الثورة نت:
2026-06-02@22:05:39 GMT

مجلس سلام على جماجم الضحايا

تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT

مجلس سلام على جماجم الضحايا

 

 

عندما يتولى راعي الإبادة الجماعية في غزة رئاسة مجلس السلام المزعوم، ويمنح منفذيها عضوية الشرف، ندرك أننا أمام حقيقة أنّ المعتوه ترامب قد شرع في تفكيك النظام الدولي الذي أُسس بعد الحرب العالمية الثانية، ليبني عالمًا جديدًا يُدار بالإرهاب لا بالقانون، وبالابتزاز لا بالقواعد والمؤسسات، وأضحى العالم -أو ما تبقى من واجهته الزائفة- يتجه نحو نظام دولي تقوده مراكز قرار ضيقة، مع تراجع دور الأمم المتحدة، وظهور هذا المجلس كمرجعيةٍ فوق دولية.


يُعرض مجلس ترامب للسلام اليوم بوصفه نواة لنظام عالمي جديد يكون بديلاً للمنظومة الدولية التي يُرى أنها قد استُهلكت وفات عهدها، ويبدو أنّ العداء للمؤسسات الدولية، ومنها المحكمة الجنائية، يتوافق مع توجهات استراتيجية أمريكية تشكك في جدوى النظام القائم، وقد بدأ منطق القوة يحل محل القانون، ويدفع كثيرًا من الدول إلى التكيف مع هذا المسار الجديد حفاظًا على مصالحها.
في مشهدٍ يقف فيه التاريخ عن تسطير صفحاته حياءً وخجلا، يُعلن ترامب عن مجلسه للسلام، مجلسٌ يتقدمه الداعم والمؤيد السياسي والعسكري لحرب الإبادة، ويشغل عضويته منفذ الإبادة ذاته، في واقعةٍ لا تجرّم السياسة وحدها، وإنّما تقتلع فكرة الإنسانية من أصولها.
فأيُّ سلامٍ هذا الذي يُشاد على أنقاض غزة؟ وأيُّ مجلسٍ هذا الذي ينعقد والأجساد لم تُنتشل، والأطفال لم يُواروا الثرى بعد، والمنازل لا تزال تشتعل نارًا؟ إنّه ليس بمجلس سلام؛ بل محكمة منكوسة، يجلس فيها الجلاد قاضيًا، ويُستحضر فيها الضحية شاهدًا يُرتاب في صدقه.
معادلةٌ فاسدةٌ، أنّ تأتي أمريكا راعيًا سياسيًا، ممولًا، ومانحًا للحصانة الدولية للإبادة، وكيانُ الاحتلالِ الصهيونيُّ الغاصبُ، منفذٌ مباشرٌ، وحاملٌ لآلةِ القتلِ التي لم تتوقف لحظةً عن العمل؛ بينما غزةُ غائبةٌ عن المائدةِ، حاضرةٌ في المقابرِ والمعاناةِ، ثم يُطلب من العالم أنّ يُصفق، ومن الإعلام أنّ يُجمّل، ومن الضحية أنّ تصمت باسم الواقعية السياسية.
ما يُطرح ليس إنهاءً للحرب، وإنّما إدارةٌ لنتائجها؛ إذ لا حديثَ عن المحاسبةِ، ولا ذكرَ للعدالةِ، ولا اعترافَ بالجريمةِ؛ فقط إعادةُ إعمارٍ بلا كرامةٍ، وهدنةٌ بلا حقوقٍ، وسلامٌ يُشترط فيه نزعُ سلاحِ الضحيةِ لا كفُّ يدِ القاتلِ، وبعبارةٍ أدقَّ، هذا المجلسُ أُسس لإدارةِ ما بعد المجازرِ وجرائمِ الإبادةِ.
ليس هذا فحسب؛ فإنّ يكون المجرم نتنياهو عضوًا في هذا المجلس؛ فتلك هي الفضيحة الأخلاقية العظمى، وذلك وحده كافٍ لإسقاط كل دعوى أخلاقية، ولكن أنّ يُقدَّم ذلك للعالم على أنّه حلٌ تاريخي؟ فهنا نحن لا نتكلم عن نفاق أو عجز عالمي؛ بل عن إهانةٍ جماعية للعقل البشري.
حتى الحيوان يدرك من افترسه، والشجر يعرف من قطعه وأحرقه، والحجر في غزة لا يزال يحتفظ بحرارة دم أصحابه، أمّا هذا المجلس؛ فيريد للحجر أنّ ينسى، وللشجر أنّ يصافح القنابل الذكية، وللضحية أنّ تشكر قاتلها على فرصة السلام التي منحها تفضلاً ومنّة لا غير.
الخلاصة التي يأبى القوم سماعها: لا سلام بلا عدالة، ولا مجلس يُدار بأيدي المجرمين السفاحين المحتلين، ولا مستقبل يُشاد على إنكار الإبادة؛ فكل سلام لا يُبتدأ بإدانة الجريمة ومحاسبة مرتكبيها؛ فهو مشروع حرب مؤجلة، وكل صمت عنه؛ فهو مشاركة في الدم، وغزة ليست بندًا تفاوضيًا، هي ميزان أخلاقي، ومن يسقط عندها، يسقط في صحائف التاريخ، مهما علت مراتبه وكثرت مجالسه.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • عفو ومصالحة في «بني محمديات».. أسر الضحايا تستجيب لدعوة شيخ الأزهر
  • عفو ومصالحة في بني محمديات.. أسر الضحايا تستجيب لدعوة شيخ الأزهر بإنهاء الخصومة الثأرية
  • مجلس الوزراء الكويتي يدين الاعتداءات الإيرانية على الكويت والتصعيد الإسرائيلي في لبنان
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • العراق يرفع صادرات النفط إلى 770 ألف برميل يوميا عبر الأنابيب ويوقع اتفاقا مع سوريا
  • بحضور الرئيس بول كاغامي.. ماكرون يدشّن نصبا تذكاريا تكريما لضحايا إبادة التوتسي في رواندا
  • الحكومة الفلسطينية تناقش مشروع قانون حق الحصول على المعلومات
  • مجلس العلاقات الدولية يرحّب بإدراج "إسرائيل" على القائمة السوداء للعنف الجنسي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • مجلس الجمعيات الأهلية: أعمال جمع التبرعات وصرفها تخضع لمنظومة رقابية وتشريعية دقيقة