الجزيرة:
2026-06-02@23:28:23 GMT

اليمن.. سبعة عقود من الحروب والأزمات

تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT

اليمن.. سبعة عقود من الحروب والأزمات

دخل اليمن الحديث، يمن ما بعد السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول 1962، عقده السابع في الصراع المستدام. خلال كل تلك الفترة عرف فترات محدودة من الراحة والاستقرار، لم تكن كافية لا لفهم الماضي ولا للتفكير في الآتي.

مع انتهاء كل عشرية من الصراع كان عقد جديد يفتح ذراعيه مقدما شكلا آخر من الصراع والفوضى لا يختلف عن سابقه في الدرجة بل في النوع.

هنا سنقدم عرضا بانوراميا مكثفا لسبعة عقود من اللااستقرار، هي ما أسس ومهد للصورة المتشظية والمشتتة التي نراها اليوم في اليمن.

ما كانت ثورة 26 سبتمبر/أيلول لتتمكن، وحدها، من الإطاحة بالحكم اللاهوتي ذي الامتداد التاريخي الطويل، والجذور الشعبية والثقافية العميقة. وما كان بمستطاعها خوض نزال مباشر معه دون عون سخي وجدي، سياسيا وعسكريا، من قبل نظام الرئيس عبدالناصر في مصر.

يملك اليمن ميزة جيوستراتيجية عبقرية. كانت فكرة انتقاله، وهو بتلك الأهمية، إلى صف الجمهوريات أمرا غير مقبول في محيطه الإقليمي الذي لم تكن خارطته الجيوسياسية قد اكتملت بعد، فصار ساحة صراع بين الملكيات والجمهوريات.

أخذت حرب الملكية والجمهوريين ثمانية أعوام، تركت خلفها ندوبا كثيرة، وربما كانت أحد أسباب الانهيار المفاجئ للجيش المصري في يونيو/حزيران 1967.

كانت القيادة المصرية قد شتت نفسها في ملفات عديدة خارج حدودها، ولم تعد النخبة قادرة على الإمساك بملف واحد حتى نهايته وكما ينبغي له.

شكلت اليمن واحدا من الفخاخ الكبيرة التي استنزفت الجيش المصري في العتاد والأفراد. دعت الهزيمة مصر إلى سحب قواتها من اليمن ضمن عملية إزالة آثار العدوان. استغل الملكيون الفراغ الناشئ فخاضوا مغامرة عسكرية أخيرة من أجل استعادة صنعاء. غير أن تلك المغامرة، 1968، باءت بالفشل، ويتذكر اليمنيون بالفخر أبطالهم الذين دافعوا عن العاصمة في تلك الأيام دون عون أحد.

إعلان

الهزيمة الأخيرة على أسوار صنعاء أكدت للملكيين، ولحلفائهم، أن الجمهورية بات لها جمهور. لم تخسر الملكية، بين 1962- 1968، المعارك وحسب بل السمعة والجاذبية لصالح الشكل الجديد للحكم.

نضجت الشروط الخارجية المفضية إلى مصالحة داخلية، وهو ما حدث في جدة في مارس/آذار من العام 1970. رحب نظام عبدالناصر بالمصالحة، فهو أيضا كان يعاني من آثار النكسة، ويحاول تجاوز ماضيه وأزماته.

صيغت المصالحة اليمنية بتلك الطريقة التي تصفى من خلالها الصراعات على مر التاريخ: وضع العبء واللوم على فاعل واحد ودمج باقي الفاعلين في كيان جديد. إذ قبلت السعودية احتضان أسرة "حميد الدين" ومنعها من العودة إلى اليمن، وجرى تشكيل نظام حكم جديد يدمج الملكيين المهزومين في قوامه ومؤسساته: البرلمان، مجلس القيادة، الحكومة، وغيرها.

لم تكن حقبة السبعينيات أكثر هدوءا. تشكلت الجغرافيا السياسية على نحو جديد: شمال جمهوري- قبلي تدعمه السعودية، وجنوب ماركسي يدعمه الاتحاد السوفياتي.

شهد ذلك العقد حربين شمالية- جنوبية (1972- 1979)، واغتيال ثلاثة رؤساء بين عامي (1977- 1978). كان عقدا عامرا بالاضطرابات والخوف، بدا فيه الاستقرار حلما بعيد المنال.

مع نهاية العقد آلت الأمور شمالا إلى علي عبدالله صالح، وجنوبا إلى عبدالفتاح إسماعيل. انتهى عقد السبعينيات بصالح يخوض حربا وجودية في وسط اليمن ضد الثوار القوميين- الماركسيين، وبعبدالفتاح إسماعيل طريدا في موسكو.

خاض الماركسيون، حكام الجنوب، صراعا داخليا. في البدء تخلصوا سلميا من عبدالفتاح إسماعيل، الماركسي الراديكالي، الذي ترك البلاد خلف ظهره وهاجر إلى موسكو. ثم آلت الأمور إلى علي ناصر محمد، الماركسي الرعوي.

لم تحمل السنوات الأولى من عقد الثمانينيات بشرى بالاستقرار من أي نوع. جنوبا نأى الماركسيون الراديكاليون عن علي ناصر محمد، ما جعله أكثر تشبثا بعشائره من أبين وشبوة، مشكلا بديلا رعويا عن الحزب، وهم من سيلقبهم أنصار عبدالفتاح إسماعيل بـ"الزمرة".

زعيم "الزمرة" وجد نفسه مضطرا لفتح خطوط اتصال مع قائد الشمال المتورط في حرب مع خصم غير مرئي أطلق على نفسه اسم "الجبهة الوطنية". التقى الرجلان في صنعاء وفي عواصم أخرى، وعملا معا على حل العقدة الخطيرة التي يواجهها نظام صالح في الشمال: الخلاص من الثوار الماركسيين الذين بسطوا نفوذهم على جبال وقرى وسط اليمن. وبالطبع فقد دارت الأحاديث عن إمكانية دمج الشطرين في المستقبل.

كان الثوار الماركسيون يحصلون على دعم مباشر من رفاقهم في الجنوب ومن ليبيا القذافي. تمكن مقاتلو الجبهة، من خلال حرب البراغيث، من بث الرعب في قلب نظام الحكم في صنعاء. فقد اشتعلت تلك الحرب بعد وقت قصير من تولي صالح مقاليد الأمور سنة 1978.

ربما ما كان لصالح أن يثبت أمامها لولا الدعم المسلح الذي حصل عليه من الإسلاميين، وما كان بوسعه أن ينهيها لولا تقاربه مع علي ناصر محمد. آنذاك شكل الإسلاميون منظومة عسكرية شعبية منحوها اسم الجبهة الإسلامية، بدعم مباشر من صالح والجيش، وخاضوا مواجهات دامية في أماكن لم يكن الجيش قادرا، ولا جاهزا، على الوصول إليها.

إعلان

بعد ذلك نعم اليمن الشمالي بهدوء نسبي تمكن فيه صالح من تعزيز سلطته ومشروعيته. وفي الجنوب، في العام 1985، عاد عبدالفتاح إسماعيل من موسكو ليقود الجناح الراديكالي في الحزب الاشتراكي الحاكم، الذي سيطلق عليه خصومه لقب الطغمة. انتهى التوتر بين الزمرة والطغمة بحرب شوارع مدمرة في يناير/كانون الثاني من العام 1986.

أنهت تلك الحرب حياة عبدالفتاح إسماعيل والحياة السياسية لعلي ناصر محمد، وبدت عدن للناظر من الأعلى في هيئة مدينة للأشباح. صار عبدالفتاح إسماعيل رابع رئيس يمني قتيل خلال ثمانية أعوام.

تسلم علي سالم البيض- الذي رحل في الأيام الماضية- مقاليد الجنوب. استطاع البيض، بالهدوء والحياد والدماثة، تحقيق سلام سياسي في جنوب اليمن، وتُركت مسألة السلام الاجتماعي للأيام.

بقيت الندوب وذكريات الدم، وبقي صراع "الزمرة" و"الطغمة" نائما تحت السطح رغم كل محاولات إصلاح ذات البين. في الأعوام الأحدث، بعد 2017، أعاد المجلس الانتقالي الجنوبي إنتاج تلك الذاكرة، وكان ممكنا رؤية جنوبَين في الجنوب.

قادت ظروف الثمانينيات الصعبة إلى الوحدة اليمنية في مايو/أيار 1990. كان الجنوبيون أكثر حماسا للوحدة من الشماليين، ولذلك أسباب أهمها: تفكك الاتحاد السوفياتي، العزلة الإقليمية، انهيار الأيديولوجية الراديكالية، انهيار شامل للمنظومة الاقتصادية، وتجربة الصراعات الداخلية.

نظر صالح إلى أعين شركائه القادمين من الجنوب فرآهم أشد ضعفا مما كانوا عليه قبل عقد من الزمان، أدركهم الوهن وعزلتهم الظروف الداخلية والخارجية. بالنسبة لرئيس براغماتي انتهازي، مثل صالح، كانت لحظة مناسبة للقضاء عليهم بدلا من مشاركتهم.

أخطر ما يمكن أن يحدث في السنوات العشر القادمة، هو ممارسة لعبة جديدة في أرض يسكنها 40 مليون نسمة

كان عقد التسعينيات أكثر الفصول لهبا في اليمن الحديث. في الثاني والعشرين من يونيو/حزيران 1990 أعلنت الوحدة اليمنية في ساعة نادرة من الفرح والكبرياء.

صارت الأرض أرضا واحدة وتجمع الشعب تحت راية واحدة. بعد شهرين فقط من تلك اللحظة اختار صالح الوقوف إلى جانب صدام حسين في معركته ضد الكويت والخليج. ذلك الموقف الانتهازي، بل الانتحاري، جعل اليمن المنهك يستقبل قرابة مليون عامل يمني جرى ترحيلهم من السعودية ودول خليجية أخرى. بعودتهم انهار واحد من أهم أعمدة الاقتصاد اليمني البدائي: اقتصاد الغربة.

بدلا عن النظر في الأزمة التي أحدثها صالح، ذهب الرجل بعيدا جدا. بين العامين 1990 و1993 اغتيل ما يزيد عن 150 شخصا من كوادر الحزب الاشتراكي اليمني من الصفين: الثاني والثالث، وتعرضت قيادات رفيعة من الصف الأول لمحاولات اغتيال. بدا واضحا أن صالح قرر تطهير الفضاء السياسي من الشركاء.

آلت الأمور بين شريكي الوحدة إلى حرب مدمرة جديدة بين ربيع وصيف 1994، انتصر فيها صالح ولفظت فيها الوحدة الوطنية، كما الاقتصاد، آخر الأنفاس. أنتج ذلك النصر واحدا من أعمق الجراح الوطنية حتى الآن: القضية الجنوبية.

أتيحت فرصة جديدة أمام الرئيس صالح لإعادة البناء وللتدبر في أربعة عقود من الصراع. لكنه لم يكن الرجل الذي يتدبر في الماضي، ولم يكن بالقائد الذي يعرف من أين تبنى البلدان.

كشف خطاب خطير، بتاريخ 1 يوليو/تموز، 1995، أرسله السياسي اليمني يحيى المتوكل إلى السياسي والشيخ القبلي مجاهد أبو شوارب تفاصيل اللعبة التالية للرئيس صالح. بحسب الخطاب فقد طلب صالح من المتوكل تأسيس تشكيل عسكري "زيدي" تكون مهمته مواجهة الوهابية في اليمن.

بحسب الخطاب فإن ذلك التشكيل سيحظي "بدعم كبير وغير محدود، وتسليح مفتوح يمكن هذه الجماعة من التفوق على الآخرين". ينهي المتوكل خطابه باعتراضه على الفكرة قائلا "لا أستطيع أن أخون ثورة 26 سبتمبر/أيلول التي أعتبر نفسي أحد رموزها، وأسأل الله أن يجنب اليمن المزيد من الحروب والأزمات".

إعلان

ما تخوف منه المتوكل، بخبرته العسكرية والسياسية، حدث: المزيد من الحروب والأزمات. رأى في فكرة صالح خيانة لثورة 26 سبتمبر/أيلول، وهو ما سيصبح واقعا بعد عشرين عاما من ذلك الخطاب، وسيخون صالح الثورة والجمهورية بعد أن خان كل رفاقه وشركائه واحدا تلو الآخر.

من المثير هنا الإشارة إلى أن صالح دشن تلك اللعبة الخطرة بعد عام واحد فقط من فراغه من حرب "صيف 1994".

المشروع الذي أسر به صالح إلى المتوكل في العام 1995 صار حقيقة عملية، وتأسست تلك الجماعة ذات الدعم الكبير وغير المحدود، وهي الآن تحكم شمال اليمن. لاعبها صالح مرارا، استخدمها وحاول توجيه معاركها، أرادها بندقية يقضي بها على شركائه وخصومه، معتقدا أن بمقدوره السيطرة على لعبة خطرة كتلك. أتت اللعبة تلك على أرواح عشرات الآلاف وعلى السلم الأهلي، كما أنهكت الجيش ودمرت روحه القتالية.

في العام 2009 انتهت الحرب السادسة بين الجيش اليمني وجماعة الحوثي. كانت جماعة الحوثي قد بلغ حجمها أضعاف ما كانت عليه في الحرب الأولى، 2004. وفي أجواء اللااستقرار التي خلقها الربيع العربي اجتاحت جماعة الحوثي، ذات الجاهزية والخبرة، القرى والبلدان، ثم المدن والحواضر. وجد فيها صالح، الذي تخلى عن السلطة في العام 2012 تحت ضغط المظاهرات، مرة أخرى وسيلة للانتقام.

انضمت تشكيلات عسكرية وقبلية واسعة، موالية صالح، إلى الحشود العسكرية الحوثية واجتاحت العاصمة. كاد الرئيس هادي، الذي وضع تحت الإقامة الإجبارية، أن يكون الرئيس اليمني القتيل رقم 5، لولا الظروف. عوضا عن ذلك أخذ علي عبدالله صالح نفسه الرقم 5 في العام 2017.

بين سقوط صنعاء في العام 2014 في قبضة الحوثيين والآن أكثر من عقد من الزمن، هو عقد التفكك والزلزلة الكبرى. فيه قتل الرئيس صالح وحدثت عاصفة الحزم، وهجر ملايين اليمنيين ومات مئات الآلاف، كما نشأت كيانات انفصالية، واختفى اليمن من الخارطة الجغرافية للعالم.

في هذا العقد خاضت بريطانيا وأمريكا وإسرائيل حربا ضد جماعة الحوثي، واشتبكت الإمارات والسعودية، الخليج وإيران، إيران وإسرائيل، وأطراف أخرى على الأراضي اليمنية.

كما فقد اليمن جزره وشواطئه واستقلاله، وانتشرت في مدنه فرق اغتيالات عابرة للحدود، وأسست إيران بنية عسكرية تحتية عملاقة، وعاد أبناء صالح وخلقوا دويلة على البحر لا يعرف لها أحد هوية.

انتهى العام 2025 بحرب خاطفة بين القوات الشرعية التي تدعمها السعودية وتشكيلات عسكرية تدعمها الإمارات، انتهت بانتصار الأولى وخروج الإمارات من الأراضي اليمنية. باتت البلاد مجددا على أعتاب حقبة جديدة، مفتوحة على كل الاحتمالات.

الآن تبدو أجواء فرصة جديدة لإعادة البناء بعد سبعة عقود من الأزمات والحروب، كبر خلالها الشعب اليمني وتجاوز الأربعين مليونا، بمعدل نمو يداني 4% سنويا. لا يمكن، أمام هذه الحقيقة الديمغرافية، سوى البحث عن سبيل للخروج الآمن والمستدام، وإسدال الستار على ندوب الماضي.

أما أخطر ما يمكن أن يحدث في السنوات العشر القادمة، فهو ممارسة لعبة جديدة في أرض يسكنها 40 مليون نسمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات عبدالفتاح إسماعیل علی ناصر محمد سبتمبر أیلول فی العام عقود من ما کان

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • أحمد خطاب يوقــع على عقـود تدريبه لغزل المحلة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • محافظ أسوان يوجه بمراجعة عقود المحلات وتحديث القيم الإيجارية وفقاً للأسعار الحالية
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  • قولوا ما شاء الله .. رد سابق لـ سهام جلال يعود للواجهة بعد رحيلها
  • أحمد الخميسي مستمر مع السيب.. وبهلا يجدد عقود أربعة لاعبين
  • اليمن.. مكتب النائب العام يختتم دورة تدريبية لمأموري الضبط القضائي بالهيئة العامة للبريد
  • ثورة في أرسنال.. بطل الدوري الإنجليزي يعرض سبعة من لاعبيه للبيع
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟