«حكمت المحكمة».. شهادة من داخل العدالة في ندوة بمعرض القاهرة للكتاب
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
شهدت قاعة المؤتمرات بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، ندوة موسّعة لمناقشة كتاب «حكمت المحكمة» للمستشار بهاء المري، أدارها الدكتور مدحت عيسى، وسط حضور لافت من المثقفين والمهتمين بالشأنين القانوني والأدبي، حيث فتحت الندوة نقاشًا واسعًا حول مفهوم «الأدب القضائي»، وحدود العلاقة بين الواقع والدراما، وإشكاليات تمثيل العدالة في الأعمال الفنية.
في مستهل الندوة، أكد الدكتور مدحت عيسى أن كتاب «حكمت المحكمة» لا يقدّم مجرد وقائع قانونية، وإنما يفتح نافذة إنسانية على كواليس العمل القضائي، مشيرًا إلى أن مثل هذه الأعمال نادرة في المكتبة العربية، خصوصًا تلك التي تُكتب من داخل المؤسسة القضائية نفسها، وبعين شاهد لا متخيل.
وقال مدحت عيسى إن الأدب القضائي، سواء في الرواية أو اليوميات أو الشهادات، يُعد إضافة مهمة للوعي العام، لأنه يشرح كيف يُطبّق القانون في الواقع، وكيف تتحول النصوص الجامدة إلى قرارات تمس مصائر البشر، موضحًا أن الإشكالية الكبرى تكمن في أن الدراما غالبًا ما تبتعد عن هذا الواقع، وتستبدله بصور نمطية أو مبالغات.
من جانبه، تحدث المستشار بهاء المري بإسهاب عن فكرة الكتاب، مؤكدًا أن «حكمت المحكمة» ليس محاولة لتجميل صورة القضاء أو تقديم القاضي كبطل خارق، بل هو تسجيل أمين ليوميات العمل، بما تحمله من ضغط نفسي، وتعقيدات إنسانية، ومسؤولية ثقيلة عند الفصل في قضايا قد تنتهي بالإعدام أو السجن المؤبد.
وأوضح المري أن تطبيق العدالة لا يتم في فراغ، وإنما داخل منظومة كاملة من القوانين والإجراءات والأدلة، مشيرًا إلى أن القاضي لا يحكم وفق انطباعات شخصية، بل وفق ما هو ثابت في الأوراق، وما يُعرض داخل قاعة المحكمة، مهما كانت القناعات الشخصية أو التعاطف الإنساني.
وتطرق المري إلى ندرة الأعمال التي تناولت القضاء المصري من زاوية واقعية معاصرة، مشيرًا إلى أن معظم ما قُدِّم دراميًا كان إما بعيدًا عن الحقيقة أو مستندًا إلى خيال لا يمت للمحاكم بصلة. وكشف خلال حديثه عن تواصله في وقت سابق مع الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى، الذي عبّر له عن رغبته في وجود عمل درامي حقيقي قائم على «يوميات وكيل نيابة» أو «يوميات قاضٍ»، وليس أعمالًا متخيلة أو تاريخية.
وأشار المستشار بهاء المري إلى أن الواقع القضائي المصري مليء بقصص تفوق الخيال الدرامي، لافتًا إلى أن كل دائرة جنايات تشهد يوميًا قضايا شديدة الخطورة، من تهديد وابتزاز ونشر صور وفيديوهات وانتهاك للخصوصية، مؤكدًا أن بعض الوقائع التي تبدو بسيطة في ظاهرها تحمل في طياتها أبعادًا إنسانية وقانونية معقدة.
وضرب المري أمثلة من واقع عمله، موضحًا كيف يمكن لقضية أن تبدأ باعترافات واضحة، ثم تنقلب تمامًا داخل المحكمة، بسبب خلل في الإجراءات أو عدم قانونية الاعتراف، مؤكدًا أن الاعتراف لا يكون حجة إلا إذا تم أمام القاضي وبالضمانات القانونية الكاملة، وهو ما لا يدركه كثيرون خارج الوسط القانوني.
وأضاف أن بعض القضايا قد تتحول من حكم بالإعدام إلى السجن لسنوات، أو العكس، بناءً على تفاصيل دقيقة لا يلتفت إليها الرأي العام، مشيرًا إلى أن العدالة ليست انتقامًا، وإنما التزام صارم بالقانون، حتى وإن بدا الحكم قاسيًا أو مخيبًا لتوقعات المجتمع.
وتناول المري دور الجهات المعاونة للقضاء، مثل الأطباء الشرعيين وخبراء المعامل الجنائية وسكرتارية المحاكم، مؤكدًا أن العدالة هي «عمل جماعي» لا يقوم به القاضي وحده، وإنما منظومة كاملة، داعيًا إلى أن تكون هذه الفئات جزءًا من المعالجة الأدبية والدرامية مستقبلًا، لما تمتلكه من حكايات وتجارب إنسانية شديدة الثراء.
وفي هذا السياق، طُرح تساؤل حول إمكانية تقديم أعمال درامية عن الأطباء الشرعيين أو خبراء المحاكم، وهو ما اعتبره المري أمرًا واردًا ومهمًا، شريطة الالتزام بالدقة وعدم تشويه الواقع، مؤكدًا أن الكاتب الحقيقي يجب أن يقترب من المهنة التي يكتب عنها، وأن يسمع لأصحابها، لا أن يكتفي بالخيال.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: معرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة معرض القاهرة الدولي للكتاب ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 مشیر ا إلى أن حکمت المحکمة مؤکد ا أن
إقرأ أيضاً:
ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
في الذكرى السادسة لاغتيال المصور الحربي نبيل القعيطي، تعود القضية إلى دائرة الضوء من جديد وسط استمرار غياب نتائج قضائية معلنة، وتزايد الدعوات المطالِبة بإعادة فتح ملف الاغتيال وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة قادرة على كشف ملابسات الحادثة وتحديد المسؤولين عنها، في وقت لا تزال فيه قضايا استهداف الصحفيين في اليمن تُصنَّف ضمن الملفات العالقة التي لم تصل إلى العدالة النهائية وفق تقارير حقوقية دولية.
واغتال مسلحون مجهولون المصور الحربي القعيطي، في الثاني من يونيو من العام 2020، حيث نصب المسلحين كمينًا للمصور فور خروجه من منزل في مديرية دارسعد، شمال العاصمة عدن، حيث فتح المهاجمين النار على المصور ما أسفر عن مقتله على الفور، وتمكن الجناة من الفرار.
وتشير منظمات معنية بحرية الصحافة إلى أن اليمن يُعد من أخطر البيئات على الصحفيين خلال سنوات الصراع، مع استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب في عدد من القضايا المرتبطة بعمليات اغتيال أو استهداف إعلاميين، وهو ما يعزز المطالب المحلية والدولية بضرورة فتح تحقيقات شفافة ومستقلة لضمان عدم طي مثل هذه الملفات دون محاسبة.
وأكدت أسرة الشهيد أن مرور ست سنوات على اغتيال القعيطي لا يعني بأي حال انتهاء القضية أو سقوط الحق القانوني والأخلاقي في ملاحقتها، بل يمثل—بحسب تعبيرها—دافعًا إضافيًا لإعادة فتح الملف بشكل جاد. وشددت الأسرة على أن غياب أي إعلان رسمي يوضح نتائج التحقيقات السابقة يثير تساؤلات مستمرة حول مسار القضية وأسباب تعثرها.
وقال فتحي القعيطي، شقيق الشهيد، إن الأسرة لا تزال متمسكة بمطلبها الأساسي المتمثل في كشف الحقيقة كاملة دون انتقائية، مؤكدًا أن العدالة لا تتحقق إلا عبر إجراءات شفافة تؤدي إلى محاسبة كل من يثبت تورطه أو تقصيره في الوصول إلى الجناة.
وناشدت الأسرة القائد أبو زرعة المحرمي، والفريق الركن محمود الصبيحي، ومحافظ العاصمة المؤقتة عدن، التدخل لتشكيل لجنة أمنية مستقلة ومحايدة تتولى إعادة فتح التحقيق، ومراجعة الإجراءات السابقة، والعمل على تتبع أي خيوط قد تقود إلى كشف الجريمة.
كما طالبت الأسرة بمساءلة الجهات التي كانت ضمن مسار التحقيق أو أشرفت عليه في مراحل سابقة، معتبرة أن تعطيل الوصول إلى نتائج واضحة أو إغلاق الملف دون محاكمة يمثل خللًا خطيرًا في مسار العدالة.
واستحضر صحفيون وإعلاميون المسيرة المهنية لـنبيل القعيطي، مؤكدين أنه كان أحد أبرز المصورين الحربيين الذين وثقوا أحداث الحرب والصراع في العاصمة عدن ومناطق أخرى، عبر تغطيات ميدانية من خطوط تماس وأماكن شديدة الخطورة.
ويرى إعلاميون أن اغتياله لم يكن حدثًا فرديًا معزولًا، بل جزءًا من سلسلة استهداف طالت صحفيين خلال سنوات الحرب، ما انعكس على بيئة العمل الإعلامي ورفع منسوب المخاطر التي يواجهها العاملون في المجال الصحفي أثناء تغطية الأحداث الميدانية.
وتؤكد تقارير دولية أن استهداف الصحفيين في مناطق النزاع غالبًا ما يرتبط بغياب المساءلة، وهو ما يؤدي إلى ترسيخ حالة الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الانتهاكات بحق الإعلاميين.
وقال الصحفي صالح حقروص إن القعيطي كان شاهدًا ميدانيًا على مرحلة حساسة من تاريخ الجنوب، مشيرًا إلى أن استمرار قضايا اغتيال الصحفيين دون محاسبة يشكل تهديدًا مباشرًا لحرية الصحافة، ويضعف ثقة المجتمع في قدرة العدالة على إنصاف الضحايا.
من جانبه، أكد الإعلامي محمد باحميل أن القعيطي سيبقى رمزًا للصحافة الحرة، موضحًا أن إرثه المصور لا يزال حاضرًا في الذاكرة الإعلامية باعتباره وثيقة بصرية لمرحلة معقدة من الصراع.
أما الصحفي فتاح المحرمي، فاعتبر أن قضية القعيطي لا تزال تمثل اختبارًا حقيقيًا لمفهوم العدالة، مشددًا على أن إنصافه لا يقتصر على أسرته، بل يشمل المجتمع ككل باعتبار أن استهداف الصحفيين يمس الحق العام في المعرفة وحرية الوصول إلى المعلومات.
وتجدد ذكرى اغتيال نبيل القعيطي كل عام نقاشًا واسعًا حول ملف الإفلات من العقاب في قضايا استهداف الصحفيين في اليمن، وسط دعوات متكررة لفتح تحقيقات شفافة ومستقلة، وإعادة الاعتبار للضحايا، وضمان عدم تحول هذه القضايا إلى ملفات مغلقة دون نتائج.
ويرى مراقبون أن استمرار غياب العدالة في مثل هذه القضايا لا يقتصر أثره على أسر الضحايا فحسب، بل ينعكس على كامل المشهد الإعلامي، ويحد من قدرة الصحفيين على أداء مهامهم بحرية وأمان.