"قلق الوجود وأسئلة المصير".. قراءة فلسفية في مشروع نجيب محفوظ الروائي بمعرض الكتاب
تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT
في إطار فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، شهدت القاعة الرئيسية ببلازا (1)، ضمن محور «شخصية المعرض: نجيب محفوظ»، انعقاد ندوة فكرية بعنوان «قلق الوجود وأسئلة المصير.. الأسئلة الفلسفية في مشروع نجيب محفوظ الروائي».
. رمضان 2026 أول تعليق من أشرف عبد الباقي عن مسرحية عائلة الشماشرجي: مبسوط جدا فرقة بورسعيد للموسيقى العربية تتألق بمعرض القاهرة الدولي للكتاب "التمثيلية" .. إسلام جمال في مواجهة لغز داخل شركة إعلانات غدًا عرض فيلم «المهاجرون.. رحلة حياة» بنادي سينما أوبرا الإسكندرية شعراء الأدب البدوي ينشدون الذاكرة والهوية في مؤتمر أدباء البادية المصرية بمعرض الكتاب قصور الثقافة تصطحب أطفال حي "أهالينا" في جولة تثقيفية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب الليلة.. الثقافة تحتفل بذكرى أعياد الشرطة المصرية في الطور وشرم الشيخ ندوة لاتحاد كتاب مصر بمخيم «أهلنا وناسنا» ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب
شارك في الندوة كل من: الدكتور بهاء درويش، أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب جامعة المنيا، والدكتور سامح الطنطاوي، أستاذ الفلسفة وعلم الجمال بكلية الآداب جامعة العاصمة، والدكتور صلاح السروي، أستاذ الأدب المقارن بجامعة العاصمة، وأدار الندوة الدكتور أشرف منصور، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة الإسكندرية.
وفي مستهل الندوة، رحب الدكتور أشرف منصور بالحضور، وأثنى على اهتمام الجمهور بالفكر والفلسفة، مؤكدًا أن الندوة تأتي في توقيت بالغ الأهمية، لما تمثله تجربة نجيب محفوظ من تداخل فريد بين الفلسفة والسرد الروائي.
وأوضح منصور أن نجيب محفوظ يُعد حالة نادرة في الأدب العربي، كونه خريج قسم الفلسفة، وبدأ مسيرته الفكرية بكتابة مقالات فلسفية اتسمت بالاحترافية، قبل أن يتجه إلى الرواية، مشيرًا إلى أن محفوظ لم يكن مجرد أديب مطلع على الفلسفة، بل باحثًا حقيقيًا استطاع تسريب رؤاه الفلسفية داخل النسيج السردي دون مباشرة أو افتعال.
وأضاف أن محفوظ ظهر في مرحلة شهد فيها العالم ازدهار التيارات الفلسفية خلال القرن العشرين، حيث خرجت الفلسفة من الإطار الأكاديمي إلى الشارع، وتداخلت مع الأدب والفنون، مؤكدًا أن محفوظ لم يكن يسعى إلى تمرير أفكار فلسفية بعينها، بقدر ما كان يعكس أسئلة الإنسان الوجودية داخل رواياته.
ومن جانبه، قال الدكتور بهاء درويش إن الأسئلة الفلسفية تسكن وعي الإنسان منذ لحظة تكوّنه الأولى، وهي أسئلة فطرية يعبر عنها البشر في حياتهم اليومية، موضحًا أن الأديب بطبيعته يُجسّد هذه الأسئلة من خلال شخصياته وأحداثه الروائية.
وأشار إلى أن أدب نجيب محفوظ ظل حيًا ومتجددًا لأنه نابع من بيئة أصيلة، لافتًا إلى أن المرحلة الوجودية في أعماله تجلت بوضوح في أربع روايات رئيسية، من بينها «اللص والكلاب»، التي عبرت عن فكرة الاغتراب والبحث عن الذات، وتحميل الفرد مسؤولية اختياراته حتى النهاية.
وأضاف درويش أن رواية «الطريق»، التي تُرجمت إلى الإنجليزية بعنوان «البحث»، عكست بعمق رحلة البحث عن السكينة والطمأنينة بعد فقدان الأم، بينما جسّدت رواية «الشحاذ» فكرة أن الاغتراب لا يرتبط بالفقر المادي، إذ امتلك بطل الرواية كل متع الحياة، ومع ذلك عانى فراغًا وجوديًا قاتلًا.
كما أوضح أن العبث والاغتراب بديا واضحين في رواية «ثرثرة فوق النيل»، التي رأى بعض النقاد أنها تنبأت بهزيمة عام 1967، مؤكدًا أن هذه الأسئلة الفلسفية هي السر الحقيقي في خلود أعمال نجيب محفوظ.
وفي مداخلة جانبية، تطرق درويش إلى قضية الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن فكرة إفناء الإنسان، من منظور ديني وعلمي، تظل غير منطقية، متسائلًا: «إذا قضى الذكاء الاصطناعي على البشر، فماذا سيفعل بعد ذلك؟».
وبدوره، أكد الدكتور صلاح السروي أن الندوة تكتسب أهميتها الاستثنائية، ليس فقط لكونها تناقش قامة أدبية بحجم نجيب محفوظ، بل لأنها تفتح ملف العلاقة الشائكة والدائمة بين الأدب والفلسفة، مشيرًا إلى أن الأدب تشكيل جمالي مادته اللغة، وأن قضية الجمال ظلت محورًا أساسيًا في التفكير الفلسفي منذ نشأته.
وأوضح السروي أن الفلسفة تقوم على ثلاثة مداخل رئيسية: الوجود، والمعرفة، والقيم، وأن الأدب يُعد جزءًا فكريًا من البناء الفلسفي، لافتًا إلى وجود علاقة وثيقة ومتبادلة بين المجالين، حيث عبر بعض الفلاسفة عن أفكارهم عبر الأدب، بينما قدّم نجيب محفوظ رؤى فلسفية عميقة من خلال الرواية.
وأشار إلى أن نجيب محفوظ هو ابن ثورة 1919، ولا يمكن فهم مشروعه الإبداعي بمعزل عن الزمن الاجتماعي والسياسي الذي عاشه، مؤكدًا أن محفوظ كان كاتبًا نقديًا بامتياز، لم يعبر يومًا عن رضا كامل تجاه واقعه، بل ظل يقلب الأفكار ويدير الحوار بين التيارات الفكرية المختلفة داخل أعماله.
وأضاف أن عظمة محفوظ تعود إلى عنصرين أساسيين: ارتباطه العميق بواقعه المحلي، وقدرته على الاشتباك مع المتغيرات العالمية الكبرى، سواء الفكرية أو الحضارية، فضلًا عن استلهامه للتاريخ المصري القديم في أعماله الأولى، مثل: «عبث الأقدار»، و«رادوبيس»، و«كفاح طيبة».
واختتم الدكتور سامح الطنطاوي الندوة، مثمنًا إسهامات المشاركين، ومشيرًا إلى أن شعار المعرض «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا» يلخص فلسفة نجيب محفوظ، الذي آمن بأن القراءة تمنح الإنسان أعمارًا إضافية.
وأكد الطنطاوي أن نجيب محفوظ هو الأديب العربي الأكثر حضورًا في الثقافات الأجنبية، لأن مشروعه انطلق من خلفية فلسفية عميقة، وتجسد في «الحارة المصرية» بوصفها رمزًا للإنسان البسيط، والفوارق الطبقية، وصراعات القوة والضعف.
وأضاف أن محفوظ قدم المجتمع المصري للعالم من خلال رواية فلسفية بامتياز، لا يمكن فهمها أو الإحاطة بها إلا بقراءة أعماله كاملة، مختتمًا بقوله: «عند نجيب محفوظ، ينتصر المكتوب على الشخص ذاته».
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: نجيب محفوظ معرض القاهرة الدولي للكتاب فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب الوفد القاهرة الدولی للکتاب نجیب محفوظ مؤکد ا أن أن محفوظ ا إلى أن
إقرأ أيضاً:
لماذا الغدير؟ قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
في كل عام، ومع حلول الثامن عشر من ذي الحجة، يتجدد حضور مناسبة الغدير في الوجدان الشعبي والإيماني لقطاع واسع من أبناء اليمن، بوصفها مناسبة ذات امتدادات دينية وتاريخية وثقافية عميقة. ومع كل موسم احتفاء، يبرز سؤال يتكرر على ألسنة البعض: لماذا الاحتفال بالغدير بعد مرور قرون طويلة على وقوعه؟ وما الذي يجعل هذه المناسبة حاضرة بقوة في الواقع المعاصر؟
هذا السؤال لا يقتصر على كونه استفساراً تاريخياً، بل يتجاوز ذلك إلى مناقشة طبيعة العلاقة بين الأمة وذاكرتها الدينية، وبين الحاضر والجذور الفكرية التي تشكل هويتها الحضارية والإيمانية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الغدير.. استحضار للهوية وليس استدعاءً للماضي
تنطلق الرؤية المطروحة من اعتبار أن الاحتفاء بالغدير ليس حدثاً طارئاً أو ممارسة مستحدثة، وإنما يمثل امتداداً لتراث اجتماعي وثقافي متجذر في اليمن منذ أجيال طويلة، حيث عرف اليمنيون هذه المناسبة وأحيوا ذكراها تحت مسميات شعبية مختلفة، من أبرزها “يوم النشور”، في دلالة على عمق حضورها في الوعي الجمعي، ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بالغدير لا يُنظر إليه باعتباره استدعاءً لحدث تاريخي منقطع الصلة بالواقع، بل باعتباره استحضاراً لمعانٍ وقيم ومبادئ ما تزال حاضرة ومؤثرة في حياة الأمة، تماماً كما تستحضر الشعوب محطات تاريخها الكبرى وأحداثها المؤسسة لهويتها.
إشكالية الانتقائية في قراءة التاريخ
تثير الرؤية تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التعاطي مع التاريخ الإسلامي، إذ تشير إلى وجود حالة من الانتقائية في قبول بعض الأحداث ورفض أخرى، فإذا كان الحديث عن الغزوات الإسلامية الكبرى، أو عن مراحل الدول الأموية والعباسية والعثمانية، أمراً طبيعياً ومقبولاً في المجال الثقافي والفكري، فلماذا يصبح الحديث عن واقعة الغدير أو فضائل أهل البيت محل اعتراض أو تشكيك؟، هذا التساؤل يكشف عن جدل أعمق يتعلق بمعايير قراءة التاريخ الإسلامي، وما إذا كانت تخضع لموازين علمية موضوعية أم لتأثيرات مذهبية وسياسية تراكمت عبر القرون.
الغدير امتداد طبيعي لسيرة حجة الوداع
من أبرز الأفكار التي تطرحها هذه الرؤية أن حادثة الغدير لا يمكن فصلها عن سياق حجة الوداع نفسها، فالمسلمون يتحدثون باستفاضة عن مناسك الحج وخطبة عرفات وأحداث الرحلة النبوية الأخيرة، باعتبارها جزءاً من السيرة النبوية الشريفة، وبالتالي فإن تناول ما جرى في غدير خم يُعد امتداداً طبيعياً لذلك التسلسل التاريخي، وليس حدثاً منفصلاً أو طارئاً على السردية الإسلامية، وبحسب هذا المنظور، فإن واقعة الغدير تمثل محطة من محطات الرسالة المحمدية التي تستحق الدراسة والبحث والفهم شأنها شأن بقية الأحداث الكبرى المرتبطة بالسيرة النبوية.
البعد القرآني لمفهوم الولاية
تؤكد الرؤية أن أهمية الغدير لا تنبع من الحدث التاريخي فحسب، بل من ارتباطه بجملة من الآيات القرآنية التي تستدعي التأمل في مفاهيم الإمامة والولاية والطاعة والاقتداء، وتطرح تساؤلات فكرية حول دلالات عدد من الآيات التي تتناول مفهوم الولاية وأولي الأمر والإمامة والقيادة الإيمانية، معتبرة أن فهم هذه النصوص يشكل جزءاً من مسؤولية المسلم في تدبر القرآن الكريم واستيعاب معانيه، وفي هذا السياق، يُقدَّم الغدير بوصفه مناسبة لإعادة قراءة تلك المفاهيم القرآنية واستحضار مضامينها في الواقع العملي للأمة.
الولاية كمنظومة قيم لا كشعار عاطفي
من أهم الدلالات التي يبرزها الخطاب المرتبط بالغدير أن الولاية ليست مجرد شعار يُرفع أو مناسبة تُحتفل بها، بل منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة، فالاقتداء بالإمام علي عليه السلام، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على إعلان المحبة أو إحياء الذكرى، وإنما يتمثل في استلهام قيم العدالة والزهد والعلم والشجاعة والنزاهة والتضحية التي جسدها في حياته،
ومن هنا تتحول المناسبة من حدث احتفالي إلى محطة تربوية وأخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان المؤمن الواعي والقادر على حمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية.
الغدير وتصحيح مفاهيم الولاء والانتماء
في ظل واقع تتداخل فيه الانتماءات الحزبية والمذهبية والمصالح الضيقة، تطرح مناسبة الغدير رؤية مختلفة لمفهوم الولاء، فالموالاة، بحسب هذا الفهم، لا ينبغي أن تقوم على العصبيات أو الانتماءات الضيقة، وإنما على معيار الحق والعدل والقيم الإيمانية، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن تتسع فيه الانقسامات وتتصاعد فيه النزاعات الفكرية والسياسية، حيث يُقدَّم نموذج الإمام علي عليه السلام باعتباره نموذجاً للقيادة المرتبطة بالمبادئ لا بالمصالح.
البعد الثقافي والاجتماعي للغدير في اليمن
لا يمكن فصل الاحتفاء بالغدير عن خصوصيته اليمنية، إذ تمثل المناسبة جزءاً من الموروث الثقافي والديني لشرائح واسعة من المجتمع اليمني، وتتحول فعاليات الغدير في كثير من المناطق إلى مساحة لتعزيز الروابط الاجتماعية، وإحياء قيم التكافل والتراحم وصلة الأرحام، إلى جانب دورها في ترسيخ الوعي الديني والثقافي، كما تعكس المشاركة الشعبية الواسعة في هذه المناسبة حالة من الارتباط الوجداني بالرموز الإسلامية الجامعة التي تمثل جزءاً من الهوية التاريخية للمجتمع اليمني.
بين الذاكرة والواقع
تكشف الرؤية المطروحة أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحتفل بالغدير؟، بل ربما يكون السؤال الأعمق: كيف يمكن للأمة أن تحافظ على ذاكرتها الدينية والتاريخية وأن تستفيد من دروسها في بناء حاضرها ومستقبلها؟، فالأمم لا تعيش بلا ذاكرة، والمجتمعات التي تفقد صلتها برموزها وقيمها المؤسسة تصبح أكثر عرضة للتيه الفكري والتشظي الثقافي، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار معاني القيادة الصالحة والارتباط بالقرآن الكريم والاقتداء بالقيم التي جسدها الإمام علي عليه السلام، بما يسهم في تعزيز الوعي والبصيرة وترسيخ الهوية الإيمانية للأمة.
ختاما ..
يبقى الغدير أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ فهو محطة لاستحضار معاني الولاء للحق والاقتداء بالنموذج الإسلامي الأصيل، وفرصة لتجديد الصلة بالقيم القرآنية والنبوية التي شكلت أساس الرسالة الإسلامية، وبغض النظر عن اختلاف القراءات والاجتهادات حول بعض تفاصيله التاريخية أو العقدية، فإن المناسبة تظل حاضرة في الوعي الشعبي والثقافي بوصفها جزءاً من التراث الإسلامي الذي يستدعي الدراسة والفهم والحوار الهادئ، بعيداً عن التعصب والانغلاق، وصولاً إلى ترسيخ ثقافة المعرفة والبصيرة والوعي.