الشَّجَرةُ الأُمّ.. قراءة في ديوان «مراثٍ خافتة للظِّلال الحيّة»
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
أ.د. حمود الدغيشي -
ضئيلةٌ هيَ حياتي، كحَبَّةِ قمحٍ في جِرمها المُجرّد
«الدّيوان، ص36»
شاعِرٌ يقتاتُ من الحزن ليعيشَ لذاذة الحضور، يحتفي الشِّعرُ بجنازة الفقد في داخله، وتَيْبَس أوصاله إذا أقامَ فرحًا في روحه، تبكيه الطبيعةُ حين يخنقه النّواح على شجرة الحياة في مكانٍ قصيٍّ مَحفُوفٍ بغاباتٍ من الظلام؛ حيثُ ترقد هناكَ أُمُّ الطبيعة، الشجرةُ المعبودةُ منذ الأزل.
يعدّ «وليم بليك» الخيالَ قوّةً خالقةً يُستطاع بها تعمُّق الحقيقة، وقراءة الطبيعة على أنها رموزٌ تُشير إلى عالَم أعمقَ وأرحب وراءها، أو إلى شيءٍ كامنٍ فيها لا يمكن قراءته بالطاقة العادية..».(١)
ثمّةَ مفردةٌ واحدةٌ قادرة على أنْ تُوغِرَ المُخيّلة على استدعاء عذابات النفس، وإيقاظ نُدوب الرُّوح، لتجعل من الفنّان كائنًا سائلًا يتماهى مع دموعه. إنها الشجرةُ الملتصقةُ جذورُها في باطن الأرض بجذور الأمّهات، حيثُ تُعرِّش لتحرسَ طهارة الموت. كما قال سماء عيسى في مجموعته «الأشجار لا تفارق مواطنها الأولى»(٢)
أَيَّتُها الشجرةُ
أنتِ أُمٌّ لنا
نحنُ صغارُكِ
ظلالك
يُشكِّل «البلوشي» عناصر تجربته من الطبيعة وحدها، الطبيعة بعناصرها الميّتة والحيّة في خضمّ أمواج الفناء، ويرفد الصورة بتراكيب تتعالق بالانزياح، وتتعالى بالتكثيف؛ فتزداد عمقًا. في «تميمة الأرض» يقول:
وعلى السهوب الفاتنة هناك ...
أذنتُ لدمعتي كي تهرق تحرّقها، تأسّيًا بالشعاع العذري
حين كان ينسكب بلطافته الفتيّة في الأفياء
والذي كنتُ أتطلع نحوه بكلّ الود
لطمأنة زهرةٍ خائفة كانت هناك ..
حيث سيبزغ عنقها الذاوي في يومٍ متعافٍ
بجوار تلك السّيقان المناضلة لأعشاب الموت
تتحوّل الطبيعة بعناصرها الجامدة إلى سيولة (تَسْييل الطبيعة) لتتواكب مع السَّيلان العاطفي؛ احتاج «البلوشي» لتعميق صُوَر تجربته، إلى تجسيد حالة الهشاشة التي تعتريه في مشهد رثائي للذات؛ فعنصر «الدمع» الذي يحمل في طبيعته سيولةً متدفقةً أكثر في مواقف الحزن المُوجِع يتجلّى في الصورة السابقة بوحدة الحزن، واستمراره، وشدّة وجعِه «التّحرُّق»، ويتحوّل «الشّعاع» النُّورانيّ إلى طبيعة إنسانيّة طاهرة «العذريّ»، وإلى سائل يمكن أن يرويَ الطبيعةَ الجافة بسيولة الحياةَ. والزَّهرةُ التي تنبتُ في الأرجاء، حيثُ مدافنُ الأحبّة، تتجلّى كائنًا إنسانيًّا صغيرًا متلبّسًا بالمشاعر؛ ليُطلقَ فِعْل الطمأنينة من أجلها، وقد وصف صورتها بين الأعشاب المتدافعة بالخوف في ظلّ عنف الطبيعة من حولها.
ما يحاوله الشاعر في عناصر الطبيعة التي تتكدّس على التلال، حيث مدافنُ الموتى، أنْ تُورِقَ؛ كي تحرسَ الشجرةَ الأُمّ بالحياةِ والخلودِ، وتمدّها بالنقاء والطهارة، إذ كلُّ الأوجاع ترحلُ تجاه الشجرة، وتتبلورُ الأحزانُ تحت ظلالها، وتظلّ الذاكرةُ معلّقة على أغصانها، لا سيما حين تقف وحيدةً على التلّ، منحنيةً بجذعها؛ ليُسقِط الشاعر حزنه بهذا المشهد التراجيدي على أُمّ الطبيعة.
وكانت الشجرة المنحنية على التلّ
تنعكس وحيدةً كالموجة الساهية ..
في طهارة بياضها المغري
تتعاضد عناصر الطبيعة في صناعة مشهدٍ يتواءم مع شقوق الرُّوح؛ حيثُ الأشجارُ في تجسُّدها لا تُعبِّر عن شموخها وتعاليها بقدر ما تُجسِّد طقسًا جنائزيًّا؛ فهي ترعى الأرواح التي سكنت الهضاب، إنه اصطفاف موجِعٌ كأنه مرثيّةٌ صامتة للموتى؛ قبورٌ متراصّة تنزف بالأوجاع. الهضاب الوادعة تتقدَّم المشهد لترسم صفاء الصورة، وهدوءها، ونقاءها وطهارتها، ثم يبدو المشهد ضبابيًّا في الأشجار الضامرة، لينفجر في الجروح المنفتحة، ويتوارى في الأحلام الدائخة. ثمَّةَ تماهٍ بين الطبيعة والرُّوح تدفع بالأخير إلى أنْ يغرق في تفاصيل الأولى، ويتغذى على مفرداتها، ويسبح في ملكوتها.
في أعلى الهضاب الوادعة هناك ...
حيث هي الأشجار في رتابة ضمورها
تبدو متعاضدة كجروح منفتحة
وكانت ترفع عن نافذة روحي غشاوة الأحلام الدائخة
هناك انغرستُ بكلّيتي ..
«ليس ثمّة مظهر من مظاهر الطبيعة غير قابل لأنْ يُوقظ فينا هذا الإحساس المضني إلى مدى لا نهائي يُحيط بنا ويسيطر علينا».(٣)
ما مِن كائنٍ قادرٍ على استفزاز الجراح بعمقٍ كلّ مرّة سوى الشجرة، إنها تبعثُ في جوّانيّة النّفس مشهدَ الموت حين تتجلّى للشاعر في مكانها المنفرد، حيثُ ترقد أرواحُ الأحبّة. يسكن الوجعُ في النّفس عند الاقتراب من ذلك المكان، وتبدأ اللغةُ في تكثيف الصورة وتنزاح في دلالتها، فالوَخْزُ لا يكتفي بصفته الموجعة المتجذِّرة فيه بل يزداد كثافةً بالشَّجا، والكثافة تحتلّ موطن النفس لتصبح قارّة مُتوطِّدة فيها؛ وهكذا قد تغدو صورة الحبال في هذه المتراكمة من الأفعال عنصر نجاة، إلا أنّ المشهد يَدْهَمُنا بالانزياح من عنصرٍ للأمان إلى عنصر للعذاب، لترحل الكلمات وتنسلّ الدموع إلى عالم الغياب.
وكُنتُ أحسُّ بوخزٍ شَجِيٍّ يتوطَّد في تجويف حلقي الجاف
إذ المراراتُ تمدّ حبالَها الجارحة فيه.
لقد رغبتُ في أنْ أتأمَّل الشجرة البعيدة هناك ...
أشارَ «جورج سانتيانا» إلى أنّ فنَّ الشِّعر هو إلى حدٍّ كبير فنُّ تكثيف الإحساسات عن طريق حشد الأجسام المختلفة التي تثير هذه الإحساسات... فالعواطف الرائعة التي تفيض بها نفس الشاعر يجب أن تجد الأجسام الموضوعية التي تعادلها... ولأن الإحساس كما يرى الشاعر «و.ب. يتس» لا يُوجد، أو على القل، لا يمكننا الشعور به إلا إذا وُجِدَ التعبير عنه في اللون أو الصوت أو في الشكل أو في كل هذه مجتمعة، ولأنّ كلّ ترتيبٍ جديدٍ لأحد هذه الأشياء لا بدّ أن يُثير فينا إحساسًا جديدًا مختلفًا عن غيره ...».(٤)
في هذا العالم المتراكم بالصخب والعبث، وفي هذه المدينة المُزْكَمة برائحة الوجع، ثمَّةَ سكينةٌ في النفس تمنحها بعض الكائنات؛ لنحتفيَ بالحياة في حضرة الموت.
كنتُ أشاطر النملة الوادعة هزأها بصخب العالم
ومعجبًا بتنسّكها في فراديسها الفاخرة
وفي الشقوق الهادئة لفجاج الأرض ..
لقد كانت مبرّأة من اللهاث العبثي.
يكثّف الشاعر من الاشتغال في الصورة الشعرية على مفردات الطبيعة، وإسقاطها على الذات، ويختار تلك المفردات التي تتقاطع مع النفس في سلامها وانسجامها، ويتماهى مع عوالمها ويشاركها خوفها، ويبكي مأساتها، يقول:
وكنتُ أسمع وقْع أقدامٍ راجلة تتبعني
وعلى إثرها.. كانت الطيور الآمنةُ تجفل
آهٍ لتلك الإشاحة المضطربة لوجوه الطّير ..
كيف كان الرّعب يجعلها
كمثل عميان بررة يتلمّظون القهر
حتى لتكاد أجسادها -يا للأسى- تصطدم بالجبل الفتيّ
وكانت وحدها، هذه المأساة المُجنّحة تُبكيني.
تظهر الشجرةُ أيقونةً مقدَّسة حين ترتبط بالأُمّ، ولأنَّ الشجرةَ تشكِّل الأُمَّ الأسطورية فقد تجرّدت من القيود الزمانية والمكانية، وهي نفسها الممتدة الجذور في عمق الأرض، الأُمّ الأولى واهبة الحياة، والاحتماء بها هو احتماءٌ بوطنٍ مُترَعٍ بالحنان والأمان، وطنٍ تُنزَع تحت ظلالِه كلّ الهواجس الشرسة.
لقد كنتُ أحتمي بأُمِّي الشّجرة، مِن كلّ الرّعب
وبها تحرَّرتُ
مِن التوثّب الشّرس لأشداق كائنات رقطاء
كانت تُلاحقني في اليقظة كما النوم.
ولأنّ الشجرة لا تُمارس طقس الانعزال أو الانفصال -على الرّغم من اليَبْس والقحط الذي يزحف إليها في وطن الموت - عن تربتها، بل تعيشُ وتموتُ مُتجذِّرةً بتُرْبتِها؛ لذا فإنّ الذات تلجأ إليها في خضمّ الصّراع مع الحياة؛ لتُودِع ما تبقى منها عند تلك الشجرة الواقفة كملاكٍ يحرس الحياة.
وكنتُ في الهدأة، أغمر جسدي بوشاح السماء
على السطح العامر
ولم تكن تُعانقني
سوى تلك النّجمة الضاحكة في الأعلى
كانت الشجرة المعرشة في الواجهة
هي مَن تولّت حراسة جمجمتي -الملتهبة - كملاك
يقول «باشلار» في جماليّاته: عندما نعيش بشكل حقيقيّ صورة شِعريّة فإننا نتعلم أن نعرف أنّ في واحدٍ من أليافها الصغيرة، صيرورةَ وجودٍ متجسِّدٍ في وَعْي باضطراب الوجود الداخلي. يصبح الوجودُ هنا حسّاسًا إلى درجة أنَّ كلمةً واحدةً تَقْلَعُه وتُفسد نظامه.(٥)
ها هي الشجرة التي اعتقد الإنسانُ القديم بنحيبها وبُكائها إذا ما دَهَمَها خطرٌ ما، تعود لتبكي -كما يصورها الوَعْي الشعري- مأساة الإنسان وليس مأساتها، تُشاركُه أحزانه، وتجسِّد لفقدِه المُوجع مشهدًا جنائزيًّا بالبكاء، إنها تتألّم لألمِه، لأنها الأُمُّ التي تمتدّ بجذورها في التّربة حيثُ ترقد الأُمّهاتُ جميعُهنّ.
لقد تخيّلتني مهْتزًّا هناك...
ومكبّلًا في فجاج القفر المشتهى
كحزمة أعشابٍ في رباطٍ مشدود
وأبدو كمَن هو مأسوفٌ عليه
لأنّني كنتُ -يا لوعتي- في ذلك الحال
أغرس تحديقتي في صلب شجرة مترمّلة هناك ...
تلك التي كانت
تكشف عن نحولها المُبكي وتنتحب كالأطفال.
ليس ثمّة مفردةٌ قادرةٌ على التعبير عن الوجع المُزْمِن في رحيل الأُمّ أكثر مِن الشجرة عند الشاعر البلوشي، فأينما اتّجهتَ في ديوانه حاصرتْك أغصان الأشجار، وأوجعتكَ بانحسار ظلالها، فالشجرةُ هي الأُمُّ التي تتماهى في ظلال الشجرة من الخارج، وهي الأُمّ التي ترقد عند جذور الشجرة تحت التراب؛ لهذا تجد الشاعر يُلصِق الشجرةَ بالأُمّ.
بينما كان يتناهى إلى مسمعي من الخارج
اضطراب الشجرة الأُمّ.
وكنت أحسّ بفعل ملاكٍ يهرِّب إليّ زمجرة الرِّيح
ورِقّة الأمطار ..
لقد خطَّ الشاعر البلوشي لنفسه طريقًا من الاعتكاف الشِّعري، يسِيلُ بجوارحِه كلِّها على صفحات الحياة، ويلوذُ بصمتٍ رهيب مقدَّس كما راهب يلوذ بصلاته في كهفٍ أعلى الجبال.
الهوامش:
1- الربيعي، محمود، في نقد الشّعر، ط4، دار المعارف، مصر، 1977م. ص52.
2- انظر: ديوانه، ط1، دار مسعى، البحرين 2016م. ص53.
3- انظر: دوركهايم، إميل، الأشكال الأولية للحياة الدينية، ترجمة، رندة بعث، ط1، المركز العربي للأبحاث، بيروت 2019م.
4- انظر: رشاد رشدي، مقالات في النقد الأدبي، ط2، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1979م. ص55-56.
5- جماليات المكان، ترجمة، غالب هلسا، ط2، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1984م. ص198.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: ل الأ م
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.