لجريدة عمان:
2026-07-23@22:19:06 GMT

السؤال/ السرد/ الواقع هواجسُ الكتابة وقلقها

تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT

حمود سعود -

تقود سيارتك، تنظر إلى خارج النافذة، وخارج المعنى، تفتح النافذة المغلقة/ شبه المعتمة، ترى العُلب الإسمنتيّة تتكاثر بعدما كان المكان «سيحا»، فضاءً مفتوحًا، غابة من أشجار «السّمر»، كلُّ علبة إسمنتيّة تحملُ بداخلها حكاية، وفي الحكاية غربة الكائن وقلقه، سيصرخ أو يهمس الكائن النائم داخل هذه العُلب: ما الذي رمى بي هنا؟ هل ستنبتُ أحلام أطفالي هنا؟ ماذا سيفعل الزمن بجذوري وذكرياتي في القُرى البعيدة؟

لا علينا، لا من سؤال الكائن القلق، ولا من العُلب الإسمنتيّة التي صارت قدرنا وجحيمنا.

علينا أن نتتبّع رائحة الحكاية وسؤال السرد، فعلبة السرد أكثر دهشة وجمالًا من علبة الحداثة وحرائقها، تغيرتْ أشكال البيت من الكهوف إلى ناطحات السحب، إلّا أنّ الحكاية ظلّت صامدة وتمددت، يعود الأب متعبًا من رحلة الصيد أو رحلة العمل، فيدلق حكاياته في المساء لتنام الحكايات في مخيلة أطفاله، يدحرج الأطفال الحكايات في دروب أحلامهم.

الكائن النائم في علبته الإسمنتيّة المسماة «بيت» سيكتشف خديعة المدينة، بعدما تلدغه أنياب الرأسماليّة، لكنّ الرجل الذي قاد سيارته، وفتح نافذتها، وأطلق سؤاله، يذهب هو الآخر إلى أفخاخ الحياة، عليه أن يقود سيارته إلى «دوار مكّة»؛ ليشتري من محلّ «دواجن بوشر» دجاجا لعائلته، وبعدها سيذهب إلى محلّ الشابين ليشتري سمكا، سيدحرج له بائع الدّواجن المصريّ حكايته ونكاته، لكنّه مسكون بسؤال السرد، حكى البائع المصريّ عن هجرته من صعيد مصر إلى السودان في طفولته، وعمله في الزراعة وتربية الإبل، هرب من السودان عندما شبّت نيران الحرب، ثمة خيط للحكاية يتشكّل، لكنَّ الزبائن يقطعون خيط الحكاية، جعل البائع ينسى حكايته.

ــ لو سمحت 10 دجاجات 900 جرام. مقطع.

ــ لو سمحت 15 دجاجة بدون تقطيع.

لا يمكنك أيّها السّارد أن تبعثر بالحكاية هكذا الآن، أنت تخرج من محلّ دواجن بوشر، والحكاية لم تكتمل في فم البائع، ومكّة ليست مكّة في مخيّلة القارئ. وقبل أن تضع بطاقة البنك في مكينة البائع، تصدمك العبارة التي يضعها في وجه المكينة: «هتدفع يعني هتدفع».

أهي عبارة للتهديد؟ أم للضحك؟ أم للسخرية من واقع مشترك بين بائع مغترب ومشترٍ ضائع في أفخاخ الحياة؟ علقت العبارة في ذهن السّارد، وأخذ يرددها: «هتدفعوا يعني هتدفعوا، هتدفعوا أحلامكم وأيامكم وأعماركم».

لا عليك من بائع الدواجن، ولا بوشر، ولا مكّة، ولا السّودان، ولا من العبارة السّاخرة من كلّ شيء. أنت الآن هنا في العامرات، تُفتّش عن حكاية، أو فكرة نصّ، لنذهب إلى محلّ السّمك، الشابّان القادمان بأحلامهما من قريات إلى العامرات، تستقبلك عيون الأسماك المفتوحة على مياه الخيال، تستغيث بك لتكتب عن رحلتها من المحيط الهندي إلى سواحل بحر عمان، رحلتها في الضوء والظلام، لتقع في شباك الصيادين في قريات. وتُوضع في قوالب الثلج؛ لكيلا تذوب في جحيم العامرات. تحدّق كمجنون في عيون الأسماك، ترى بحارا ومحيطات، أعماقا زرقاء، بواخر شركات تحرث البحر، تسمع أغاني صيادين موتى تنبعث من عيون الأسماك، ترى في عين السمكة ما لا تراه في واقعك. ترى أغاني الماء، ووحشة الليل في المحيط، وفرح الشمس في عمق البحر.

عندما شاهدني البائع القرياتيّ أحدّقُ في عيون أسماكه، قال بصوت منزعج:

ــ تفضل أخوي.

ــ لا بس تذكرت رسومات محمد نظام .

بعدها أردفتُ قائلًا: أريد ... كليو مقطع سمك.

قبل أن تخرج من محلّ الأسماك، تتوقف مرة أخرى أمام العيون المفتوحة، لا تشبه عيون الموتى، ولا عيون العمّال المتعبين، لماذا تُحدق بي هذه الأسماك؟ لماذا أصبحتُ مرتعبًا من العيون المحدقة بي؟

تعود إلى علبتك الإسمنتيّة أيها السّارد، حاملا معك دجاج بوشر وأسماك قريّات، تدور في دوار «الدقل»، محدّقًا في الطيور التي تقف في نخيل الدوار، وهي تحدّق بالعابرين إلى أعمالهم وأحلامهم وخيباتهم. ماذا لو كتبتْ تلك الطيور المنتشية بالصباح سيرة التعب في عيون العابرين؟ هل ستمتلئ علبة السرد بحكاية الواقع أم أنّ ملح الخيال سيفسد الحكاية؟

ما ذكرته فيما سبق، هي هواجس لسؤال السرد، هواجس يتداخل فيها ما هو شخصيّ وذاتيّ بما هو جمعيّ، يمكن للسّارد أن يطرحَ ويحلّل هواجس هذا السرد بعيدًا عن مناشير النظريّات وسكاكين النقّاد؛ فالأسئلة التي تتفجّر من كبد السرد أجمل من الأسئلة التي تَزرعها النظريّات في حقول السّرد، فالسّارد يشعر بأشواك الأسئلة في قدميه ومخيّلته، ربّما هي أسئلة للقلق الشخصيّ من هواجس الكتابة، قد لا يتفق الساردون معها، أو لم تعبر في مخيّلتهم، لكنّ هذه الهواجس تتفجّر في دروب السرد؛ فسؤال الخيال يلحّ في كلّ نصّ، سؤال لا يزاحمه الواقع، بل يكون الخيال هروبًا فاشلًا من قلق الواقع وقضايا الحياة أحيانا، فمن الصعوبة أن يوازن السارد بين الواقعيّ والمتخيّل في نصوصه؛ إذ الخيال ضرورة لا بدّ منها، والواقع نهر للحكايات.

لنعد إلى طرح الهواجس مرّة أخرى بصورة مختلفة من باب الاحتمالات؛ فالرّجل الذي يسكن العُلب الإسمنتية لا علاقة له بسؤال السرد، لكنّ قلقه واغترابه يمكن أن يكون محرّضًا لسبر روح الحكاية، وتحوّلات المدينة، وأسئلة الزمن المنسيّة، وعمودا في خيمة النصّ، هو لا يفكّر بهواجس السّارد وسرده، لكن السّارد يعيش قلق التحوّل في المدينة، والتشوّه في جوهر الإنسان، يتأمّل أنياب الرأسماليّة كيف تسحق البشر. فالكائن القلق في علبته الإسمنتيّة والمتشظّي بين مدينة وقرية، يساعد السارد في طرح سؤاله عن الاغتراب، مدفوعًا برائحة الخيال.

لم يسأل السرد عن زمن الانتقال من المشهد السرديّ الأوّل إلى المشهد الثاني، ولم يلتفت القارئ لذلك، لكنّ فضول الناقد: سيسأل عن الزمن السرديّ للحدث، ولن يلتفت هذا الناقد إلى الزمن الخاص بالشخصيّة، وقلقها الخاص من التحوّلات. لا زمن سيلتفت إلى قلق التحوّل، السرد هو القادر على جرح كبرياء الزمن.

في المشهد الثاني نجد البائع المصريّ، ربّما يكون مندمجاً مع أغنية لأم كلثوم، أو منصتًا لصوت عبد الباسط عبدالصمد، لم يخبرك السارد بتفاصيل البائع، فحضوره في المشهد الأوّل كان ضبابيًّا وعائمًا؛ لأنّ الخيال وحده لا يبني نصًّا يغوص في عمق الشخصيّة. لم يَصف السرد المشهد والشخصية، رغم أنّ الحكاية بدأت تتشكّل لولا عجلة السارد في الخروج من المكان، ماذا لو تشكّل الرجل المشتري بصورة حكاية في مخيلة البائع؟

ليست هناك قواعد في السرد، فالسرد يمنح مجانينه وعشّاقه الحقّ في كسر كل قواعد المألوف، الدهشة التي يشكلها السّارد قادرة على تجاوز القواعد المتخشّبة، فالبائع العائد من السودان ربما يحمل رماد حروبه وشتات العمر، ويحمل بداخله سؤال المنفى الذي لم يلتفت له السارد المستعجل.

ما الذي يمنع الخيال أن يُشكّل النصّ السرديّ هنا؟ فالبائع يحمل حكايته بين أمكنة مختلفة: مصر، والسودان، والعامرات، وكلّ مرتحل له حكاية. إلى أيّ مدى يجب أن يحضر الواقعيّ في الإبداع؟ وكيف يسهم خيال الكاتب في ترميم فشل الواقع؟ وهل يمكن للمشتغلين في عوالم الكتابة أن يحدّدوا ذلك؟ هناك نصوص كتبت بخيال محض، لكنّ القارئ يظن ذلك واقعيًّا، وهناك نصوص تنحو منحى الواقعيّة إلّا أنّ المتلقّي ينسبها إلى عوالم الخيال؛ إذن هناك خيوط خفيّة بين هذا وذاك، وبين صنعة مبدع، غير أنّ ذلك لا يمنع من القول بقليل من الشكّ واليقين: إنّ الواقع أكثر غرائبيّة من الخيال؛ إذ كلُّ خيال يمكن أن تتصوّره مخيّلتك أنّه يحدث في مكان ما، وكلّ واقعيّ لديك هو خياليّ لدى شخص آخر.

فبائع السمك لم يفتح باب الحكاية في وجه السارد، ليس لأنّه لا يملك شباكًا للسرد، بل هو صيّاد للأسماك والحكايات، ولكنّ الريبة والشكّ خامرته عندما رأى وجه السارد المندهش، فالبحر محرّض جماليّ للحكاية، للاتساع الأزرق، للغموض الذي يربك مخيّلة الصيّاد.

يعود الرجل الذي فتح نافذة سيارته ومخيّلته إلى بيته، لينجو من أفخاخ الحياة، ترك السمك المقطع في المطبخ، تسلّل طفله إلى المطبخ، ليحمل رأس السمكة ويضعه في البحر الذي رسمه في كراسة الرسم، لم تتحرّك السمكة في بحر الطفل، إلّا أنّ الخيال حرّك السرد في مخيّلة الطفل.

حمود سعود قاص عماني

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الإسمنتی ة ل السرد ة التی فی مخی

إقرأ أيضاً:

الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟

منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.

واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of list

ويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.

مظاهرة للاحتجاج على إقالة وزير الدفاع فيدوروف والمطالبة بعزل سيرسكي في كييف 20 يوليو/تموز 2026 (رويترز)ينتمي لجيل جديد

ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.

ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.

وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.

دراباتي خلال اجتماعه مع الرئيس زيلينسكي في العاصمة كييف في يوليو/تموز 2026 (أسوشيتد برس)استعادة رؤية فيدوروف

غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.

إعلان

لكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.

وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.

ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".

المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة

بواسطة مارك سانتورا

قائد جريء

وتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.

وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.

ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.

مهمات جديدة معقدة

غير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.

كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.

ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.

نهاية مرحلة

في المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.

وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.

إعلان

لكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.

صراع بين مدرستين

وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.

وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.

وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.

أزمة الموارد البشرية

ويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.

وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.

وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.

مقالات مشابهة

  • تامر حسين يثير الجدل بسبب أغنية «اتأخر عتابنا» لـ عمرو دياب.. إيه الحكاية؟
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • نقابة موظفي غزة: لن نصمت بعد اليوم على "الظلم الواقع" بحق الموظفين
  • افتتاح ملتقى السرد العربي السابع ضمن فعاليات جرش