كيف أنقذ الوعي الشعبي السودان من نخبته السياسية
تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT
بين شيطان السياسة وضمير الجيش: كيف أنقذ الوعي الشعبي السودان من نخبته السياسية
منذ أن بزغ فجر الاستقلال عام 1956، ظل السودان عالقًا في حلقة مفرغة من صراعٍ عبثي بين حاكم متشبث بالسلطة ومعارض مستعد للتحالف مع الشيطان لإسقاطه، ولو كان الثمن هو الوطن نفسه.
و بين مقولة بعض المعارضين: «نتعاون مع الشيطان لإسقاط النظام»، ومقولة بعض الحاكمين: «لن نتعامل مع المعارضين إلا بعد أن يغتسلوا سبع مرات من مياه البحر»، تشكلت مدرسة كاملة من الكراهية السياسية المتبادلة، جعلت البلاد تدور لعقودٍ في فلك الانتقام لا في مسار بناء الدولة.
من «نتعاون مع الشيطان» إلى «الاغتسال سبع مرات»
هذان الشعاران المتطرفان يلخصان مأساة السياسة في السودان: معارضة لا ترى بأسًا في الاستقواء بالشيطان – أيًا كانت صورته: أجنبيًا، أو مليشيا، أو تدخلاً دوليًا – مقابل إسقاط خصمها. وسلطة لا ترى في معارضيها شركاء في الوطن، بل نجاسة سياسية لا تُغتفر إلا بـ«الاغتسال سبع مرات من مياه البحر». هذه اللغة ليست مجرد مبالغة خطابية؛ إنها تعبير عن ذهنية جعلت الخصومة أهم من الوطن، والحرب السياسية أهم من السلام الاجتماعي.
في ظل هذا المناخ، ضاع الشعب السوداني بين طرفين: معارضة مستعدة لحرق المعبد على من فيه، وسلطة تتعامل مع نصف شعبها بوصفه خصمًا ينبغي محوه لا محاورته. ومع كل دورة صراع، كانت الثقة في الطبقة السياسية تتآكل، حتى وصلنا إلى لحظة راهنة بات فيها كثير من السودانيين مقتنعين أن ما يحدث اليوم – بما فيه الحرب – هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من سوء إدارة السياسة.
الانقلابات… من الذي دعا الجيش إلى السلطة؟
كثيرًا ما يُقدَّم الجيش في السرديات السياسية على أنه «المغامر» الذي يخرج من ثكناته لينقلب على الشرعية، لكن قراءة تاريخ السودان تكشف حقيقة مؤلمة: لم يكن أي انقلاب عسكري تقريبًا وليد مغامرة فردية معزولة، بل جاء – في جوهره – استجابة لتحريض أو تواطؤ أو استدعاء من الطبقة السياسية نفسها.
انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958 لم ينطلق من فراغ، بل جرى تسليمه السلطة عمليًا عبر تفاهمات سياسية، حين لجأ رئيس الوزراء آنذاك إلى الجيش لحسم صراع حزبي عجز عن حله مدنيًا. انقلاب مايو 1969 جاء في مناخ استقطاب حاد بين التيارات اليسارية والقومية والطائفية، شاركت فيه قوى مدنية بارزة، رأت في الجيش أداة لتصفية خصومها. انقلاب 1989، بدوره، لم يكن «قفزة معزولة» من داخل المؤسسة العسكرية، بل كان تتويجًا لصراع سياسي محتدم، واستخدمت فيه حركة سياسية منظمة الجيش كوسيلة للاستيلاء على الحكم تحت لافتة الإنقاذ.
بهذا المعنى، لم يكن الجيش هو من استيقظ كل مرة وقرّر وحده إزاحة السلطة المدنية؛ كانت الطبقة السياسية هي من فتحت له الباب، ثم وقفت لاحقًا تتباكى على الديمقراطية التي سلمتها بيديها. وهكذا تكررت المسرحية: سياسيون يفشلون في إدارة خلافاتهم بالوسائل الديمقراطية، ثم يفتحون الباب للانقلاب، ثم يلقون باللوم كله على «العسكريين».
اعترافات السياسيين… ديمقراطية بلا حُرّاس
لم يكن فشل السياسة في السودان سرًا، بل حقيقة اعترفت بها رموزها الكبرى عبر الزمن، كلٌّ من زاويته ومدرسته:
• وقف الشريف زين العابدين الهندي في واحدة من أشهر لحظات الصراحة السياسية ليقول عبارته القاسية تحت قبة البرلمان : «إن الذين ظلوا يدافعون عن الديمقراطية ودفعوا أثمان غالية، تاني لو جا كلب شالها ما بقولوا ليه جر، بقت جيفة ما عندها ناس يحرسوها». لم يكن يسبّ الديمقراطية في ذاتها، بل يعرّي طبقة سياسية أضعفتها حتى صارت بلا حراس، بلا رجال، وبلا استعداد للدفاع عنها ساعة الخطر.
• كان عمر نور الدائم يكرر في أحاديثه أن السياسة في السودان تُمارَس بالعواطف لا بالعقول، في وصف دقيق لواقعٍ تغلب فيه الانفعالات والولاءات الضيقة على الرؤية والبرامج.
• حسن الترابي، أحد أكبر منظري الإسلاميين، انتهى به الأمر إلى الاعتراف بأن الحركة التي قادت انقلاب 1989 لم تطور «فقهًا سياسيًا معاصرًا» يليق بطموحاتها؛ تنظير كثير عن الشورى والديمقراطية، لكن الممارسة انتهت إلى مصادرة الحريات، فخسروا الشرعية والفاعلية معًا.
• محمد إبراهيم نقد، من موقعه في اليسار، رأى أن علاج أزمة النظام البرلماني لا يكون بدكتاتورية جديدة تصادر الحريات، بل بتوسيع الحقوق وبناء دولة مدنية ديمقراطية، وكان يقول إن حزبه «حزب صغير قدر السودان»، يعمل في حدوده الوطنية، في تلميح واضح إلى من جعلوا من السياسة بوابةً للتبعية.
• الصادق المهدي، من موقعه في قلب التجربة الديمقراطية، كتب مرارًا أن المشكلة ليست في مبدأ الديمقراطية، بل في بنية الأحزاب القائمة على الطائفية والقبلية، وأن النخب فرّطت أكثر من مرة في التجربة الديمقراطية تحت ذرائع الأمن أو التكتيك السياسي.
• وعلى الضفة الأخرى، حمل د. جون قرنق القوى التقليدية مسؤولية الانحدار الكبير في مسار الدولة، منذ تبني دعوات «الدستور الإسلامي» في بلد متعدد الأديان والثقافات، معتبرًا تلك اللحظة نقطة كسر لمشروع الدولة الوطنية الجامعة، وواحدة من البوابات التي أدت في النهاية إلى انقلاب الجبهة الإسلامية.
هذه الأصوات – على اختلاف مرجعياتها – تتفق على شيء واحد: العطب لم يكن في فكرة الديمقراطية نفسها، بل في النخب التي أفرغتها من مضمونها، وفقدت القدرة على حماية قواعد اللعبة التي تتغنى بها في الخطاب.
حين فقد السودان ثقته في الساسة ووجد ضميره في الجيش:
تراكمت هذه الخيبات حتى وصل الوعي الشعبي في السنوات الأخيرة إلى لحظة مفصلية: فقد السودانيون، خاصة الشباب، ثقتهم العميقة في الأحزاب والحركات السياسية، ورأوا أن ما آلت إليه البلاد من حرب وتمزق هو نتيجة طبيعية لممارسات تلك الطبقة. في المقابل، بدأ الالتفاف يتزايد حول المؤسسة العسكرية، لا بوصفها بديلًا أبديًا عن السياسة، بل باعتبارها الضامن الوحيد الباقي لوحدة البلاد وبقاء الدولة.
الجيش، بقيادته الحالية، أظهر في لحظة حرجة قدرًا من المهنية وضبط النفس والوطنية، رغم حملات الإساءة والتشكيك التي استهدفته عمدًا من بعض الساسة، سواء مَن شاركوا معه في الحكم أو من جعلوا من مهاجمته وسيلة لشد عصب قواعدهم. كثير منهم لم يتردد في شيطنة الجيش وقائده، وفي نفس الوقت الاحتماء بالمجتمع الدولي واستدعاء التدخل الأجنبي، بل والعمل على الوقيعة بين الجيش وقوات الدعم السريع، حتى اندلعت الحرب الكارثية التي نراها اليوم.
ورغم ذلك، ظل الجيش متماسكًا، وواجه تلك الحملات بالصبر لا بردود أفعال منفلتة، واستمر في حمل عبء الدفاع عن الدولة، بينما انشغلت النخب بالمساومات والبيانات والمناورات. لهذا ليس غريبًا أن يتجه المزاج العام إلى الالتفاف حول القوات المسلحة، والاقتناع بأن ما دمَّرته السياسة لن يصلحه إلا جيش وطني منضبط.
رسالة صريحة إلى الجيش وقيادته:
هذا الالتفاف الشعبي حول الجيش نعمة كبرى، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية تاريخية ثقيلة. فالشعب السوداني، الذي نأى بنفسه عن الطبقة السياسية، اختار أن يمنح ثقته للمؤسسة العسكرية لأنه رأى فيها الضمير الوطني الأخير، لا لأنه يريد استبدال حكم الأحزاب بحكمٍ عسكري دائم.
لهذا، فإن الرسالة الصادقة إلى الجيش وقيادته اليوم هي:
• أولًا: أن يستفيدوا من دروس التاريخ، وأن يدركوا أن ما أسقط السياسيين ليس فقط سوء تدبيرهم، بل أيضًا خضوعهم لـ«شهوة السلطة» التي أعمتهم عن رؤية الوطن.
• ثانيًا: أن يجعلوا انتصارهم في الميدان بوابة لانتصار أكبر: انتصار الشعب على الفوضى والتمزق، وعودة الدولة السودانية قوية موحدة، لا غنيمة لفصيل ولا منصة لحكم دائم.
• ثالثًا: أن يتبنوا، منذ الآن، تعهدًا واضحًا ومعلنًا بمساعدة الشعب السوداني على استعادة حكمه المدني عبر انتخابات حقيقية، نزيهة، يشارك الجيش في حمايتها وتمكينها لا في منافسة نتائجها.
سيظل الشعب السوداني يدعم جيشه وقيادته حتى تُحسم المعركة، وتُهزم المليشيا، ويُهزم معها مشروع تفكيك السودان لمصلحة القوى الأجنبية وأدواتها في الداخل. هذا الدعم الشعبي ليس شيكًا على بياض، بل عقد ثقة مشروطًا بهدف واضح: حماية الوطن اليوم، وتسليم السلطة غدًا لإرادة الشعب الحرة.
ملامح مرحلة انتقالية جديدة… بقيادة الجيش ورقابة الشعب:
بعد حسم الحرب واستعادة الأمن وعودة النازحين واللاجئين ومن شتّتهم المنافي، تبدأ المهمة الأصعب: بناء دولة انتقالية رشيدة، لا تكرر أخطاء الماضي البعيد والقريب، ولا تسمح للأحزاب أن تستأنف لعبة الإقصاء من جديد.
يمكن رسم ملامح تلك المرحلة على النحو الآتي:
• إنشاء مؤسسات حكم انتقالية ذات شرعية مجتمعية واضحة، تبدأ من المحليات، وتُبنى من أسفل إلى أعلى.
• تشكيل مجالس تشريعية انتقالية تعبر – قدر الإمكان – عن التنوع الحقيقي للسودانيين، مع وضع سقف زمني واضح لمهمتها، مرتبط بالإعداد لانتخابات عامة.
• إنشاء محكمة دستورية كاملة الأركان، تحمي الوثيقة الدستورية القادمة، وتضمن عدم العبث بقواعد اللعبة السياسية.
• تكوين جهاز تنفيذي (مجلس وزراء) قوي، قائم على الكفاءة والخبرة، لا على المحاصصة الحزبية الضيقة.
• تأسيس لجان مستقلة للانتخابات، وتسجيل الأحزاب، وإجراء إحصاء سكاني شامل، لتهيئة بيئة صالحة لانتخابات حرة وشفافة.
خلال هذه الفترة الانتقالية، وعلى امتداد سنوات يتم التوافق عليها وشرحها للناس بوضوح، يكون الجيش السوداني وقيادته مسؤولين عن قيادة البلاد إلى بر الأمان: حماية الحدود، ضمان الأمن الداخلي، منع السلاح المنفلت، تأمين المسار السياسي ومنع اختطافه. لا ينازعهم أحد على هذه المهمة، لكنهم في المقابل يقبلون أن يكون الشعب هو الرقيب الأعلى، لأن التفافه حولهم اليوم هو رأس مالهم الشرعي والتاريخي.
نحو معادلة جديدة بين الجيش والسياسة
المطلوب ليس أن يبقى الجيش حاكمًا إلى ما لا نهاية، ولا أن تعود الأحزاب إلى ممارساتها القديمة، بل أن تولد معادلة جديدة تقول:
• الجيش حارس للوطن، وليس لاعبًا في سوق المحاصصات.
• الأحزاب مؤسسات خدمة سياسية، لا عائلات سلطوية أو واجهات لأجندات خارجية.
• الشعب هو صاحب السلطة الأصلي، يمارسها عبر صناديق اقتراع حقيقية، لا عبر صفقات الغرف المغلقة.
حين يتحقق هذا، يمكن للجيش أن يعود مطمئنًا إلى دوره الدستوري الطبيعي: حماية الحدود والدستور، لا إدارة تفاصيل الحكم اليومي. ويمكن للسياسة أن تستعيد شرفها المفقود، حين تعود وسيلة لخدمة الناس، لا مسرحًا للكيد والعمالة والتضحية بالوطن في سبيل المناصب.
سيكتب التاريخ هذه اللحظة بحروف واضحة: أن السودانيين، بعد أن فقدوا الثقة في نخبتهم السياسية، وجدوا ضميرهم في جيشهم. وأن الجيش، إن اختار أن يرتفع فوق شهوة السلطة، وأن يقود البلاد إلى انتخابات حقيقية، سيكون قد قدّم أعظم انتصار في تاريخه: انتصارًا للكرامة والسودان والشعب، لا لنفسه فقط.
مهندس طارق حمزة زين العابدين
إنضم لقناة النيلين على واتسابPromotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2026/01/26 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة حضارات سادت ثم بادت2026/01/26 شاهد بالفيديو.. “بدران” الدعم السريع يثر ضحكات المتابعين ببيان جديد: (باسم الشعوب المحمدية الحمدانية الدقلاوية نبارك للرئيس التشادي) والجمهور يسخر: “وزير الإعلام المرتقب بحكومة تأسيس”2026/01/26 شاهد بالصورة والفيديو.. “لونه أبيض مني”.. مواطن يمني يصاب بالذهول بعد مقابلته شاب سوداني أبيض البشرة2026/01/26 شاهد بالصورة والفيديو.. بثوب فاخر وأنيق.. الفنانة الحسناء أفراح عصام تستعرض جمالها داخل محلها التجاري بالقاهرة على أنغام ندى القلعة والجمهور يتغزل: (جمال ما طبيعي يا لابس البمبي)2026/01/26 شاهد بالفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تغني مع “طليقها” شيكو (عينيا ما تبكي)2026/01/26 شاهد بالفيديو.. شيخ الأمين يقدم محاضرة لحيرانه عن الأحداث المثيرة التي صاحبت زواج طليقة الفنان مأمون سوار الدهب “هند” ويطالب المطرب بالعفو عن كل من تحدث عنه بسوء2026/01/26شاهد أيضاً إغلاق مدارات شاهد بالصورة.. الصحفي عطاف عبد الوهاب يتغزل في زميلته عائشة الماجدي (الذهب الذي لا يصدأ) والأخيرة ترد 2026/01/26الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: الطبقة السیاسیة الشعب السودانی لم یکن
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.