دعوات للمعالجة.. ما واقع الجرائم الأسرية في اليمن؟
تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT
دعا خبراء إلى وضع معالجات عاجلة تخفف من تنامي الجرائم الأسرية، بعد أن سجلت عدد من المحافظات تزايدا في تلك الجرائم خلال السنوات الاخيرة، وهو ما بات -وفق اختصاصين- يتجاوز كونه مشكلة وحوادث عارضة إلى ما يشبه الظاهرة في بعض المناطق اليمنية.
غياب الإحصاءاتوفي ظل حالة الانقسام الأمني والإداري الحاصل في اليمن يصعب الحصول على إحصاءات دقيقة للجرائم الجنائية خصوصا ما يتعلق بالعنف العائلي والأسري.
وكل ما يتوفر عبارة عن إحصاءات جزئية لمنظمات وجهات تعتمد على رصد الأخبار والأحداث المتداولة، وفي هذا السياق قالت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات إن النصف الأول من العام الماضي 2025 شهد 123 حالة قتل وأكثر من 45 حالة إصابة نتيجة جرائم أسرية، وذلك في 14 منطقة ومحافظة يمنية، أغلبها حدثت في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين.
وعبّرت الشبكة، في تقرير صدر عنها منتصف أغسطس/آب الماضي، عن قلقها من ارتفاع نسبة جرائم القتل العائلية، ووصفت ذلك بأنه "مؤشر مقلق يهدد النسيج الاجتماعي لليمن".
وفي جولة بحث عابرة عن جرائم القتل العائلي التي حدثت خلال السنوات الأخيرة في اليمن، ستبرز لك عناوين مؤسفة تعكس هول ما أحدثته الحرب وتداعياتها الكارثية في المجتمع اليمني.
فقد امتدت سلسلة من حوادث القتل العائلي في عدد من المناطق، من بينها الحداء ومدينة الشرق في ذمار، وصنعاء، وعمران، وبني قيس في حجة، إضافة إلى مديرية مذيخرة ومنطقة السحول في إب، وصولًا إلى محافظة الضالع، وتعكس هذه الوقائع انتشار التوترات والخلافات داخل الأسر في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها البلد.
وأمام هذه الجرائم التي يخشى خبراء تفاقمها في المجتمع اليمني لأسباب عديدة، منها ما تلخصها الدكتورة نجاة خليل أستاذة علم النفس الاجتماعي بجامعة صنعاء وتعيدها إلى "الأزمات الاقتصادية والحروب وغياب الدولة وسلطة القانون".
وتضيف، في تصريح للجزيرة نت، "كل هذه الأسباب تنعكس على حياة الأسر والأفراد بشكل ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية ونحو ذلك من انهيار للقيم والمعايير الاجتماعية" لينتج عن ذلك "زيادة الجريمة داخل الأسرة وعلى رأسها القتل الذي أعتبره أشد وأقسى أشكال العنف الأسري".
إعلانوغير بعيد عن ذلك، ترى المختصة في التوجيه الأسري والدعم النفسي سبأ المأربي أن أبرز أسباب العنف والجريمة الأسرية تتلخص في "طول أمد الحرب وتأثر الناس بها وبثقافة العنف التي اعتادها بعضهم كمنهج وثقافة نتيجة الاحتكاك والمعايشة، حتى أصبح العنف سلوكا مألوفا وصار السلاح بمختلف أنواعه جزءا من شخصية الجاني".
وتضيف، في تصريح للجزيرة نت، "بالتالي فإن الجاني يتطبّع بثقافة العنف والحرب فتسقط لديه الحواجز النفسية وكذلك الأخلاقية، فيكون من السهل عليه ارتكاب جريمة حتى ضد أقرب الناس إليه".
فمن الطبيعي أن ترى أن غالبية الجناة والمتهمين على ذمة الجرائم العائلية مقاتلون سابقون أو مرتبطون بثقافة الحرب والسلاح ويفتقرون للنوازع العاطفية والتربوية والأخلاقية التي قد تحول دون العنف، حسب قولها.
وبالإضافة إلى ما سبق، يؤكد البعض أن غياب الوازع الديني يلعب دورا في تفكك الروابط الأسرية وسقوط منظومة القيم، مما سهّل انتشار العنف والجرائم الوحشية كالقتل والتعنيف داخل محيط الأسرة.
كما يبرز بين تلك الأسباب، انتشار السلاح المنفلت الذي يؤدي إلى تفاقم جرائم العنف الأسري وتحويل الخلافات المنزلية إلى مآسٍ دموية، مما يرفع نسب القتل والتهديد داخل الأسر.
وعما إذا كان هذا النوع من الجرائم يمثل مشكلة أم ظاهرة تقول الدكتورة نجاة "هي مشكلة ومشكلة كبيرة طالما تضرر منها حتى شخص واحد أو أسرة واحدة، وتعتبر ظاهرة إذا تكررت وتوسع انتشارها سواء من الشخص مرتكب الجريمة أو قام بها أشخاص آخرون"، وبالتالي فإن "تكرار الفعل هو الذي يجعلها ظاهرة".
على العكس منها، ترى الخبيرة الأسرية سبأ المأربي أن الأمر لا يرقى ليكون ظاهرة، بل هي مشاكل لها أسبابها ودوافعها، كما أنها تبقى حوادث دخيلة وقليلة مقارنة بحجم سكان اليمن، ونظرا كذلك لطبيعة حدوثها النادرة.
الحلول المطلوبةبالنسبة للحلول المطلوبة والممكنة، تقول الدكتورة نجاة "حلها في المجتمع اليمني يكون بإحلال السلام وتوفر الأمن والاستقرار في البلد، إضافة لتحسين الأوضاع الاقتصادية، وبالتالي المعيشية".
وشددت على ضرورة تجريم العنف الأسري مهما كان شكله وأيًا كان مرتكبه، مؤكدة على أهمية "نشر الوعي بين الناس في كيفية التعامل مع المشاكل الأسرية ومع الضغوط الحياتية وكيفية التخفيف منها".
وخلصت إلى أن "التنشئة الاجتماعية السليمة القائمة على القيم والأخلاق واحترام الآخر، إضافة للتوعية بكيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل إيجابي"، من شأنها التخفيف من هذه الجرائم وربما الحد منها.
ومن جهتها، ترى سبأ المأربي أن الحلول نسبية نظرا للواقع الذي فرضته ظروف الحرب والانقسام، وربطت الحلول بطبيعة الوضع في كل منطقة، "فالمحافظة التي توجد فيها سلطة قضاء رادع، وشرطة قوية، وجهاز نيابة حازم تقل فيها الجرائم، والعكس يحدث حين لا يتوفر ذلك" حسب قولها.
ورغم اختلاف التفسيرات وتعدد الأسباب، تبدو الجرائم الأسرية في اليمن كمرآة مكسورة تعكس وجها قاسيا لمجتمع أنهكته الحرب والأزمات.
إعلانوما بين تفكك القيم وغياب الردع، تتسع الفجوة التي تتسرب منها المآسي إلى البيوت بلا استئذان. وما لم تُستعد الطمأنينة الأولى، سيظل الخوف ضيفا ثقيلا على الأسرة اليمنية، يطرق الأبواب.
تحدٍّ واسعوحسب عدد من التقارير، فإن جرائم العنف الأسري تظل تحديا جسيما يمتد عبر مختلف الدول حتى الأوروبية والغربية، متجاوزا الحدود الثقافية والاقتصادية.
ففي دول مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، تسجل السلطات سنويا مئات الآلاف من الحالات، ورغم القوانين الصارمة، تؤكد الإحصائيات أن العنف المنزلي يمثل أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان شيوعا في الغرب، مما يدفع الحكومات لتعزيز خطوط الاستغاثة ومراكز مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات العنف الأسری فی الیمن
إقرأ أيضاً:
توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
أكدت الحقوقية مونا توكا، أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.
وترى توكا، في تصريحات صحفية، أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها.
وأضافت أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.
وتابعت أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.
وقالت توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.
وواصلت حديثها: “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.