كيف أجهز طموح كير وتغييب مشار على حلم الاستقرار في جنوب السودان؟
تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT
مرت عشر سنوات ونيّف على ولادة أحدث دولة في العالم، لكنها لم تكن كافية لتضميد جراح لم تندمل أصلاً، فبينما كان مواطنو "جنوب السودان" ينتظرون قطاف ثمار "اتفاق السلام"، عادت ولاية جونقلي لتتصدر المشهد كساحة لتصفية الحسابات السياسية عبر فوهات البنادق.
ووفق متابعين للشأن الأفريقي لم يعد النزاع في "جنوب السودان: مجرد مناوشات عسكرية سرعان ما تتوقف، بل بات صراعاً يهدد باقتلاع جذور الدولة الناشئة؛ ما دفع البعض للتحذير من أن طموح القادة قد يتحول إلى نصلٍ يغتال حلم السيادة الوطني ويعيد البلاد إلى إنتاج مأساة عام 2013 بصورة أكثر دموية.
ومع تجدد القتال العنيف بين المتمردين والجيش حذَّر فريق من الخبراء المستقلين التابعين للأمم المتحدة، من وقوع عنف جماعي ضد المدنيين.
جونقلي.. مختبر الحسم العسكري
تحولت ولاية جونقلي الواقعة شمال العاصمة جوبا، إلى بؤرة الصراع، حيث أفادت بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جنوب السودان، بأن سكان الولاية يواجهون مخاطر حقيقة، إثر قيام قائد عسكري رفيع بالتحريض على ارتكاب أعمال عنف عشوائية ضد المدنيين.
وأفادت تقارير أن القتال العنيف تجدد في ولاية جونقلي، فيما قتل المئات ونزح الآلاف جراء المعارك المحتدمة والاستخدام العشوائي للبراميل المتفجرة.
وذكرت بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في "جنوب السودان" في بيان صحفي أن المجتمعات المحلية في ولاية جونقلي وأجزاء أخرى من "جنوب السودان" تعاني من أضرار جسيمة جراء تصاعد النزاع بما في ذلك المواجهات العسكرية المباشرة.
وقال غراهام مايتلاند، القائم بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان: "إن الخطاب التحريضي الذي يدعو إلى العنف ضد المدنيين، بمن فيهم الفئات الأكثر ضعفا، أمر بغيض للغاية ويجب أن يتوقف فورا".
كيف تجددت الحرب؟
بدأت التطورات الأخيرة حين أطلقت فصائل المعارضة المسلحة في دولة جنوب السودان دعوات لقواتها من أجل الزحف نحو جوبا، بينما أصدر قائد الجيش بول ماجوك نانغ، أوامره لقواته المنتشرة في المنطقة بسحق التمرد في غضون 7 أيام.
وبينما طالب "الجيش الشعبي لتحرير السودان" الأسبوع الماضي قواته بالزحف نحو جوبا، وذلك بعد أن استولى على بلدة باجوت التي تبعد أكثر من 300 كيلومتر إلى الشمال من العاصمة إثر قتال عنيف بشمال ولاية جونقلي، نقل عن قادة عسكريين قولهم إنه "يجب سحق المتمردين دون استثناء".
نزوح الآلاف
ومع اشتداد المعارك ذكرت تقارير أممية أن نحو 180 ألفا من 4 مقاطعات في ولاية جونقلي بدولة جنوب السودان نزحوا خلال الأيام الأخيرة.
ونقلت وسائل إعلام عن نازحين قولهم إن القتال كان عنيفا في مقاطعة دوك، بعدما سيطرت قوات المعارضة على المنطقة قبل أن تجبرها القوات الحكومية على الانسحاب.
وأكدت التقارير أن القوات التابعة للحكومة في جوبا، شنت هجمات عشوائية مستخدمة براميل متفجرة ضد المدنيين الذين تَعُدهم معادين لها، وأمرتهم بمغادرة المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.
وصدرت تهديدات من الجانبين (الجيش والمتمردين) للسكان ما دفع كثيرين للنزوح إلى مناطق أكثر أمنا، فيما تستمر الأطراف في حشدها العسكري ما ينذر بمزيد من التصعيد.
"تحريض خطير"
وقال غراهام مايتلاند، القائم بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان في بيان نشرته الأمم المتحدة عبر موقعها الالكتروني: "إن الخطاب التحريضي الذي يدعو إلى العنف ضد المدنيين، بمن فيهم الفئات الأكثر ضعفا، أمر بغيض للغاية ويجب أن يتوقف فورا".
وأشارت البعثة إلى أن قادة جنوب السودان يواصلون التأكيد على التزامهم بالسلام، إلا أن الأعمال العدائية وانتهاكات وقف إطلاق النار مستمرة بلا هوادة.
وحثت البعثة القادة على وضع مصالح شعبهم في المقام الأول من خلال وقف القتال والوفاء بالتزاماتهم بموجب اتفاق السلام.
وقال مايتلاند إن ذلك "يشمل العودة إلى اتخاذ القرارات القائمة على التوافق، والالتزام بترتيبات تقاسم السلطة، والاتفاق على مسار لإنهاء الفترة الانتقالية سلميا من خلال حوار شامل".
ووفق الأمم المتحدة يدفع الصراع في جنوب السودان عدة عوامل منها العنف المجتمعي بين المجموعات القبلية وداخلها والذي تشارك فيه ميليشيات محلية وجماعات دفاع مدني، وأعمال عدائية بين الأطراف المتحاربة والجماعات المسلحة الأخرى بما في ذلك الاستقطاب العرقي وتوترات سياسية بين الحزب الحاكم والمعارضة.
وتشهد "جنوب السودان" منذ آذار/ مارس الماضي توترًا متصاعدا عقب اعتقال الزعيم المعارض ريك مشار، والذي وجهت له تهم بينها القتل والخيانة وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، على خلفية هجمات تقول حكومة جوبا مليشيات شنتها شمال شرق البلاد بأوامر من مشار.
وخاض كير ومشار حربا بعد الاستقلال عن السودان، وأودت بحياة 400 ألف شخص. وأرسى اتفاق تقاسم السلطة الذي أُبرم عام 2018 سلاما دام سنوات، لكن بنوده بشأن إجراء انتخابات ودمج قوات الطرفين ظلت حبرا على ورق.
وتثير أحدث الاشتباكات بين الرئيس سلفا كير وزعيم المعارضة ريك مشار مخاوف من انزلاق متجدد إلى حرب أهلية شبيهة بتلك التي خاضها الطرفان عقب الانفصال عن السودان عام 2011.
هدنة لالتقاط الأنفاس
ويرى متابعون للشأن الأفريقي أن ما يحدث في ولاية "جونقلي" يعكس أزمة الهوية والسيادة التي تنهش جسد جنوب السودان منذ ولادته، إذ أن الإصرار على لغة السحق العسكري وتغييب الشراكة السياسية لصالح الطموح الفردي، يضع البلاد أمام حقيقة مريرة، وهي أن "اتفاق السلام" الموقع عام 2018 قد تحول إلى مجرد هدنة هشة، استغلتها الأطراف لالتقاط الأنفاس.
ويبقى التساؤل قائماً: هل ستعرف الأيام القادمة تقديم تنازلات من جميع الأطراف لتهدئة الوضع أم أن الحرب ستسمر، ويستمر معها النزوح والتشرد، ورائحة البارود وأنين المشردين.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية السودان جنوب السودان جوبا السودان جنوب السودان جوبا المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة بعثة الأمم المتحدة فی جنوب السودان ضد المدنیین فی ولایة
إقرأ أيضاً:
دراسة: الاحتلال دمّر البنية التحتية بغزة لإنتاج بيئة موت مستدامة
غزة - صفا
أكدت دراسة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية دراسة تحليلية جديدة للباحث أحمد أبو كميل، أن الاحتلال تعمد خلال حرب الابادة بغزة، انتاج بيئة موت مستدامة.
وجاءت الدراسة بعنوان: "هندسة الإبادة في قطاع غزة: آليات إنتاج بيئة الموت المستدام – قراءة موثقة في تدمير شروط الحياة".
وتناولت الدراسة بالأرقام والبيانات الموثقة تجاوز الحرب نطاق العمليات العسكرية المباشرة لتستهدف مقومات الحياة الأساسية للسكان.
وأوضحت الدراسة أن التدمير الواسع الذي طال قطاعات المياه والكهرباء والصحة والإسكان والتعليم والغذاء يشكل نمطاً متراكماً يهدف لإنتاج بيئة تجعل استمرار الحياة أكثر صعوبة، مستندة في ذلك إلى بيانات صادرة عن الأمم المتحدة، والبنك الدولي، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى وثائق قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
واستعرضت الأبعاد القانونية لمفهوم "هندسة الإبادة" والعلاقة بين تدمير البنية التحتية وتدهور شروط الحياة، مؤكدة أثر ذلك على الأمن الغذائي والصحة العامة والبيئة والتعليم والحالة النفسية والاجتماعية.
وأوصت الدراسة المؤسسات الدولية والحقوقية بتوثيق الآثار طويلة المدى، وتعزيز المساءلة القانونية، وربط إعادة الإعمار بمعالجة التداعيات الإنسانية والبيئية المستمرة.