الجزيرة:
2026-06-02@20:18:28 GMT

اللحام البارد في الفضاء.. حين تندمج المعادن بلا نار

تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT

اللحام البارد في الفضاء.. حين تندمج المعادن بلا نار

اعتاد الإنسان ربط فكرة اللحام بالنار والحرارة العالية والشرر المتطاير، إلا أن الفيزياء في الفضاء تخالف هذا التصور تماما. ففي الفراغ شبه التام خارج الغلاف الجوي للأرض، يمكن لقطعتين من المعدن نفسه أن تلتحما دون حرارة، ودون أدوات.

هذه الظاهرة، المعروفة باسم "اللحام البارد"، ليست خيالا علميا، بل حقيقة موثقة شكلت تحديا حقيقيا لهندسة الفضاء منذ بدايات عصر الأقمار الصناعية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2تلسكوب جيمس ويب يكشف عن خريطة جديدة لتوزيع المادة المظلمة في الكونlist 2 of 2سباق المليارديرات إلى الفضاء.. كيف أعادت "سبيس إكس" و"بلو أوريجين" رسم خريطة عصر الفضاء الجديد؟end of list

فعلى سطح الأرض تبدو المعادن صلبة ونظيفة، لكنها في الحقيقة مغطاة دائما بطبقة رقيقة جدا من الأكاسيد والملوثات الجوية. هذه الطبقة، على ضآلتها، تؤدي دورا حاسما في منع الذرات المعدنية من الاقتراب الكافي لتكوين روابط مباشرة.

أما في الفضاء، حيث يغيب الأكسجين والهواء والغازات، فإن الأسطح المعدنية -خاصة إذا كانت مصقولة أو تعرضت لاحتكاك- تصبح شبه عارية على المستوى الذري، وعندما يلتقي سطحان نظيفان من المعدن نفسه في هذا الفراغ، لا تعود هناك حدود واضحة تفصل بين القطعتين؛ فتتشكل روابط معدنية مباشرة تجعل السطحين يتصرفان بصفتهما جسما واحدا.

التحام معدن الغاليوم النقي مع بعضه التحاما باردا (من قناة ذا أكشن لاب على اليوتيوب)الفيزياء الدقيقة.. السر وراء الظاهرة

لا يحدث اللحام البارد بسبب انصهار المعدن، بل نتيجة تكون روابط ذرية في الحالة الصلبة. فعندما تتلامس الأسطح المعدنية النظيفة تحت ضغط ميكانيكي -حتى لو كان ضعيفا نسبيا- تصبح المسافة بين الذرات صغيرة بما يكفي لبدء التفاعل.

في هذه المرحلة لا "تعرف" الذرات أنها تنتمي إلى قطعتين منفصلتين، فتنتظم في شبكة بلورية مشتركة، وأحيانا يكون هذا الالتحام قويا إلى درجة أن محاولة فصل القطعتين تؤدي إلى تمزق المعدن نفسه بدل انفصال السطحين.

من المهم هنا تصحيح تصور خاطئ، وهو أن اللحام البارد لا يحدث تلقائيا مع أي تلامس معدني في الفضاء، فهو يتطلب شروطا محددة، مثل نعومة السطح ونظافته ونوع المعدن ووجود ضغط أو تماس مستمر. لذلك فهو خطر محتمل وليس مصيرا حتميا.

إعلان

مع ازدياد تعقيد المركبات الفضائية، بدأت آثار اللحام البارد تظهر عمليا. أحد أشهر الأمثلة التاريخية هو ما واجهته مركبة غاليليو التي أرسلتها وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" إلى كوكب المشتري في أوائل التسعينيات. فبعد وصولها إلى الفضاء، فشل الهوائي عالي الكسب في الانفتاح الكامل، وهو ما اضطر المهندسين إلى الاعتماد على هوائي احتياطي أضعف بكثير.

لاحقا أشارت تحليلات هندسية إلى أن الاحتكاك الطويل بين أجزاء معدنية في بيئة الفراغ، إلى جانب الاهتزازات أثناء الإطلاق، قد ساهم في التصاق بعض العناصر الميكانيكية.

لم تكن هذه الحادثة استثناء، فالأجزاء المتحركة مثل المفاصل والتروس وآليات الطي والنشر، كلها عرضة لخطر الالتصاق غير المقصود، وبما أن أي فشل ميكانيكي في الفضاء قد يعني نهاية مهمة كلفت مليارات الدولارات، أصبح اللحام البارد مصدر قلق دائم لمهندسي الفضاء.

صورة تخيلية لرائد فضاء أثناء "طيرانه" خارج مركبة فضائية (شترستوك)من خطر يجب تجنبه إلى أداة محتملة

المثير للاهتمام أن النظرة إلى اللحام البارد بدأت تتغير في السنوات الأخيرة، فبدل اعتباره خطرا فقط، بدأت وكالات الفضاء بدراسة إمكانية استغلاله، فعلى متن محطة الفضاء الدولية، أجريت تجارب بحثية لاختبار استخدام اللحام البارد في إصلاح الهياكل المعدنية من الداخل، خصوصا في حالات الثقوب الصغيرة الناتجة عن الحطام الفضائي الدقيق.

الفكرة تقوم على الاستفادة من قدرة المعادن على الاندماج في الفراغ لإجراء إصلاحات موضعية دون الحاجة إلى معدات لحام تقليدية أو درجات حرارة عالية.

كيف يواجه المهندسون الظاهرة اليوم؟

للحد من مخاطر اللحام البارد، يعتمد المهندسون على حلول ذكية، منها استخدام معادن مختلفة في الأجزاء المتلامسة، وتطبيق طلاءات خاصة تعزل الأسطح، واستخدام مواد تشحيم صلبة مصممة خصيصا للعمل في الفراغ. كما تُصمم بعض الأسطح بخشونة مدروسة عمدا، لأن النعومة الزائدة تزيد من احتمال الالتحام الذري.

اللحام البارد يذكرنا بأن الفضاء ليس مجرد فراغ هادئ، بل هو بيئة فيزيائية مختلفة جذريا عن الأرض، إذ تتصرف فيه المواد بطرق غير مألوفة.

وبينما شكل هذا السلوك خطرا على المهام الفضائية في الماضي، فإنه اليوم يفتح بابا لأفكار هندسية جديدة قد تجعل المركبات الفضائية أكثر قدرة على التكيف والبقاء.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فضاء فی الفضاء

إقرأ أيضاً:

فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئية

حقق تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي إنجازا علميا جديدا، بعدما تمكن للمرة الأولى من رصد غاز الميثان بشكل مباشر في الغلاف الجوي لكوكب غازي عملاق يتمتع بدرجات حرارة معتدلة نسبيا خارج المجموعة الشمسية، في اكتشاف يفتح آفاقًا واسعة لفهم نشأة الكواكب وتطور أغلفتها الجوية.

اصطدام واحد يشعل الكارثة.. متلازمة كيسلر تهدد مستقبل البشرية في الفضاء| إيه الحكايةأسرار تتحدى العلم.. ظواهر كونية حيرت العلماء وكشفت غرابة الفضاءالقمر يتحول إلى سوق عالمي.. اقتصاد فضائي يغير العالم| إيه الحكايةلغز جديد يهز الفضاء.. ظاهرة كونية حصرية للأرض تحدث على المريخ | ما الذي رصده مافن ؟نيازك من صنع الإنسان.. حطام الفضاء يتحول إلى تهديد يقترب من سكان الأرضرسائل من نجوم منفجرة.. جليد أنتاركتيكا يكشف سرا دفنه الفضاء منذ آلاف السنيناكتشاف علمي على بعد 335 سنة ضوئية

ووفقًا لدراسة حديثة نُشرت في مجلة The Astronomical Journal، نجح فريق دولي من العلماء في الكشف عن وجود الميثان في الغلاف الجوي للكوكب المعروف باسم "TOI-199b"، والذي يقع على مسافة تقارب 335 سنة ضوئية من الأرض.

ويُصنف هذا العالم البعيد ضمن فئة العمالقة الغازية، إذ تبلغ كتلته نحو 17% من كتلة كوكب المشتري، بينما يصل نصف قطره إلى نحو 81% من نصف قطر أكبر كواكب المجموعة الشمسية.

ويكمل الكوكب دورة كاملة حول نجمه الشبيه بالشمس كل 105 أيام تقريبًا.

كوكب عملاق بحرارة معتدلة

ما يميز "TOI-199b" عن العديد من الكواكب الغازية المكتشفة سابقًا هو موقعه المداري؛ فهو لا يدور بالقرب الشديد من نجمه كما هو الحال في الكثير من العمالقة الغازية المعروفة، الأمر الذي يمنحه مناخًا أكثر اعتدالًا.

وتُقدر درجة حرارة غلافه الجوي بنحو 79 درجة مئوية، وهي حرارة منخفضة نسبيًا مقارنة بالحرارة الشديدة التي تسجلها كواكب غازية أخرى تدور بالقرب من نجومها.

كيف كشف "جيمس ويب" عن الميثان؟

اعتمد العلماء على تقنية "التحليل الطيفي العابر"، حيث راقب تلسكوب "جيمس ويب" مرور الكوكب أمام نجمه.

وخلال هذه العملية يتم تحليل الضوء النجمي الذي يخترق الغلاف الجوي للكوكب، ما يسمح بتحديد العناصر والمركبات الكيميائية الموجودة فيه.

وأظهرت النتائج وجود بصمة واضحة لغاز الميثان، وهو اكتشاف يتوافق مع النماذج النظرية التي توقعت وجود هذا الغاز في الأغلفة الجوية للكواكب الغازية ذات الحرارة المعتدلة.

تأكيد لنظريات تشكل الكواكب

يمثل "TOI-199b" أول كوكب غازي عملاق معتدل الحرارة يتم فيه تأكيد وجود الميثان بشكل مباشر، وهو ما يمنح العلماء دليلًا مهمًا يدعم النماذج الحالية الخاصة بتكوين الكواكب وتطور أغلفتها الجوية.

كما كشفت البيانات الأولية عن مؤشرات لاحتمال وجود مركبات أخرى، من بينها ثاني أكسيد الكربون والأمونيا، إلا أن العلماء يؤكدون الحاجة إلى المزيد من عمليات الرصد للتحقق من تركيز هذه الغازات بدقة.

وأشار الباحثون إلى أن دراسة التركيب الكيميائي لهذا الكوكب ستساعد في تحسين فهم العمليات الفيزيائية والكيميائية التي شكلت الكواكب عبر تاريخ الكون، وربما تسهم أيضًا في إلقاء الضوء على المراحل المبكرة التي مرت بها الأرض قبل مليارات السنين.

نافذة جديدة لاستكشاف العوالم البعيدة

يرى العلماء أن هذا الإنجاز يعزز من أهمية تلسكوب "جيمس ويب" باعتباره الأداة الأكثر تطورًا لدراسة الكواكب الخارجية، كما يمنح المجتمع العلمي ثقة أكبر في توجيه المزيد من وقت الرصد نحو عوالم مشابهة.

ويُعد الميثان أحد أهم الجزيئات المستخدمة في دراسة الأغلفة الجوية للكواكب، لأنه يكشف الكثير عن طبيعة التفاعلات الكيميائية والظروف الفيزيائية السائدة فيها.

ورغم أن العلماء سبق لهم رصد الميثان في كواكب خارجية أخرى، فإن "TOI-199b" يُمثل أول مثال مؤكد لكوكب غازي عملاق معتدل الحرارة يحتوي على هذا الغاز، ما يفتح الباب أمام سلسلة من الاكتشافات المستقبلية التي قد تعيد تشكيل فهمنا لتنوع الكواكب المنتشرة في مجرة درب التبانة.

طباعة شارك تلسكوب جيمس ويب تلسكوب جيمس ويب الفضائي غاز الميثان الغلاف الجوي للكوكب المعروف باسم TOI 199b كوكب المشتري المجموعة الشمسية التحليل الطيفي العابر

مقالات مشابهة

  • بلو أوريجين تتعهد بعودة صاروخ New Glenn إلى الفضاء قبل نهاية 2026
  • ناسا تكشف عن خططها لإنشاء أول قاعدة لها على سطح القمر
  • فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئية
  • الألومنيوم يقفز لأعلى مستوى في أكثر من 4 سنوات وسط تصاعد التوترات بالشرق الأوسط