش في أزهى عصور التاريخ المصري القديم من حيث دقة الصنع وجمال النقش. وبجانب هذا توجد بعض نقوش أخرى لا تستحق الالتفات من حيث الدقة؛ غير أن الكل في مجموعه يعتبر مُرضيًا. وعلى أية حال، فإن جميع القطع التي عُثر عليها حتى الآن لا يمكن أن تؤلِّف منها مبنًى كاملًا، ولكن على الرغم من ذلك تدلنا هذه البقايا على أنه كان له أعمال في هذه الجهة لم تصلنا سليمة، وبخاصة أننا لا نعرف عن أعماله الشخصية شيئًا إلا ما جاءنا عن طريق اللوحات التي سبق ذكرها هنا، وكلها من السرابيوم.
وقد أرخ «جوتيه» هذه اللوحة بعهد «شيشنق الرابع» 
هذه اللوحة مصنوعة من الحجر الجيري، وقِمَّتُها المستديرة قد كُسِرَتْ، وطولها ٥٣ سنتيمترًا، وارتفاعها ٣١ سنتيمترًا، وهي في حوزة «دانينوس باشا»، وقد نشرها «مسبرو» من صورة أخذها بوساطة الضغط. 
 دلت الحفائر الحديثة على أن شمالي المعبد الكبير في جزئه الشرقي كان مشغولًا بالبحيرة المقدسة، وهي عبارة عن مستطيل من الحجر يحيط به لبنات مكسوة بالحجر من الداخل، ويبلغ طولها من الداخل ٥٠٫٦ مترًا، وعرض الجدار المصنوع من الحجر يبلغ ٢٫٥ متر، وقد كان ارتفاعه فيما مضى يبلغ متوسط ارتفاع المعبد، ولكن قد انتُزعت منه أحجار كثيرة؛ ولذلك نجد أنه قد نقص في بعض جهاته من ثلاثة إلى أربعة أمتار وأحيانًا خمسة. وقد وُجد أن هذه البحيرة قد بُنِيَت كلها بأحجار من مبانٍ قديمة، وأن أحجارها مأخوذة من مبانٍ يرجع عهدها إلى عصر «بسمتيك الأول»؛ مما يدل على أن هذه البحيرة قد أقيمت على ما يظهر في العهد الفارسي.

طباعة شارك شيشنق الرابع الملك شيشنق الرابع ملوك الأسرة المصرية الثانية والعشرون شيشنق الثالث

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: شيشنق الثالث الثانیة والعشرون الأسرة الثانی الرئیس العظیم هذا الفرعون هذه اللوحة فی السنة أن هذا على أن من عهد

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • سعرها وصل نصف مليون جنيه.. مزايدة نارية على لوحة سيارة مميزة
  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • السد العالي يتصدر .. أكبر 5 لاعبين سنا مشاركة في تاريخ بطولة كأس العالم
  • إسبانيا تضع صور البابا لاوون الرابع عشر على عربات المترو
  • بعد رحلة في أمريكا.. القطعة الناقصة من فسيفساء “زيغما” تعود إلى تركيا
  • "أمواج" تكتب فصلًا جديدًا في حكايات مجموعة خلطاتها العطرية عن عُمان
  • توقع مثير من عصام الحضري بشأن مشوار منتخب مصر في كأس العالم 2026: «هنخسر من الأرجنتين»
  • ‎وزير الصحة يشهد المؤتمر السنوي الرابع للجمعية العربية لاقتصاديات الصحة