صدى البلد:
2026-06-03@03:16:03 GMT

أحمد عاطف آدم يكتب: توازن الرحمة والأمان في الشارع

تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT

بات التعامل مع ملف تزايد أعداد الحيوانات الضالة في الشارع ضرورة تفرضها مقتضيات الواقع المعاصر، وهو ما تجسد مؤخراً في التوجهات الحكومية لبلورة استراتيجية شاملة تنهي حالة العشوائية في هذا الملف. إن التحرك نحو وضع ركائز مؤسسية لمعالجة هذه الظاهرة ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو استجابة لمطلب مجتمعي ملح، يهدف إلى صياغة معادلة دقيقة تجمع بين تأمين الشارع المصري وبين المنهج الحضاري القائم على الرفق بالحيوان.

​وتنطلق دوافع هذه الخطوة من حقائق علمية تحذر من أن التكاثر غير المنضبط لتلك الكائنات يمثل معضلة بيئية وصحية تتجاوز حدود الإزعاج؛ فالمجموعات التي تفتقر للرعاية البيطرية تتحول إلى بؤر لنقل الأمراض المشتركة، وفي مقدمتها داء "السعار" الفتاك في حالة عقر الحيوان للإنسان. كما أن الانفجار العددي في غياب آليات التحكم يرفع من وتيرة السلوك العدائي للحيوان نتيجة التنافس على الغذاء، مما يهدد السكينة العامة داخل الأحياء المأهولة.

​ولا يتوقف أثر هذه القضية عند التجمعات السكنية، بل يمتد ليطال قطاعات حيوية كالسياحة، خاصة في المناطق الأثرية المفتوحة والمقاصد الصحراوية؛ إذ إن وجود مجموعات غير محصنة بمحيط المعالم التاريخية يربك انسيابية حركة الزوار، وقد يخلق انطباعات سلبية تخدش الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري. لذا، فإن فرض الرقابة الصحية على تلك النطاقات يعد إجراءً حتمياً لصون هيبة التراث وضمان سلامة الوافدين.

​وفي هذا الإطار، تأتي الأرقام التنفيذية لعام 2025 كخطوة عملية نحو الحل؛ إذ شملت تحصين قرابة 121 ألف حيوان وتعقيم آلاف أخرى، وهو مسار يعتمد المعايير العالمية الأنجح لتقليص الأعداد تدريجياً. وبجانب ذلك، يبرز التوجه نحو تدشين مراكز إيواء نموذجية خارج الكتل السكانية، مع توفير لوجستيات نقل آمنة تضمن كرامة الكائن الحي وتؤمن المحيط المجتمعي، بعيداً عن الحلول التقليدية غير المجدية.

​ختاماً، فإنني أرى أن استثمار هذه الأزمة يتطلب آفاقاً تتجاوز مجرد الاحتواء الأمني أو البيطري؛ فمن منظور استراتيجي، يمكننا تحويل هذا العبء إلى قيمة مضافة عبر فتح قنوات تعاون مع المؤسسات البحثية الدولية لتبادل السلالات المطلوبة لأغراض البحث العلمي وفق أقصى ضوابط الرفق العالمية.

​وأخيراً، فإن "أنسنة الحل" تعد من وجهة نظري هي جوهر الحل، عبر تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني لتقود تحولاً ثقافياً لا يتوقف عند حدود الشعارات؛ إذ أتطلع إلى رؤية حملات توعوية مكثفة تجوب المدارس، ومراكز الشباب، وقصور الثقافة في القرى والمدن، بحيث يكون الهدف من وراء هذه الندوات هو تكريس مفهوم فن "التعايش الآمن" من خلال احترام وجود الحيوان في الشارع وعدم استفزازه أو مضايقته، ليكون بمثابة الضمان الأمثل لعدم تقويض جهود الدولة. فما الفائدة من تطعيم وتعقيم الحيوان إذا كنا سندفعه بسلوكنا العدواني إلى استعادة غريزة الدفاع عن النفس؟ إن استدامة الحل تبدأ من جيل يقدر توازنات البيئة ويحترم حق الروح؛ فرقي الأوطان ـ في تقديري ـ لا يقاس فقط بحزم الإجراءات، بل بقدرة المجتمع على حماية ما أنجزته الدولة من خلال وعي شعبي يحفظ النفس ويصون الروح بمسؤولية واتزان.

طباعة شارك الحيوانات الضالة الواقع المعاصر العشوائية

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الحيوانات الضالة الواقع المعاصر العشوائية

إقرأ أيضاً:

وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد

لأول مرة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحول الخط الساخن بين واشنطن وتل أبيب إلى ساحة مواجهة مفتوحة وصلت لحد الشتائم.

بحسب تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية، انفجر ترامب غاضبًا في وجه بنيامين نتنياهو بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان.

ووصل الأمر إلى الشتائم وتبادل عبارات غير مسبوقة بين رجلين لطالما قُدِّما باعتبارهما أقرب حليفين سياسيين في العالم الغربي.

الوغد المجنون

وفق ما هو منشور فقد قال ترامب لنتنياهو: لولا وجودي لكنتَ في السجن الآن، أيها الوغد ناكر الجميل".

ترامب قال لنتنياهو أيضا: "أنا من ينقذك..الجميع يكرهك الآن، والجميع يكره إسرائيل بسبب ذلك".

كما وصف ترامب نتنياهو بأنه "مجنون".

قد تكون بعض تفاصيل المكالمة محل جدل، لكن الأهم من الألفاظ نفسها هو ما تكشفه الواقعة:

التحالف الذي بدا لسنوات صلبًا بين ترامب ونتنياهو لم يعد كما كان.

فكيف وصلت العلاقة إلى هذه النقطة؟

تحالف المصالح

لم تكن العلاقة بين ترامب ونتنياهو مجرد علاقة بين رئيس أمريكي ورئيس وزراء إسرائيلي.

فترامب ونتنياهو ينتميان إلى المدرسة السياسية نفسها تقريبًا:
مدرسة الزعيم الشعبوي الذي يبني شرعيته على الخوف، ويقدم نفسه باعتباره المنقذ الوحيد للأمة، ويحول السياسة إلى معركة دائمة بين "نحن" و"هم".

كلاهما استخدم القومية كسلاح انتخابي.

وكلاهما قدم نفسه باعتباره ضحية لمؤامرات النخب والقضاء والإعلام.

وكلاهما وجد في الحروب والأزمات وسيلة لتعزيز موقعه السياسي.

لهذا لم يكن تحالفهما يومًا قائمًا على القيم المشتركة بقدر ما كان قائمًا على المصالح المشتركة.


خلال ولاية ترامب الأولى، حصل نتنياهو على ما لم يحصل عليه أي زعيم إسرائيلي من قبل.

اعترفت واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونُقلت السفارة الأمريكية إليها، واعترفت الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، كما رعت الاتفاقيات الإبراهيمية التي اعتبرها نتنياهو إنجازًا استراتيجيًا غير مسبوق.

في المقابل، وفر نتنياهو لترامب صورة الزعيم الأمريكي الذي يعيد تشكيل الشرق الأوسط ويقف بلا تردد إلى جانب إسرائيل.

كان كل منهما بحاجة إلى الآخر.

الصهيونية المسيحية.. الرابط الأعمق

العلاقة لم تكن شخصية فقط.

وراء ترامب تقف واحدة من أكبر الكتل الانتخابية في الولايات المتحدة: 
الإنجيليون المحافظون أو ما يعرف بالصهيونية المسيحية.

هذه الحركة لا تدعم إسرائيل لأسباب سياسية فحسب، بل لأسباب دينية وعقائدية أيضًا.

يعتقد كثير من أتباعها أن قيام إسرائيل وسيطرتها على القدس جزء من نبوءات توراتية مرتبطة بعودة المسيح ونهاية الزمان.

لهذا السبب أصبحت إسرائيل قضية داخلية أمريكية بقدر ما هي قضية خارجية.

وبالنسبة لترامب، فإن دعم إسرائيل كان وسيلة للحفاظ على ولاء ملايين الناخبين الإنجيليين الذين يمثلون إحدى أهم قواعده الانتخابية.

أما بالنسبة لنتنياهو، فقد أدرك مبكرًا أن الطريق إلى واشنطن لم يعد يمر فقط عبر المؤسسات الأمريكية التقليدية، بل أيضًا عبر الكنائس الإنجيلية المحافظة وقواعد الحزب الجمهوري.

هكذا نشأ تحالف بين اليمين الإسرائيلي والقومية المسيحية الأمريكية، تحالف تجاوز المصالح الاستراتيجية إلى مستوى الرؤية الأيديولوجية المشتركة.

لماذا يتشاجران الآن؟

الإجابة تكمن في حقيقة مجردة:
المصالح لم تعد متطابقة كما كانت.

ترامب يريد تسجيل إنجاز تاريخي يتمثل في التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران وإنهاء واحدة من أخطر الأزمات في الشرق الأوسط.

أما نتنياهو، فيرى أن أي اتفاق مع إيران يمنحها وقتًا ومساحة لإعادة بناء قوتها.

لذلك ينظر الطرفان إلى الملف نفسه من زاويتين مختلفتين.

بالنسبة لترامب، التصعيد الإسرائيلي في لبنان أو أي مواجهة إقليمية واسعة قد يؤدي إلى نسف المفاوضات مع إيران بالكامل.

أما بالنسبة لنتنياهو، فإن الضغط العسكري المستمر هو الوسيلة الوحيدة لمنع إيران من تعزيز نفوذها الإقليمي.

لهذا السبب لم يكن غضب ترامب من لبنان وحده، بل من احتمال أن يؤدي السلوك الإسرائيلي إلى إفشال مشروعه السياسي الأكبر في المنطقة.

الانتخابات تصنع السياسة

هناك عامل آخر لا يقل أهمية.

كلا الرجلين يتحرك وهو ينظر إلى صندوق الاقتراع.

ترامب يدرك أن الناخب الأمريكي سئم الحروب الخارجية الطويلة، وأن أي انزلاق أمريكي إلى مواجهة جديدة في الشرق الأوسط قد يضر بشعبيته.

لذلك يحاول تقديم نفسه باعتباره الرجل الذي يوقف الحروب لا الذي يبدأها.

في المقابل، يواجه نتنياهو ضغوطًا داخلية غير مسبوقة.

المعارضة تتهمه بالفشل الأمني، وخصومه يتهمونه بالتبعية لواشنطن، بينما يضغط عليه اليمين المتشدد لإظهار مزيد من الحزم العسكري.

ومن هنا تبدو المفارقة واضحة:

ترامب يريد التهدئة ليكسب الانتخابات.

ونتنياهو يحتاج إلى التصعيد كي لا يخسرها.

نهاية شهر العسل

ربما تكون “مكالمة الأوغاد” مجرد لحظة غضب عابرة، أو خلاف مفاجئ بين حليفين تاريخيين.

وقطعا ما حدث ليس نهاية التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، بل تصادم بين مرحلتين.

عندما كانت أهداف ترامب ونتنياهو متطابقة، بدا الرجلان وكأنهما يتحدثان بصوت واحد.

وعندما بدأت الحسابات الانتخابية والاستراتيجية تتباعد، ظهرت الخلافات ومعاها الشتائم.

حاليا، ترامب يريد شرق أوسط أكثر هدوءًا يسمح له بلعب دور "رجل الصفقات صانع سلام"، من أجل أولوياته الداخلية ومعاركه الانتخابية.

أما نتنياهو فيواجه واقعًا مختلفًا تمامًا.

فكلما اقتربت الانتخابات أو اشتدت الضغوط الداخلية، ازدادت حاجته إلى خطاب التهديدات والمعارك المفتوحة واستدعاء المخاطر الوجودية التي أتقن توظيفها طوال عقود.

هنا بدأ التصادم.. وكلمة السر "تضارب المصالح"


في واشنطن الطريق إلى صندوق الاقتراع يمر عبر التهدئة، بينما الطريق إلى البقاء السياسي في تل أبيب ما زال يمر عبر التصعيد.

لهذا فإن ما جرى كان مواجهة بين مشروعين شعبويين خرجا من المدرسة نفسها، ثم اكتشفا أن مصالحهما لم تعد تسير في نفس الاتجاه.

وحين تتعارض المصالح، تصبح الشتائم.. أسرع من المجاملات.

طباعة شارك دونالد ترامب البيت الأبيض واشنطن تل أبيب

مقالات مشابهة

  • مصطفى الفقي: صعود الصين يحقق «توازن الرعب».. وسُمعة إسرائيل بلغت مستوى غير مسبوق من التراجع|فيديو
  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • حرية النباح!
  • ماذا قال له الرسول؟.. خالد الجندي يوضح تعامل النبي مع رجل شكا له سوء تصرف خادمه
  • خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام
  • ملف المهاجرين يشعل جدلًا واسعًا في الشارع الليبي
  • الترهوني: الإدارة الأمريكية تراهن على الفريق صدام حفتر لدفع الحلّ في ليبيا
  • هل من تحركات موسعة في الشارع؟