السعودية والمرتزقة و(اليمن السعودي)
تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT
آخر تقليعات مرتزقة الريال السعودي الذين يقتاتون من موائد لجنتها الخاصة ويدينون لها بالولاء والسمع والطاعة ويسبحون بحمد سلمان ونجله ليلًا ونهارًا، ما نشرته صحيفة الثورة التابعة للمرتزقة والممولة سعوديًّا بشأن ما أسمته (اليمن السعودي) والذي نسبت من خلاله يمن التاريخ والحضارة والعراقة إلى السعودية الدولة المسماة باسم الأسرة الحاكمة، في واحدة من أكثر صور الدياثة والابتذال والسقوط والانبطاح التي وصل إليها مرتزقة الرياض، الذين يتعاملون مع اليمن وكأنه بلا هوية، وهو ما استدعى إلحاقه بالسعودي للتعريف به، وهو ما يُعَد فضيحة مدوية تضاف إلى سلسلة الفضائح (المُجلجِلَة) التي يرتكبها هؤلاء النكرات وأشباه الرجال.
هذه الفضيحة جاءت عقب المتغيرات الميدانية التي تشهدها المحافظات اليمنية الجنوبية والشرقية المحتلة عقب مغادرة الإمارات لها وتسليم المهمة للسعودية التي بدأت بإعادة ترتيب أوضاعها، ومراجعة مخططاتها في اليمن لتتماشى مع الواقع الجديد حيث باتت هي اللاعب الوحيد في المشهد اليمني الجنوبي من خلال ما يسمّى بالشرعية التي أعلنت البراءة من المشروع الإماراتي الذي كان يهدف إلى فك الارتباط وفرض الانفصال من جديد؛ من أجل الذهاب بالجنوب نحو مستنقع التطبيع مع كيان العدو الإسرائيلي، وسلّمت أمرها وكل شؤونها للمشروع السعودي الأكثر خطورة والذي يصب في جانب تفكيك اليمن إلى أكثر من دولة، وإغراقه في دوامة من الصراعات والأزمات التي لا أول لها ولا آخر.
فالسعودي كما أشار إلى ذلك قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، لا يهمه وحدة ولا انفصال، رغم أنه من أعداء الأولى، ومن المؤيدين للثانية، فهو يتحرك تحت عناوين عدة من أجل تحقيق أهدافه التي تصب في خدمة مصالحه وتخدم المخططات والمشاريع الأمريكو صهيونية التي تستهدف اليمن والمنطقة، يريد أن يعيد اليمن إلى الوصاية والتبعية السعودية، يريد أن يكون اليمن حديقةً خلفيةً له، يلهو ويلعب ويسرح ويمرح فيها بكل أريحية، ولا يوجد لديه أي إشكالية أن يرفع في الجنوب أكثر من علم، وأن يعزف أكثر من نشيد، المهم أن يصب ذلك في مصلحته، في الرياض رفع علم الجنوب وعزف النشيد الخاص بالمجلس الانتقالي الجنوبي، وفي سيئون رفع علم الدولة الحضرمية وعزف نشيدها، وهو الذي يدّعي بأنه مع الوحدة ولن يقبل بأي مشاريع للانفصال في سياق تبريره للتحركات العسكرية والسياسية والإعلامية ضد الإمارات وأدواتها في المحافظات اليمنية الجنوبية المحتلة.
قبل أيام أشارت صحيفة عكاظ السعودية إلى ما أسمته حق شعب الجنوب في استعادة دولته ذات السيادة باعتباره حقًا وطنيًّا وتاريخيًّا وقانونيًّا غير قابل للتنازل أو المقايضة أو التأجيل، وذلك في سياق تغطيتها للمسيرات التي تشهدها عدن، وهو الأمر الذي يكشف حقيقة وطبيعة التوجه والمشروع السعودي في المحافظات اليمنية الجنوبية والشرقية المحتلة، المشروع الذي يتعامل مع اليمن كأنها تابعة أو مستعمرة سعودية، والذي يقدّم السعودية على أنها الأجدر بالثقة الأمريكية والإسرائيلية والأقدر على تنفيذ مشاريعهما وتحقيق أهدافهما، بعد أن فشلت الإمارات في تحقيق ذلك طيلة الفترة الماضية، حيث تعمل السعودية جاهدةً على استغلال الجوانب الجيوسياسية والجيواستراتيجية التي تمتلكها اليمن لخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية وترى بأن الفرص مواتية لبروز (اليمن السعودي) وهو المصطلح الذي أطلقه مرتزقتها والذي تسعى السعودية لأن يكون شعار المرحلة، نكايةً بالإمارات من جهة، وتأكيدًا على قوة تأثيرها في الوسط الجنوبي الذي ابتلع الشرعية المزعومة ولم نعد نسمع لها همسًا.
ومشكلتنا هنا هي مع المرتزقة من جهة الذين لم يستوعبوا درس الإمارات، وتحوّلوا نحو السعودية بكل غباء باعتبارها المنقذ، ومع السعودية من جهة أخرى التي لم تستوعب جيدًا أن اليمن الواحد الموحد، اليمن الكبير إرثًا وحضارةً وتاريخًا وعراقةً وأصالةً أكبر بكثير من أن يتحول إلى محمية سعودية، ولا يمكن أن تصل السعودية إلى غاياتها وأهدافها التآمرية ما دامت قلوبنا تنبض بحب اليمن، مشاريع الوصاية والتبعية أفل نجمها، وولّى زمانها، ومن يراهنون في توجهاتهم على قطيع الخونة العملاء المرتزقة ويبنون عليهم مواقفهم وسياساتهم أشبه بمن يراهنون ويعوّلون على السراب في حصولهم على الماء.
خلاصة الخلاصة: اليمن يمن الإيمان والحكمة، يمن الأوس والخزرج، يمن الأنصار، يمن الوحدة والسيادة والاستقلال والكبرياء والعزة والشموخ والإباء، ولا يشرّف أي يمني حر أن ينسب بلده إلى الغر الإماراتي أو المسخ السعودي، اليمن اسم متجذّر في أعماق التاريخ، ومن يرى نفسه ناقصًا أو وضيعًا أو هيّنًا، فعليه أن يبحث له عن هوية أخرى، أما اليمن فسيظل ملاذنا الآمن، وستظل الهوية اليمنية مصدر فخرنا واعتزازنا، وأي يد تمتد للنيل من بلدنا وهويتنا ستقطع، وأي مشاريع تستهدف سيادتنا وأمننا واستقرارنا ستفشل، وأي مؤامرات تحاك ضدنا ستسقط بإذن الله وعونه وتوفيقه، وسيظل علمنا خفاقًا، ونشيدنا مسموعًا، وسيبقى نبض قلوبنا يمنيًّا، ولن ترى الدنيا على أرضنا وصيًّا لا سعوديًّا ولا إماراتيًّا
ولا أمريكيًّا ولا إسرائيليًّا.
والعاقبة للمتقين.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود