الثورة نت:
2026-06-03@02:40:54 GMT

رحلةٌ إلى السماء

تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT

رحلةٌ إلى السماء

 

 

من أين أبدأ؟ وأيُّ العبارات تُطيق حمل هذا المقام؟ فمهما كُتِب، تبقى الكلمات قاصرة، ويظلّ التعبير عاجزًا عن الوفاء، ويشعر القلم بثقل الأمانة قبل أن يسطر حرفًا واحدًا.
في ذكراك، سيدي، يضيق البيان، ويتلعثم اللسان، ولا أدري ماذا أكتب؛ إذ لا كلام يوافي قدرك، ولا مقال يُنصف مقامك.
فمهما حاولتُ، فلن أوفي، لأن الفكر واللسان والحرف تخجل وتنحني أمام عظمتك؛ تلك العظمة التي جسّدت فيها معنى الإنسانية في أنقاها، ومعاني الرجولة في أسمى صورها، حيث تجلّت القيم العليا سلوكًا وموقفًا وجهادًا.


فالحديث عنك ليس حديثًا عن شخصٍ عابر، بل هو حديث عن السموّ في أعلى نماذجه، وحديث عن القرآن حين يتحوّل من نصٍّ مقروء إلى مشروع حياة، تتجلى بصائره وبيّناته في القول والعمل. وهو حديث عن التضحية والفداء في سبيل الله، ونصرة المستضعفين، وبرهان ساطع على سنة الاصطفاء الإلهي في الهداية والولاية.
إنه نفحة من نفس الرحمن، ورحمةٌ سرت في العالمين، وعطاءٌ إلهيٌّ متجدّد، ونورٌ بدّد الظلمات، وبعث الحياة في زمن التيه. وباختصار: هو حديث عن العظماء الذين قلّ أن يجود الزمان بأمثالهم.
تكلمتَ وصرختَ صرختك المدوّية في زمنٍ استفحلت فيه قوى الاستكبار، يوم كان الخوف سيّد الموقف، والصمت عنوان المرحلة، وأمريكا ترتكب أبشع الجرائم في أفغانستان والعراق. فصدعتَ بالحق حين سكت الآخرون، وقلت ما لم يجرؤ غيرك على قوله، فانتقلتَ بكل من انتمى إلى مشروعك من حالة الحيرة والضياع إلى وعيٍ مستبصر، وبصيرةٍ حاضرة، وموقفٍ شجاع.
صرختَ وقلت: «اصرخوا»، فكانت الصرخة صحوة أمة لا مجرّد شعار. وقلت: «ستجدون من يصرخ معكم»، في مرحلةٍ كانت الأمة فيها مكبّلة بالهزيمة النفسية، مثقلة بالخنوع والاستسلام، نتيجة التضليل الإعلامي، والغزو الثقافي، والتشويه الممنهج. فصرخنا، ووجدنا من يصرخ معنا، وانكسر حاجز الخوف، وسقط جدار الصمت، فكانت نقلةً نوعية، وارتقاءً حقيقيًا في وعي الأمة، واستعادةً لسلاح الموقف.
صنعتَ أمةً من خلال القرآن الكريم، أمةً عزيزةً كريمة، مؤمنةً بهويتها، منشدةً إلى دينها، عرفت من هي، ومن هو عدوها، وأدركت حجم المخاطر، وقدّمت الحلول في زمن «اللا حل»، ورسمت ملامح الطريق في مواجهة التحديات والأخطار.
فكنتَ – ولا زلتَ بحق – باعث الجيل من بين ركام الذل والخنوع، والجمود والتيه والضياع، إلى جيلٍ شامخٍ، يعشق الجهاد، ويتوق إلى الشهادة، مستعدٍّ للتضحية، لا يقبل الاستسلام، ولا يرضى الهوان، ثابتًا صامدًا على خطاك. وهكذا استمر نهجك حيًّا في وجدان يمن الإيمان والحكمة.
تحرّكتَ بمشروعك القرآني في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني، فواجهتَ حروبه الثقافية والإعلامية، وكشفت زيفه وخداعه وتضليله. وحين عجز عن المواجهة الفكرية، لجأ إلى الحرب العسكرية عبر أدواته وأوليائه، محاولًا بكل وسيلة إطفاء نور الله ومنع وصوله إلى الأمة، غير أن إرادة الله كانت هي الغالبة: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
فكلما اشتدت الحرب، ازداد المشروع رسوخًا واتساعًا وظهورًا، بإرادة الله وتأييده، ولا يزال حتى اليوم يواجه المشروع الأمريكي الصهيوني وينتصر، ليغدو أملًا لهذه الأمة، وقد أصبح الشعب اليمني، بتمسكه بك، قدوةً لكل الشعوب المستضعفة التواقة إلى الحرية والتحرر. وتبيّن من خلال الوقائع والشواهد أن هذا المشروع هو الحق، وأن فيه الخير للأمة، مهما كانت الظروف، ومهما عظمت التحديات والتضحيات.
أرادوا طمس ذكرك، فرحلتَ إلى وجدان هذا الشعب. قتلوك، وما علموا أنهم أحيوك فينا قدوةً وثباتًا وأسوةً على الحق. فأنت حاضرٌ في أفكارنا ومشاعرنا، بل صرت قبلةً لكل الأحرار والمستبصرين. فأينما ولّيتَ وجهك رأيت حسينيين أباة، أبطالًا شجعانًا، لم يتراجع واحدٌ منهم قيد أنملة، ثابتين كثبات الجبال الرواسي، لا يخافون في الله لومة لائم.
أنت حاضرٌ في موقع القدوة والقيادة والهداية، نستوحي من مدرستك قوة الإيمان، وصدق التوكل، والثقة الواعية بالله، والصبر والثبات، والبذل والعطاء، والبصيرة في مقارعة الطغاة والمجرمين.
بنيانك راسخٌ في وجدان الشعب اليمني، بإحياء روح المسؤولية والروح الجهادية، التي مكّنته من الصمود والثبات في وجه أعتى عدوان عرفه التاريخ الحديث، عدوانٍ تكالبت فيه قوى الشر والطغيان والاستكبار لسنواتٍ طويلة، وكان هذا الصمود ثمرةً من ثمار جهودك ونتاج مشروعك.
ومنذ اللحظة الأولى لانطلاقة هذا المشروع القرآني النهضوي الاستقلالي، وإلى يوم استشهادك، ثم إلى اليوم، على مدى عقدين وأكثر، تتوالى الأحداث والمتغيرات والمواقف شاهدةً على صواب هذا التحرك، وضرورة هذا الموقف، وأنه لا خيار للأمة، ولا مناص لها في مواجهة هذا الخطر، إلا تحمّل المسؤولية.
يطول الحديث عنك وعن مشروعك العظيم، ويقصر المقام عن الإحاطة. وختامًا نقول: نم قرير العين، ودُم خالد الذكر، يا تاج الأمة وعنوان عزها ومجدها، فقد بنيتَ أمةً قويةً عزيزةً شامخة، أحييتها بدمك الطاهر الزكي، وبثقافة الجهاد والاستشهاد، وستبقى رمزًا وقائدًا للشعب اليمني في مواجهة العدوان، جيلًا بعد جيل، حتى صار اليمن بك أمةً يخشى الأعداء بأسها.
فجزاك الله عنا خير الجزاء، يا سيدي
السلام عليك يوم رفعت الصرخة في وجه المستكبرين،
السلام عليك يوم وقفت شامخًا في وجه الطغاة والمجرمين، لم تتزلزل ولم تركع،
وهل مثلك يركع إلا لله؟ وهل مثلك يخشى إلا من الله؟
والسلام عليك يوم وُلدت، ويوم استُشهدت، ويوم يقوم الأشهاد.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة

يحتل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مكانة استثنائية في التاريخ الإسلامي بوصفه أول المؤمنين، وربيب رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصهره، وأحد أبرز القادة الذين أسهموا في تثبيت دعائم الإسلام في أصعب مراحله، وقد اقترنت سيرته بالجهاد والتضحية والعلم والحكمة والعدل، حتى أصبح نموذجاً متكاملاً للقائد الرسالي الذي جمع بين قوة الموقف ونقاء العقيدة وسمو الأخلاق، فاستحق بأمر الله أن يكون وصي رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وباب مدينة علمه ، وعندما يتناول المسلمون سيرة الإمام علي (عليه السلام)، فإنهم لا يستحضرون شخصية تاريخية عابرة، بل يستحضرون مدرسة متكاملة في القيادة الإيمانية والالتزام بالحق والثبات في مواجهة التحديات، وهي مدرسة امتدت آثارها عبر القرون وما تزال تلهم الأجيال في مختلف الميادين.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الإمام علي والوصاية على الأمة

المكانة الخاصة التي منحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي (عليه السلام)، حيث كان الأقرب إليه علماً وعملاً وجهاداً، وقد رافقه في مختلف مراحل الدعوة الإسلامية، منذ بداياتها الأولى وحتى انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، وقد أجمعت الأمة على أن الإمام علي كان الامتداد الطبيعي للمشروع الرسالي الذي أسسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما امتلكه من علم واسع وعميق للقرآن الكريم، لم ينله غيره، ولما عرف عنه من نزاهة وعدالة وزهد وإخلاص وشجاعة في خدمة الدين والأمة، وقد تميزت شخصيته بكونها تجسيداً عملياً للقيم الإسلامية، فلم يكن دوره مقتصراً على الجانب العسكري أو السياسي، بل شمل الجانب التربوي والفكري والأخلاقي، ما جعله مرجعاً مهماً في فهم الإسلام وتطبيقه.

شجاعة استثنائية صنعت التحولات الكبرى

من أبرز ما عُرف به الإمام علي (عليه السلام) شجاعته الفريدة التي تجلت في مختلف المعارك التي خاضها إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي معركة بدر الكبرى كان من أبرز أبطال المسلمين الذين واجهوا قادة قريش وفرسانها، وأسهموا في تحقيق أول انتصار حاسم للدولة الإسلامية الناشئة، وفي معركة أحد ثبت إلى جانب رسول الله حين تفرق كثير من المقاتلين تحت ضغط الهجوم المعاكس، مسطراً أروع صور الوفاء والثبات، أما في معركة الخندق، فقد تجلت شجاعته بصورة استثنائية عندما خرج لمواجهة عمرو بن عبد ود العامري، الذي كان يعد من أشجع فرسان العرب وأشدهم بأساً، وقد مثل انتصار الإمام علي في تلك المواجهة نقطة تحول مفصلية في مجريات المعركة، وأسهم في كسر معنويات الأحزاب التي حاصرت المدينة المنورة، وفي معركة خيبر، برز دوره بصورة لافتة عندما عجزت الجيوش عن فتح الحصون المنيعة، فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراية إلى الإمام علي عليه السلام، فقاد الهجوم وتمكن من فتح الحصون وتحقيق نصر كبير للمسلمين، في حدث بقي حاضراً في الذاكرة الإسلامية بوصفه نموذجاً للشجاعة والإقدام والثقة بالله.

مواجهة أعداء الإسلام وإسقاط مشاريعهم

لم تكن معارك الإمام علي (عليه السلام) مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت معارك دفاع عن العقيدة وحماية للمجتمع الإسلامي الوليد من الأخطار التي كانت تهدد وجوده، فقد واجه قوى متعددة سعت إلى القضاء على الدعوة الإسلامية، سواء من المشركين الذين حشدوا طاقاتهم لمحاربة الإسلام، أو من القوى المعادية التي عملت على تقويض استقرار المجتمع المسلم،
وفي المواجهات التي شهدتها المدينة المنورة وخارجها، كان الإمام علي يمثل رأس الحربة في التصدي لتلك التحديات، حتى أصبح اسمه مقترناً بالنصر والثبات والإقدام، وأصبح حضوره في ساحات القتال عاملاً مؤثراً في رفع معنويات المسلمين وإرباك خصومهم، وقد أجمع كثير من المؤرخين على أن بصماته العسكرية كانت حاضرة في أبرز الانتصارات التي حققها المسلمون خلال حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

رجاحة الرأي والحكمة في إدارة الأزمات

إلى جانب بطولاته العسكرية، عُرف الإمام علي (عليه السلام) برجاحة العقل وسداد الرأي والحكمة في معالجة القضايا المعقدة، فقد كان أكثر الناس علماً وفقهاً بعد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، واشتهر بقدرته على استنباط الأحكام ومعالجة المشكلات الاجتماعية والسياسية والقضائية، ولذلك كان مرجعاً مهماً في القضايا الكبرى التي واجهت المجتمع الإسلامي، وتكشف خطبه ورسائله وكلماته المأثورة عن عمق فكري وإنساني كبير، حيث قدم رؤى متقدمة في العدالة والحكم والإدارة والعلاقة بين الحاكم والرعية، ما جعل تراثه الفكري محل اهتمام الباحثين والمفكرين عبر العصور، كما تميزت شخصيته بالتوازن بين الحزم والرحمة، وبين القوة والعدل، وهو ما منح قيادته بعداً أخلاقياً وإنسانياً نادراً.

 

مدرسة في العدل والإنصاف

يُعد الإمام علي (عليه السلام) رمزاً للعدالة في الوعي الإسلامي، إذ ارتبط اسمه بالحكم العادل والإنصاف بين الناس دون تمييز، وقد انعكس هذا النهج في مواقفه العملية وسلوكه الشخصي، حيث كان يرفض استغلال السلطة أو توظيفها لتحقيق مصالح خاصة، ويرى أن مسؤولية الحاكم تقوم على خدمة الناس وصيانة حقوقهم وتحقيق العدل بينهم، ولذلك تحولت سيرته إلى مرجع أخلاقي وسياسي يستلهم منه الكثيرون مبادئ الحكم الرشيد والنزاهة والالتزام بالمسؤولية.

دلالات الدور الرسالي للإمام علي عليه السلام

إن قراءة سيرة الإمام علي (عليه السلام) تكشف مجموعة من الدلالات المهمة، أبرزها، أن القيادة في الإسلام تقوم على الكفاءة والإيمان والالتزام بالحق، وأن القوة الحقيقية ترتبط بالقيم والمبادئ وليس بالمصالح والمكاسب، وأن العلم والحكمة يمثلان أساساً لبناء المجتمعات واستقرارها، وأن الثبات في مواجهة التحديات شرط أساسي لتحقيق النصر، وأن العدالة تشكل الركيزة الأهم في بناء الدولة والمجتمع، كما تؤكد سيرته أن المشروع الإسلامي لم يقم على السيف وحده، وإنما قام على تلازم العلم والجهاد والأخلاق والعدل، وهي القيم التي جسدها الإمام علي في مختلف مراحل حياته.

ختاما ..

يبقى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) واحداً من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي، بما قدمه من تضحيات جسام في سبيل نصرة الدين، وبما جسده من نموذج فريد في الشجاعة والحكمة والعدالة والالتزام الرسالي، لقد كان حاضراً في كل المواقف المصيرية التي واجهت الأمة الإسلامية في بداياتها، وأسهم بدور محوري في حماية الدعوة وترسيخ أركانها، حتى أصبح رمزاً خالداً للقائد المؤمن الذي جمع بين قوة السيف ونور البصيرة، وبين البطولة في الميدان والحكمة في إدارة شؤون الأمة، لتظل سيرته مدرسة متجددة تستلهم منها الأجيال معاني الثبات والوفاء والإخلاص لله ولرسوله وللقيم التي جاء بها الإسلام، وكان كل ما امتلكه في إطار موقعه الذي هيأه الله له كوصي لهذه الأمة ووليها من بعد رسوله الكريم صلوات الله عليه وعلى آله

مقالات مشابهة

  • الحج.. مدرسة الروح ووحدة الأمة!
  • فعالية حاشدة في الحوك بالحديدة بذكرى يوم الولاية
  • صنعاء تشتعل فرحا بذكرى عيد الغدير .. فيديو
  • حجة .. أمسية لمكتب الصحة وفرعي المياه والكهرباء ومستشفى عبس بيوم الولاية
  • فعالية في مديرية مبين في حجة بذكرى يوم الولاية
  • رصاص الأفراح في ريف المخا.. موت راجع من السماء يهدد الأهالي
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • تدشين فعاليات إحياء ذكرى يوم الولاية بمحافظة الحديدة
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • "مصر للطيران" الناقل الوطني المصري تواصل جسرها الجوي لعودة ضيوف الرحمن حجاج بيت الله الحرام